دينار يذوب وراتب يتبخر.. البركي: زيادة الرواتب مجرد وهم دون وقف تدهور العملة
البركي: أي زيادة في الرواتب دون ضبط سوق النقد ووقف تدهور الدينار مجرد وهم اسمي
ليبيا 24
من 550 دولاراً إلى 190: تقاعد الليبيين ينهار وحكومة منتهية الولاية تكتفي بالترقيع
قرار يلامس الجيوب ولا يملؤها
في وقت تتزايد فيه معاناة المواطن الليبي تحت وطأة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، تلوح في الأفق بين الحين والآخر قرارات حكومية بزيادة الرواتب، يُراد لها أن تكون طوق نجاة. لكن هذه الزيادات، مهما بدت سخية على الورق، تظل في جانب كبير منها زيادة اسمية لا زيادة حقيقية في الدخل، ما لم تُعالج أسباب الداء الأصلي: تراجع قيمة الدينار وغياب الضبط الفعلي لسوق النقد الأجنبي.
هذا ما تؤكده الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، في تحليل اقتصادي صارم يضع النقاط على الحروف.
المعيار ليس عدد الدنانير بل ما تشتريه
تشدد البركي على أن المعيار الحقيقي ليس عدد الدنانير التي يتقاضاها المواطن، بل ما تستطيع هذه الدنانير شراؤه فعلياً. وتستحضر مثالاً شخصياً بالغ الدلالة: في سنة 2010، كان راتب والدها التقاعدي يزيد على 700 دينار، وكانت قيمته تعادل تقريباً 550 دولاراً.
اليوم، قد يتضاعف الراتب بالدينار، لكن قيمته عند تحويله إلى الدولار قد لا تتجاوز نحو 190 دولاراً. هذا الانحدار الحاد ليس مجرد رقم، بل هو انعكاس مباشر لانهيار القوة الشرائية للدينار الليبي.
وتضيف: الأمر نفسه ينطبق على بقية الرواتب. من كان يتقاضى سنة 2012 راتباً قدره 1500 دينار، وكانت قيمته آنذاك تقارب 1150 دولاراً، يحتاج اليوم إلى ما يقارب 11,300 دينار حتى يحافظ، من زاوية سعر الصرف وحده، على القيمة نفسها. هذه الأرقام تكشف هشاشة أي زيادة لا ترافقها سياسات نقدية واقتصادية جذرية.
اقتصاد يعتمد على الواردات.. وارتفاع الدولار يضرب مباشرة
توضح البركي أن هذه المسألة لا تتعلق بالدولار في حد ذاته، بل بالقوة الشرائية للدينار؛ خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع والمواد الخام والمعدات المستوردة، وبالتالي تنتقل إليه آثار ارتفاع سعر العملة الأجنبية بصورة مباشرة.
فكل زيادة في سعر الدولار تعني تلقائياً زيادة في تكلفة الاستيراد، ومن ثم ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلية، وهو ما يلتهم أي زيادة في الرواتب قبل أن تصل إلى جيب المواطن.
السؤال الاقتصادي الأهم.. كيف نحافظ على القيمة الحقيقية؟
تطرح البركي سؤالاً جوهرياً: المشكلة ليست: كم نزيد الرواتب؟ بل السؤال الاقتصادي الأهم هو: كيف نحافظ على القيمة الحقيقية للراتب؟
وترد: رفع الأجور مع استمرار تراجع العملة وارتفاع الأسعار قد يرفع الرقم المكتوب في كشف المرتب، لكنه لا يعني بالضرورة أن المواطن أصبح أكثر قدرة على الشراء وسد احتياجات أطفاله. الهدف المفترض أن يكون استعادة القوة الشرائية للدخل، لا مجرد زيادة عدد الدنانير.
حكومة الدبيبة وتضليل المواطن المكلوم
هذه الحقائق الاقتصادية تكتسب بعداً سياسياً خطيراً. فالحكومة التي فقدت شرعيتها وتمسكت بالسلطة، تلجأ إلى زيادة اسمية في الرواتب لتجميل وجهها أمام الرأي العام، بينما تتجاهل عمداً المعالجات الحقيقية: ضبط سوق النقد الأجنبي، ووقف نزيف الدينار، ورقابة الأسعار، ومحاربة الفساد في المؤسسات المالية.
المواطن الليبي المكلوم، الذي يقف عاجزاً أمام ارتفاع أسعار السلع الأساسية، يدرك أن الزيادة الاسمية لا تسد رمق أطفاله ولا تعيد له كرامته.
إنها مجرد مسكن مؤقت، أو كما يقال: ترقيع في جسد اقتصاد متهالك. والحقيقة التي لا مراء فيها أن أي حكومة لا تملك إرادة سياسية لمعالجة جذور الأزمة، تظل تدير الأرقام لا حياة الناس.
سراب الزيادات الاسمية
في الختام، يبقى كلام الدكتورة ريم البركي صرخة تحذيرية في وجه من يتعاملون مع الاقتصاد الليبي بمنطق الشعبوية والترقيع. فالدينار الذي يذوب، والراتب الذي يتبخر، والمواطن الذي يبحث عن لقمة عيشه، كلها شواهد على أن الزيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأصفار في كشف المرتب، بل بقدرة الإنسان الليبي على العيش بكرامة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل كل الزيادات الاسمية مجرد سراب.



