بين مشاريع على الأرض ووعود متعثرة.. أزمة الإسكان تكشف الفارق بين تحركات الحكومة الليبية وتعهدات الدبيبة
في ظل تخبط وعود الدبيبة .. الحكومة الليبية تبني الحجر وتُسقط الأقنعة: أزمة السكن في ليبيا بين من يتحدث ومن يُنفّذ
ليبيا 24
خبراء يحذرون من تصاعد أزمة مواد البناء والتمويل العقاري والمواطن الليبي يدفع الفاتورة وسط صراع الشرعية بين الحكومتين
بين وعود طرابلس وواقع الإعمار في الشرق: من يبني ليبيا فعلاً؟
في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها المواطن الليبي، تتقاطع أزمة السكن المتفاقمة مع صراع الشرعية بين حكومتين تتنازعان تمثيل الدولة، إحداهما تتحدث من برجها في العاصمة، والأخرى تبني على الأرض في درنة وبنغازي ومرزق وسبها. وبين هذا وذاك، يقف المواطن الليبي المكلوم في المنتصف، يبحث عن سقف يأويه، وعن وعد يتحقق، لا مجرد كلمات تذروها الرياح.
التمويل العقاري: سلاح ذو حدين
يقول محمد العوضي، الخبير المصرفي، إن التمويل العقاري طويل الأجل يمكن أن يكون أحد الأدوات الرئيسية لتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج الإسكان، إلا أنه يحتاج إلى معالجة جذرية لمجموعة من التحديات، من بينها ارتفاع مخاطر الائتمان، وضعف الضمانات العقارية، وصعوبة تقييم بعض الملكيات، فضلاً عن الحاجة الملحة إلى مصادر تمويل طويلة الأجل تتناسب مع طبيعة القروض السكنية.
ويضيف العوضي أن المصارف لا تستطيع تحمل تمويل مشاريع إسكانية ضخمة بمفردها، خصوصاً أن القروض العقارية تمتد لسنوات طويلة، في حين تعتمد المصارف بدرجة كبيرة على مصادر أموال أقصر أجلاً.
ويرى أن تطوير سوق متكاملة للتمويل العقاري يحتاج إلى أدوات تمويل أكثر تنوعاً، مع إمكانية مشاركة مؤسسات حكومية وصناديق استثمارية وشركات تمويل متخصصة، بما يقلل المخاطر ويوفر مصادر تمويل مستقرة للمشاريع السكنية.
الأزمة ليست في عدد الوحدات فقط
ولا يرى عبدالعزيز الزقم، المحلل السياسي، أن أزمة السكن في ليبيا يمكن اختزالها في الفجوة بين عدد الوحدات المتاحة وعدد الأسر التي تحتاج إلى مساكن.
ويقول إن المشكلة ترتبط أيضاً بمستويات الدخل وأسعار الأراضي وتكاليف البناء وأسعار مواده ومعدلات التمويل، إضافة إلى التوزيع الجغرافي للسكان وقدرة الدولة على توفير البنية التحتية والخدمات.
ويحذر الزقم من أن ضخ إنفاق حكومي كبير في قطاع الإسكان من دون زيادة مقابلة في المعروض من الأراضي المجهزة ومواد البناء والخدمات قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف، بحيث تتحول الزيادة في الإنفاق إلى ضغوط إضافية على أسعار الأراضي والعقارات.
ويشير إلى أن برامج الإسكان يمكن أن تحقق أثراً اقتصادياً أوسع إذا ارتبطت بسلاسل الإنتاج المحلية، بدءاً من الأسمنت والحديد ومواد البناء، مروراً بشركات المقاولات والمكاتب الهندسية، وصولاً إلى النقل والخدمات المالية، بما يجعل الإنفاق على الإسكان محركاً لنشاط اقتصادي متعدد القطاعات.
الأرض والبنية التحتية: شرط أساسي لجذب الاستثمار
ومن جانبه، يقول المهندس محمد الشاعر، المطور العقاري، إن توفير أراض مملوكة للدولة ومجهزة بالمرافق يمكن أن يخفض التكلفة النهائية للوحدة السكنية بصورة كبيرة، ويجعل مشاركة القطاع الخاص في المشاريع أكثر جاذبية.
ويضيف أن وضوح الملكية العقارية يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات، إذ يصعب على المطور تحمل مخاطر مرتبطة بأرض غير محسومة الملكية أو بمخطط عمراني قابل للتغيير بعد بدء تنفيذ المشروع.
وتعكس هذه المخاوف أحد التحديات الرئيسية أمام برامج الإسكان في ليبيا، إذ إن بناء الوحدات السكنية لا ينفصل عن إنشاء الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، وهي تكاليف قد ترفع السعر النهائي للمسكن إذا لم تكن الأرض مجهزة مسبقاً.
ومن داخل السوق العقارية، ترى شركات عاملة في القطاع أن الطلب على المساكن في المدن الليبية لا يزال مرتفعاً، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في اتساع الفجوة بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية للأسر.
وتشير شركات عقارية إلى أن جزءاً من الطلب الموجود في السوق هو في الواقع “طلب مؤجل”، أي أسر تحتاج إلى مسكن لكنها لا تستطيع شراءه بالأسعار الحالية، فتتجه إلى الإيجار أو تؤجل قرار الشراء إلى حين تحسن قدرتها المالية.
مواد البناء تضيف ضغوطاً جديدة
ويتزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف مواد البناء في السوق الليبية، وفي مقدمتها الأسمنت، ما يضيف ضغوطاً جديدة على كلفة تنفيذ المشاريع الإسكانية الحكومية والخاصة.
ووصل سعر قنطار الأسمنت إلى نحو 85 ديناراً، وفق الأسعار المتداولة في السوق، وهو ما يعادل نحو 13.2 دولاراً، استناداً إلى متوسط سعر الصرف الرسمي البالغ 6.4287 دنانير للدولار في نشرة مصرف ليبيا المركزي بتاريخ 8 أكتوبر الجاري.
ويرفع ارتفاع سعر الأسمنت كلفة تشييد الوحدات السكنية، خصوصاً في المشاريع التي تمتد فترة تنفيذها لسنوات وتتعرض خلالها الأسعار لتغيرات متكررة.
ويقول المقاول محمد حجاج إن استمرار ارتفاع أسعار مواد البناء يجعل من الصعب تثبيت تكلفة الوحدة السكنية عند المستويات المقدرة وقت الإعلان عن المشروع، خصوصاً إذا استغرقت إجراءات التعاقد والتنفيذ فترات طويلة.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الأسمنت والحديد وبقية مواد البناء يفرض تحدياً إضافياً على برامج الإسكان المدعوم، إذ قد تضطر الجهات العامة إلى زيادة المخصصات المالية للمشاريع المتعاقد عليها، أو إعادة النظر في المواصفات والجداول الزمنية، لتجنب توقف التنفيذ أو تراكم فروق الأسعار.
عجز سكني كبير ووعود متكررة
وكان رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة قد قال، خلال الحوارية الوطنية للإسكان والتمويل العقاري في 6 يوليو الماضي، إن ليبيا تواجه عجزاً سكنياً يقدر بنحو 800 ألف وحدة، معتبراً أن حجم الاحتياجات يجعل معالجة الأزمة بالأساليب التقليدية غير كافية.
وقال الدبيبة إن نحو 70% من الأسر الليبية تحتاج إلى دعم وتمويل عقاري طويل الأجل بشروط ميسرة وأقساط تناسب الدخل، ضمن تصور يقوم على تقسيم المستفيدين إلى شرائح بحسب قدرتهم على البناء أو الشراء، مع توزيع الأدوار بين الدولة والمصارف والقطاع الخاص.
لكن حجم الأرقام المستهدفة في البرامج الإسكانية الحكومية لا يحسم وحده مشكلة السكن، إذ يبقى نجاح هذه المشاريع مرتبطاً بقدرتها على الوصول إلى الأسر التي تعاني فعلياً من فجوة بين دخلها وأسعار المساكن.
وفي المقابل، تتواصل جهود الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد في تنفيذ مشاريع إسكانية ملموسة على الأرض. فقد افتتحت الحكومة مشروع 2000 وحدة سكنية في مدينة درنة، الذي يجري استكماله تمهيداً لتسليمها إلى المواطنين الذين فقدوا منازلهم نتيجة الفيضانات.
كما دشنت الحكومة مشروع استكمال عشرين ألف وحدة سكنية في بنغازي، في خطوة وصفها رئيس الحكومة بأنها تأتي في إطار طفرة غير مسبوقة من التنمية وإعادة الإعمار.
وتستهدف خطط الحكومة إنشاء نحو 12 ألف وحدة سكنية في مناطق الجنوب، إلى جانب مشاريع ووحدات سكنية أخرى في مختلف أنحاء البلاد.
بين الوعود والإنجاز: من يبني ليبيا؟
وبينما تكتفي حكومة الدبيبة بإطلاق المبادرات والإعلان عن الأرقام، تواصل الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد عملها الميداني في درنة وبنغازي ومرزق وسبها وغيرها من المدن، لتؤكد أن الفعل يسبق القول، وأن الإعمار الحقيقي لا يحتاج إلى حواريات وطنية في الفنادق الفاخرة، بل إلى قرارات جريئة وإرادة سياسية صلبة وشفافية في التنفيذ.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل المواطن الليبي رهينة صراع الشرعية بين حكومتين، إحداهما تتحدث والأخرى تبني؟


