تحركات أمريكية وأممية وإقليمية لدعم إقامة حكومة موحدة تمهد للانتخابات
تعدد المسارات بين فرص التنسيق ومخاطر التعطيل

تعكس التحركات المتجددة بشأن الأزمة الليبية إدراكًا متزايدًا بأن إنهاء الانقسام السياسي يتطلب معالجة متزامنة للملفات المؤسسية والاقتصادية والأمنية، بدلًا من الاكتفاء بتفاهمات جزئية لا تضمن بالضرورة الانتقال إلى تسوية شاملة. وبين المبادرات الدولية والتفاهمات الإقليمية، يظل التحدي الأساسي هو بناء توافق ليبي قادر على تحديد شكل المرحلة المقبلة وأسس إدارتها.
وفي هذا الإطار، اعتبر عضو مجلس النواب ومراقب المجلس صالح أفحيمة أن اتفاق لجنة 4+4 يمكن أن يشكل خطوة نحو الحل السياسي، إذا جرى التعامل معه وفق مبدأ التوافق، ومعالجة الملاحظات القانونية والسياسية من خلال الحوار، بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
وجاءت هذه المواقف في سياق التعليق على إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن، حيث برزت أهمية احترام الإرادة الوطنية والمؤسسات القائمة والأطر الدستورية والقانونية، بما يدعم الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة ومتزامنة. ويعكس هذا الطرح معادلة أساسية في المشهد الليبي، تتمثل في ضرورة التوفيق بين الدفع نحو تسوية سياسية جديدة والحفاظ على الشرعية المؤسسية، بما يمنع تحول المبادرات إلى مصدر إضافي للخلاف.
تعدد المسارات بين فرص التنسيق ومخاطر التعطيل
على المستوى الإقليمي والدولي، يرى المحلل السياسي السنوسي إسماعيل أن التحركات المرتبطة بالملف الليبي تعكس حراكًا متجددًا، مع توجهات من مصر وتركيا لإحياء التفاهمات بين الأجسام السياسية المنبثقة عن الاتفاق السياسي.
وأوضح إسماعيل، أن المبادرة الأمريكية تتحرك عبر مسارات متوازية، تشمل التفاهمات المتعلقة بالإنفاق العام والتنسيق العسكري. ويمكن لهذه الملفات أن توفر أرضية مساندة للتسوية السياسية، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم ترتبط بمعالجة الخلافات المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة ومستقبل المؤسسات.
وتبرز هنا إمكانية التكامل بين المسار الأمريكي والجهود الأممية، ولا سيما الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، شريطة أن تتجه المخرجات نحو توافق داخلي يحظى بقبول الأطراف الليبية. فنجاح تعدد المبادرات لا يتوقف على كثافة التحركات الدولية، بقدر ما يرتبط بوضوح أدوارها وقدرتها على تجنب التنافس أو إنتاج مسارات متوازية لا تلتقي عند تسوية عملية.
كما أن التفاهمات المتعلقة بالإنفاق العام، رغم أهميتها في إدارة الأوضاع الراهنة، لا تحسم وحدها الخلافات الأوسع بشأن توزيع الموارد وإدارة الاقتصاد. وهو ما يجعل الربط بين الترتيبات المالية والتوافق السياسي ضرورة لتجنب بقاء الحلول في إطار المعالجات المؤقتة.
الحكومة الموحدة اختبار حاسم للتوافق السياسي
تظل مسألة تشكيل حكومة موحدة مؤقتة إحدى أبرز القضايا المطروحة في إطار التفاهمات المحتملة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بهدف إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات، مع مراعاة التوازنات السياسية والجغرافية في شرق ليبيا وغربها وجنوبها.
غير أن تشكيل حكومة جديدة لا يمثل في حد ذاته ضمانة لإنهاء الانقسام؛ إذ تتوقف فاعلية هذا الخيار على طبيعة التوافق بشأن صلاحيات الحكومة ومهماتها ومدتها، وآليات الرقابة عليها، ومدى قبول المؤسسات والقوى الفاعلة بها. كما تفرض التجارب السابقة، ومنها تجربة جنيف، ضرورة معالجة الخلافات المتعلقة بآليات اختيار السلطة التنفيذية وضمانات تنفيذ الاتفاقات قبل الانتقال إلى ترتيبات جديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاهم بشأن الحكومة الموحدة يحتاج إلى ارتباط واضح بجدول سياسي قابل للتنفيذ، يحدد الخطوات المؤدية إلى الانتخابات ويعالج العقبات الدستورية والقانونية التي حالت دون إجرائها في مراحل سابقة. ومن دون هذه الضمانات، قد تتحول الحكومة المؤقتة إلى حلقة جديدة في سلسلة المراحل الانتقالية بدلًا من أن تكون أداة لإنهائها.
التوافق الداخلي معيار نجاح المبادرات
في المحصلة، يتيح تعدد المسارات الأمريكية والأممية والإقليمية فرصة لتوسيع هامش التفاهم بشأن الأزمة الليبية، لكنه يضع الأطراف المعنية أمام اختبار القدرة على توحيد الجهود حول أهداف محددة، بدلًا من الاكتفاء بإعلانات سياسية أو تفاهمات مرحلية.
وتبقى جدوى اتفاق لجنة 4+4 مرتبطة بقدرته على الانتقال من مستوى المبادرة إلى صيغة تحظى بقبول سياسي ومؤسسي واسع، وتضمن معالجة الخلافات القانونية وتحديد مسار واضح لتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات.
وبين رهانات التنسيق الدولي وتعقيدات الانقسام الداخلي، يظل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة ومتزامنة الهدف المعلن الذي يفترض أن تقاس به نتائج هذه التحركات، فيما تبقى قدرة الأطراف الليبية على إنتاج توافق قابل للتنفيذ العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المبادرات الحالية ستقود إلى تسوية مستدامة أم ستضاف إلى محاولات سابقة تعثرت عند حدود التفاهم السياسي.



