ليبيا

خبراء الاقتصاد يحذرون من تفاقم الأزمة المعيشية في ليبيا

تتزايد التحذيرات الاقتصادية في ليبيا مع تسارع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار، وسط انتقادات لآليات إدارة الإنفاق العام وتفاقم الاختلالات المالية والنقدية، في وقت يرى فيه خبراء أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات هيكلية تتجاوز الحلول المؤقتة، وتستهدف ضبط الموارد العامة والحد من الهدر وتعزيز الاستقرار النقدي.

وفي هذا السياق، طرح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، خمسة مسارات رئيسية لإنقاذ الاقتصاد الليبي، تتمثل في تشكيل حكومة موحدة وفعّالة، وتشديد الرقابة على الإيرادات النفطية، وترشيد الاعتمادات المستندية، وتنظيم أوضاع العمالة الوافدة، ودمج اقتصاد الظل في المنظومة الرسمية، معتبرًا أن معالجة جذور الأزمة تبدأ من إصلاح مؤسسات إدارة المال العام وتحسين كفاءة توظيف الموارد.

ودعا الشريف إلى تشكيل حكومة مصغرة لا يتجاوز عدد وزرائها 15 وزيرًا، على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات السياسية، مع إخضاعها للمساءلة عن النتائج، وتكليفها بتوحيد الإنفاق العام وإدارة شؤون البلاد. ويعكس هذا الطرح، وفق رؤيته، ارتباط الأزمة الاقتصادية بضعف التنسيق المؤسسي وتعدد مراكز القرار المالي، وما يترتب على ذلك من صعوبة ضبط النفقات وتحديد الأولويات.

الإيرادات النفطية والإنفاق تحت المجهر

وشدد الشريف على ضرورة ضمان توريد الإيرادات النفطية بالكامل إلى مصرف ليبيا المركزي، وإحكام الرقابة على عمليات التحصيل والإنفاق، والحد من التهريب وتسرب الموارد العامة. كما دعا إلى مراجعة الاعتمادات المستندية وتوجيه النقد الأجنبي نحو الغذاء والدواء والسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، مع الحد من تمويل السلع الكمالية وتشديد الرقابة على عمليات الاستيراد.

أبوسنينة: الإنفاق غير المنضبط يغذي ارتفاع الأسعار

من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة من تسارع ارتفاع أسعار السلع في الأسواق الليبية، مشيرًا إلى أن الزيادات المتلاحقة باتت تحدث بوتيرة يومية، بما ينذر بمزيد من الضغوط على الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وأرجع أبوسنينة هذا المسار إلى الإنفاق المزدوج، واستمرار الإنفاق العام من دون ميزانية موحدة أو سقف واضح، فضلًا عن غياب الأولويات في توجيه النفقات وتمويل العجز عبر التوسع في الإنفاق. وانتقد كذلك استخدام ما وصفه بـ«النقود الوهمية» في تمويل الاعتمادات المستندية وملاحقة الدولار، محذرًا من انعكاسات ذلك على سعر صرف الدينار والتوازنات النقدية.

ورفض أبوسنينة الدعوات إلى خفض جديد لسعر صرف الدينار أو تعويمه باعتبارهما حلًا للعجز، معتبرًا أن هذه الخيارات قد تفضي إلى مزيد من تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، وتفاقم الأعباء على المواطنين، خصوصًا محدودي الدخل. وربط بين تصاعد الأسعار وتراجع قيمة الدينار من جهة، واتساع الضغوط المرتبطة بالفقر من جهة أخرى.

ودعا إلى وقف السياسات المالية التي وصفها بالعبثية، وتوحيد الميزانية، وضبط الإنفاق العام ضمن سقوف محددة وأولويات واضحة، بما يحد من الاختلالات المالية ويعزز حماية القوة الشرائية.

أزمة إدارة موارد لا مجرد نقص في الإيرادات

وتكشف مواقف الخبيرين عن تقاطع واضح في تشخيص الأزمة، يتمثل في ضعف الانضباط المالي، وتشتت إدارة الإنفاق، والحاجة إلى رقابة أكثر فاعلية على الموارد العامة، وإن اختلفت زوايا المعالجة بين الإصلاح المؤسسي وإدارة النقد الأجنبي من جهة، وضبط الميزانية والحد من تمويل العجز من جهة أخرى.

وفي المحصلة، تضع هذه التحذيرات السلطات الليبية أمام اختبار يتجاوز الإعلان عن إجراءات إصلاحية إلى القدرة على تنفيذها بصورة متكاملة وقابلة للقياس. فاستعادة الاستقرار الاقتصادي تتطلب توحيد القرار المالي، وضبط النفقات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مع حماية الفئات الأكثر تأثرًا بالتضخم. وفي ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، فإن تأجيل الإصلاحات قد يضاعف الكلفة الاجتماعية للأزمة ويجعل معالجتها أكثر صعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى