ليبيا

أزمة الخبز في ليبيا تكشف غياب التخطيط الاستراتيجي

اقتصاديون يحذرون من تجدد الأزمة ويدعون إلى ضبط الإنفاق وتأمين مخزون الحبوب

تسلط أزمة ارتفاع أسعار الخبز في ليبيا الضوء على اختلالات أعمق في إدارة الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من أن التدخلات الحكومية المؤقتة لا تعالج أسباب الأزمة، في ظل تقلبات سعر الصرف، وغياب الميزانية الموحدة، وضعف التخطيط لتأمين مخزون استراتيجي من الحبوب.

ويرى اقتصاديون أن استقرار أسعار الرغيف يرتبط بإصلاحات مالية وتجارية تتجاوز خفض أسعار الدقيق، لتشمل ضبط الإنفاق العام، وتنظيم الاستيراد، وتعزيز الرقابة على السلع المدعومة، وإعادة بناء منظومة مستدامة لتوفير الاحتياجات الأساسية.

تهدئة الشارع لا تكفي لإنهاء الأزمة

اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن الإجراءات المتخذة لاحتواء أزمة الخبز استهدفت تهدئة الشارع أكثر من معالجة جذور المشكلة، في ظل غياب التنسيق بين الحكومتين وعدم وجود خطط واضحة لتأمين مخزون استراتيجي من الحبوب.

وقال الشريف إن الخبز يمثل «آخر خط في شبكة الحماية الاجتماعية»، منتقداً تكرار الأزمات المرتبطة به في بلد يمتلك موارد نفطية وعدداً محدوداً من السكان، مقارنة بدول الجوار.

وشدد على أن الاختبار الحقيقي لاحتواء ارتفاع الأسعار لا يقتصر على خفض سعر الدقيق، بل يمتد إلى معالجة سعر صرف الدولار، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في تكلفة الاستيراد والأسعار المحلية.

ورغم إشادته بتناول رئاسة مجلس النواب الجديدة أزمة الغلاء، حذر الشريف من رفع سقف توقعات المواطنين عبر الترويج لتوجيه اللجان البرلمانية بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي لخفض سعر الصرف باعتباره قراراً نافذاً، موضحاً أن معالجة هذه المسألة تتطلب إجراءات اقتصادية فعلية، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد الإعلان عنها.

ضبط الإنفاق والاستيراد شرط لاستقرار الأسعار

ربط الشريف إمكانية خفض سعر الصرف بضبط الإنفاق العام وتحديد احتياجات الاستيراد، محذراً في الوقت نفسه من تهريب كميات كبيرة من السلع المدعومة إلى دول الجوار الجنوبي، بما يحد من استفادة السوق المحلية من الدعم ويزيد الضغوط على الموارد العامة.

وتشير هذه الرؤية إلى أن أزمة الخبز لا ترتبط بتوافر الدقيق أو سعره وحدهما، بل تتداخل فيها سياسات النقد والإنفاق والتجارة، فضلاً عن كفاءة توجيه الدعم والرقابة على حركة السلع.

وبالتالي، فإن أي معالجة لا تتناول هذه العوامل بصورة متكاملة قد تؤدي إلى تراجع مؤقت في حدة الأزمة، دون ضمان استقرار الأسعار أو منع تكرارها خلال الأشهر المقبلة، وفق التحذيرات التي طرحها الشريف.

غياب المخزون الاستراتيجي يفاقم هشاشة السوق

من جانبه، عزا وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق، محمد الحويج، جانباً من ارتفاع أسعار الخبز إلى تراجع الثقة في السوق، نتيجة عدم استقرار سعر الصرف وغياب الميزانية، مؤكداً ضرورة إنشاء مخزون استراتيجي من الحبوب الأساسية، وفي مقدمتها القمح، تحت إشراف الدولة.

وأوضح الحويج أنه طالب عام 2022 بإنشاء الديوان الليبي للحبوب، وصدر قرار بشأنه، لكنه لم يُفعّل، معتبراً أن تفعيل هذه المؤسسة كان من شأنه الحد من تعرض سوق الدقيق لمضاربات التجار والاضطرابات في الأسواق الدولية.

وشدد على ضرورة إخضاع الأمن الغذائي والدوائي لإشراف الدولة، مع الحفاظ على دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً أساسياً في عمليات الاستيراد، بالتنسيق مع السلطات المختصة التي تتولى تسهيل فتح الاعتمادات المستندية والتفاوض مع الدول المصدرة خلال مواسم الحصاد للحصول على أسعار تفضيلية.

وأضاف أن هذا التعاون يمكن أن يسهم في مراقبة جودة السلع والأدوية المستوردة، ومتابعة مستويات المخزون، وتحسين إدارة الاحتياجات المحلية، بدلاً من ترك السوق عرضة للتقلبات دون آليات كافية للاحتواء.

تقلبات الدولار تعزز الضغوط على المستهلكين

وأوضح الحويج أن عدم استقرار سعر الدولار يدفع التجار إلى تسعير السلع وفق مستويات السوق الموازية، في محاولة للتحوط من تقلبات الصرف وتعظيم الأرباح، وهو ما ينعكس على الأسعار التي يتحملها المستهلكون.

ووصف تدخلات السلطات خلال أزمة الخبز بأنها «معالجات وقتية»، مشيراً إلى أن منظومة الدعم تفتقر إلى مقومات الاستدامة في ظل اضطراب سعر الصرف وغياب الميزانية الموحدة.

وتكشف هذه المعطيات عن فجوة بين التدخلات الرامية إلى احتواء الارتفاعات الآنية والسياسات المطلوبة لضمان استقرار الإمدادات على المدى الطويل، خصوصاً في ظل اعتماد السوق المحلية على الاستيراد وتأثر تكلفته بالمتغيرات النقدية والتجارية.

الاعتماد على الاستيراد يضع الأمن الغذائي أمام تحديات مستمرة

ودعا الحويج إلى وضع «رؤية شاملة لتأمين الرغيف بوصفه محور أي سلة غذائية»، مشيراً إلى أن ليبيا تستورد نحو 1.25 مليون طن من القمح الطري، إضافة إلى 300 ألف طن من القمح الصلب.

ولفت إلى أن البلاد كانت تلبي معظم احتياجاتها من القمح الصلب من خلال زراعته في الجنوب، قبل أن يتراجع الاهتمام بهذا الملف الحيوي.

ويضع حجم الواردات مسألة تنويع مصادر الإمداد وتعزيز الإنتاج المحلي ضمن الخيارات المطروحة لتقليل التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية، دون أن يعني ذلك الاستغناء الفوري عن الاستيراد، الذي يظل مكوناً رئيسياً في تلبية احتياجات البلاد.

وفي المحصلة، تبرز أزمة الخبز بوصفها اختباراً لقدرة السلطات الليبية على الانتقال من الاستجابة المؤقتة لارتفاع الأسعار إلى بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي، تقوم على إدارة المخزون الاستراتيجي، وضبط الإنفاق، وتحسين سياسات الاستيراد، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، مع تنظيم الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص. وتظل فعالية هذه الإجراءات مرهونة بتحويل المقترحات والقرارات إلى سياسات قابلة للتنفيذ والاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى