أفريقيا تنتج الخام وتصطفّ على طوابير الوقود: لماذا لا تستطيع ليبيا وحدها إنقاذ سوق الديزل العالمية؟
وكالة الطاقة: ليبيا تنتج 1.4 مليون برميل يوميًا دون فائض فعلي... ونيجيريا وأنغولا والجزائر عاجزة عن سد فجوة الديزل
ليبيا 24
دانغوتي ترفع صادرات نيجيريا المكررة إلى 350 ألف برميل يوميًا… لكن عجز الديزل الأفريقي مرشح للاتساع إلى 1.4 مليون برميل بحلول 2030
رمالٌ سائلة وطوابير جافة: المعادلة الليبية في سوق وقود مُختنق
ثمة مفارقة بنيوية تعيد إنتاج نفسها كلما اشتدت أزمة الطاقة العالمية: دولةٌ تصدّر ما يقارب 1.4 مليون برميل من الخام يوميًا إلى أسواق أوروبا، بينما تصطف مدنها الداخلية في طوابير وقود تمتد لمئات الأمتار، وتستورد ما يزيد على تسعة مليارات دولار من البنزين والديزل في تسعة أشهر فقط.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل مخرج طبيعي لهيكل إنتاجي أفريقي يمتلك المادة الخام ولا يمتلك ما يحوّلها إلى وقود جاهز، وهو ما يضع ليبيا في قلب معادلة إقليمية معقدة: دولةٌ نفطية عظمى، ومستهلكٌ نهائيٌّ هشّ، ووسيطٌ محتملٌ محدود القدرة في آنٍ واحد.
الإنتاج الوفير… فائضٌ على الورق فقط
الأرقام الرسمية لعام 2025 ترسم صورة إنتاجية صلبة: نيجيريا في الصدارة بمتوسط 1.61 مليون برميل يوميًا من الخام والمكثفات، تليها ليبيا بنحو 1.36 مليونًا، ثم الجزائر بـ1.14 مليونًا، وأنغولا بـ1.03 مليونًا.
لكن هذا الإنتاج، بحسب وكالة الطاقة الدولية، لا يقابله فائضٌ قابلٌ للاستخدام إلا في حالة جزائرية واحدة لا تتجاوز عشرين ألف برميل يوميًا، بينما تُسجّل نيجيريا وليبيا وأنغولا فائضًا صفريًا عمليًا.
أي أن أي صدمة في الإمدادات العالمية لن تجد في القارة ملجأً سريعًا؛ فالإنتاج القائم مُوجَّهٌ سلفًا لمزيج من التصدير والاستهلاك المحلي، وليس راكدًا في انتظار أزمة.
هذا العجز عن الاستجابة ليس عرضيًا. فالحقول الأفريقية الكبرى تعاني ضغطًا مزدوجًا: تقادمًا في البنية الجيولوجية، ونقصًا مزمنًا في الاستثمارات.
المحلل الاقتصادي ياغيز سولو يحدد ملامح الأزمة بدقة: خمسة عشر حقلًا من أصل عشرين حقلًا أنغوليًا تجاوزت مرحلة النضج سبعين بالمائة، وحقل حاسي مسعود الجزائري يحتاج إلى ضخّ استثماري لمجرد الحفاظ على مستوياته، بينما تُعطّل سرقة النفط وتخريب خطوط الأنابيب الإنتاج النيجيري.
وفي ليبيا، لا تكتمل الصورة دون الإشارة إلى أن هدف الوصول إلى 1.6 مليون برميل يوميًا بحلول 2026 يتطلب استثمارات تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، وهو رقم لا يُترجم إلى براميل إضافية فورًا، بل إلى سنوات من التطوير والصيانة.
المصفاة… الحلقة المفقودة التي تُبقي الطوابير
جوهر الأزمة ليس في الخام، بل في المصبّ. فالقارة التي تنتج نحو ثمانية بالمائة من النفط الخام العالمي تستورد الجزء الأكبر من وقودها المكرر، وهو ما يجعلها رهينةً لسوق المنتجات المكررة لا لسوق الخام.
ووكالة الطاقة الدولية رصدت في أكتوبر الماضي تراجعًا في صادرات الديزل العالمية بنحو سبعمائة ألف برميل يوميًا على أساس سنوي، وهو تراجعٌ لا يعوّضه الخام مهما وفُرَ، لأن الديزل منتج مصفاة لا بئر نفط.
وليبيا تعيش هذا التناقض بأقصى صوره. مصافيها، وعلى رأسها الزاوية، تُشغّل مجتمعةً ما يقارب مائة ألف برميل يوميًا فقط، بينما يبلغ الطلب المحلي على وقود النقل وحده ما يصل إلى مائتين وخمسين ألف برميل يوميًا، ما يفرض استيراد أكثر من مائة وخمسين ألف برميل يوميًا من المشتقات، تغطي الواردات منها نحو تسعين بالمائة من استهلاك البنزين وسبعين بالمائة من الديزل.
والنتيجة أن أي اضطراب في الشحن أو التمويل أو التوزيع يتحول فورًا إلى أزمة طوابير، تمامًا كما يحدث في الجنوب والغرب الليبي حيث تتكرر الاختناقات بمعدل يقارب مرتين شهريًا في بعض المناطق.
مصفاة دانغوتي النيجيرية تُقدَّم كنموذج استثنائي، وهي كذلك فعلًا: طاقة تكرير تجاوزت سبعمائة ألف برميل يوميًا، وصادرات من المنتجات بلغت في الربع الثاني من 2026 نحو ثلاثمائة وخمسين ألف برميل يوميًا، نصفها تقريبًا متجه إلى أسواق أفريقية.
لكن هذه المصفاة العملاقة، رغم أثرها الفعلي، تظل نقطة ضوء واحدة في بحر من العجز. فهي تحتاج إلى شراء الخام، والكميات المحلية لا تكفي احتياجاتها، ما يضطرها إلى الاستيراد بأسعار تتأثر باضطرابات المنطقة.
والأهم أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن تتسع فجوة القارة من المنتجات المكررة إلى 2.3 مليون برميل يوميًا بحلول 2030، منها 1.4 مليون برميل يوميًا من الديزل وحده، بينما لا تتوقع زيادة الطاقة التكريرية الأفريقية بأكثر من مائتين وعشرين ألف برميل يوميًا بين 2024 و2030.
الطلب المحلي: منافسٌ للتصدير لا مكمّلٌ له
أي حديث عن دور أفريقي في تهدئة الأسواق العالمية يظل ناقصًا إذا تجاهل الطلب الداخلي. فالدول المنتجة نفسها تحتاج إلى الوقود لتشغيل النقل والصناعة والكهرباء. ووكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يرتفع الطلب الأفريقي على المنتجات النفطية والغاز البترولي المسال بنحو 860 ألف برميل يوميًا بين 2024 و2030، منها 630 ألفًا من الوقود المكرر.
وهذا يعني أن أي زيادة في إنتاج المصافي الأفريقية، بما فيها دانغوتي، ستُوجَّه أولًا إلى الأسواق المحلية أو إلى دول أفريقية مستوردة، قبل أن تصل إلى الأسواق العالمية.
وليبيا، بوصفها دولةً منتجةً ومستهلكةً في الوقت نفسه، ليست استثناءً: كل برميل يُكرَّر محليًا يخفف فاتورة الاستيراد ويُعيد التوازن إلى الميزانية، لكنه في الوقت ذاته يقلّص الكميات المتاحة للتصدير أو للاستجابة لطلب خارجي طارئ.
التنويع… مكسبٌ استراتيجي لا وعدٌ بانخفاض الأسعار
يبقى السؤال العملي: هل تستطيع الصادرات الأفريقية، ومنها الليبية، أن تخفف أزمة الوقود العالمية؟ الإجابة المتوازنة هي: نعم، بدرجة محدودة، ولا، ليس وحدها. فالصادرات الأفريقية توسّع خيارات المستوردين وتقلل الاعتماد على مسارات شحن مهددة، وقد تخفف نقصًا إقليميًا محددًا، خصوصًا مع تنامي صادرات دانغوتي.
لكن النفط والوقود يُباعان في أسواق مترابطة، وتغيير مصدر الشحنة لا يضمن انخفاض الأسعار إذا ظل المعروض العالمي أقل من الطلب.
المحلل النيجيري آيوديل أوني يرى أن نيجيريا تفتقر إلى طاقة فائضة كبيرة، وأن رفع الإنتاج يستلزم استثمارات في البنية التحتية وخطوط الأنابيب والتمويل والأمن في دلتا النيجر، وأن تطوير الحقول البحرية العميقة قد يستغرق سنوات.
وخبير الطاقة الأنغولي فلافيو إينوسينسيو يذهب إلى أن نيجيريا وأنغولا قد تزيدان إمداداتهما، لكنهما لن تتمكنا من تعويض الكميات التي تعطلت بسبب الحرب في المنطقة.
أما ستيفان ليبينغ، مدير شركة استثمارية، فيرى أن مساهمة أفريقيا في تخفيف الأزمة ستكون محدودة على المدى القريب، مع احتمال أن يكون للقارة دور أكبر في إمدادات الغاز على المدى المتوسط.
مصلحةٌ في المصبّ قبل السوق العالمي
لا ينبغي أن تُقرأ هذه المعادلة كدعوة إلى التنازل عن دور تصديري، بل كتأكيد على أن الأولوية الوطنية القصيرة والمتوسطة هي معالجة الخلل في المصبّ المحلي.
فإعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف بطاقة 220 ألف برميل يوميًا، وهي خطوة مرتقبة لكنها مشروطة بالصيانة والاستقرار، من شأنها أن تقلّص اعتماد ليبيا على استيراد وقود النقل من أوروبا، وأن تعيد توجيه جزء من خامها المصدَّر حاليًا إلى التكرير المحلي.
هذا لا يحل أزمة الديزل العالمية، لكنه يخفف هشاشة السوق الليبية، ويُبقي ليبيا فاعلًا نفطيًا موثوقًا في المشهد الأفريقي، بدل أن تظل حالةً مثاليةً لبلدٍ يملك الاحتياطي ويعاني طوابير الوقود.



