المواطن يدفع وحده فاتورة العبث: قوت الليبيين خط أحمر.. والدينار تحميه السياسات لا المناصب
خبير اقتصادي يحذر من تعطيل تدفقات النقد الأجنبي ويؤكد: المواطن ليس رهينة للصراع على السلطة
ليبيا 24
القماطي يدعو إلى توافق قانوني عاجل وشفافية كاملة في الإيرادات النفطية قبل تحول الخلافات إلى أزمة معيشية
حين يصبح المصرف المركزي ساحة معركة… من يدفع الثمن؟
في بلد يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن أزمة غذاء ودواء وارتفاع سعر صرف هو نوع من المفارقة.
لكن المفارقة الليبية أعمق من ذلك بكثير. ففي ظل انقسام مؤسسي حاد، وتحكم المليشيات في مفاصل الدولة، وغياب إرادة سياسية حقيقية، يتحول مصرف ليبيا المركزي من مؤسسة سيادية تحمي قيمة الدينار وتضمن استقرار المعيشة، إلى ساحة صراع مفتوح بين أطراف لا يهمها سوى إحكام السيطرة.
هذا ما حذر منه الدكتور حلمي القماطي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، في تصريحات بالغة الدلالة، حين أكد أن “المصرف المركزي ليس ساحة للصراع” وأن “قوت الليبيين خط أحمر”.
تحذير ليس مجرد كلام نظري، بل قراءة لواقع مرير عاشه الليبيون خلال أزمة المحافظ السابق الصديق الكبير، والتي كادت تعصف بثقة المجتمع الدولي في المؤسسة المالية الوحيدة القادرة على ضخ النقد الأجنبي لتمويل واردات الغذاء والدواء.
الخطر الأكبر: ليس الدولار… بل تعطيل التدفقات
يرى القماطي في منشور له عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ورصدته ليبيا 24، أن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي، رغم تأثيره المباشر على القوة الشرائية للمواطن، بل “احتمال تعطيل تدفقات النقد الأجنبي إلى حسابات مصرف ليبيا المركزي وصولاً إلى الإيرادات النفطية”.
سيناريو كارثي يعني ببساطة توقف تمويل الواردات، وتأخر وصول الغذاء والدواء والسلع الأساسية إلى الأسواق، وتحول الأزمة من أرقام على شاشات الصرافة إلى جوع حقيقي ومرض بلا دواء.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن تكرار سيناريو أزمة المحافظ السابق اليوم “قد يكون أكثر تعقيداً في ظل الانقسام المؤسسي وصعوبة التوصل إلى توافق يضمن استقرار إدارة المصرف وقبولها دولياً”.
وهنا تكمن المفارقة: ففي الوقت الذي تتصارع فيه الأطراف السياسية على تعيين هذا المسؤول أو إقصاء ذاك، يدفع المواطن الليبي وحده فاتورة هذا العبث، من قوته ودوائه واحتياجات أسرته، في ظل غياب تام لأي اعتبار للأمن الغذائي القومي.
المواطن ليس رهينة… لكنه يدفع الثمن دائماً
في الاقتصاد الليبي، كما يقول القماطي، “تحارَب الحقيقة حين تكشف خلل السياسات، ويسخر من الاقتصادي حين يحذر من العواقب”. ثم حين تتجسد الأزمة في انهيار القوة الشرائية وارتفاع سعر الصرف، “يكتشف الجميع أن ما سمي تشاؤماً كان تحليلاً، وما عُد مبالغةً كان إنذاراً مبكراً”.
المأساة الحقيقية ليست في تأخر الاعتراف بالحقيقة، بل في أن “يدفع المواطن ثمن إنكارها، ثم يُقدَّم الفشل بعد وقوعه وكأنه أمر لم يكن بالإمكان تجنبه”.
هذه القراءة تنطبق تماماً على الواقع الليبي الراهن، حيث تتكرر الأزمات النقدية بين الحين والآخر، وتتآكل قيمة الدينار، وترتفع الأسعار، بينما يستمر من يسمون أنفسهم “أصحاب الخبرة” في إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
والأخطر من ذلك، كما يحذر القماطي، حين “يرتدي الفساد ثوب الإصلاح، ويلبس العبث عباءة الخبرة، ويتحدث الفشل بلغة الأرقام والمؤشرات”، فإن الاقتصاد الليبي يدخل أخطر مراحله، لأن الفاسد لا يكتفي بإفساد الاقتصاد، بل “يقنع الناس بأنه جاء لإنقاذه”، فتصبح الكارثة سياسة، ويصبح التضليل إنجازاً، ويحاصر صوت الخبير باسم المصلحة العامة.
من يحمي الدينار؟ المناصب أم السياسات؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه القماطي: من يحمي الدينار الليبي؟ الإجابة واضحة: “الدينار لا تحميه المناصب، بل تحميه السياسات الصحيحة والكفاءات المتخصصة”.
فالمشكلة في ليبيا ليست مجرد تغيير المحافظ أو الإبقاء عليه، بل في “تغيير النهج وضبط الإنفاق العام وإدارة النقد الأجنبي على أسس علمية وحماية استقلالية المصرف المركزي”.
ويذهب القماطي إلى أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن “الولاء أصبح أهم من الكفاءة، ويهمش الاقتصادي المتخصص”، فتتحول السياسة النقدية من أداة لحماية قيمة الدينار إلى “إدارة مستمرة للأزمة”.
وهنا مكمن الخطر: فالدولة التي لا تحترم خبراءها ولا تمنحهم المساحة اللازمة لتقديم المشورة الصادقة، محكوم عليها بالبقاء في دوامة الأزمات.
نداء عاجل… قبل فوات الأوان
لم يكتف القماطي بالتحليل والتشخيص، بل وجه “نداءً مسؤولاً إلى جميع الأطراف الليبية والمجتمع الدولي: تحركوا قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمة معيشية”.
وطالب بـ”توافق قانوني عاجل وشفافية كاملة في الإيرادات النفطية وضمان استمرار التحويلات والمدفوعات وحماية واردات الغذاء والدواء بعيداً عن التجاذبات السياسية”.
هذا النداء ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فالنفط ثروة الليبيين جميعاً، والمصرف المركزي مؤسسة وطنية يجب أن تبقى بمنأى عن الصراعات، والمواطن الذي دفع ثمن كل إخفاق يستحق أن يعرف: متى تنتهي إدارة الأزمات ويبدأ الإصلاح الحقيقي؟
ويشدد القماطي على أن “احتمال تعطيل التدفقات المالية خطر يستوجب الاستعداد والتحرك وليس تأكيداً بصدور قرار دولي بالتجميد”.
ليبيا لا ينقصها النفط… بل ينقصها العقل
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً: ليبيا بلد النفط والثروات، ومع ذلك يعاني مواطنه من تراجع القوة الشرائية وفجوة سعر الصرف وارتفاع الأسعار. المشكلة ليست في الموارد، بل في إدارتها. وليس المطلوب فقط تغيير وجوه، بل تغيير عقلية.
فالدينار لا تحميه البيانات الرنانة ولا المؤتمرات الصحفية، بل تحميه سياسات رشيدة وكفاءات متخصصة واستقلالية حقيقية للمؤسسة النقدية.
والمواطن الليبي، الذي طال صبره، يستحق أن يرى يوماً تتحول فيه الخطب إلى أفعال، والوعود إلى سياسات، والأزمات إلى ذكريات.
لكن هذا لن يتحقق ما دام المصرف المركزي ساحة صراع، وما دام صوت الخبير محاصراً، وما دام الفساد يرتدي ثوب الإصلاح.



