ليبيا

من يبتلع أموال الليبيين؟.. خبير اقتصادي يكشف أين تذهب العملة الصعبة وكيف نعيد توازن السوق خلال  180 يوماً

خبير اقتصادي يقترح خطة من 180 يوماً لإنقاذ الاقتصاد: توحيد المصرف المركزي ومطابقة كل دولار بالبضائع المستلمة»

ليبيا 24

خطة إصلاحية من 180 يوماً لمعالجة أزمة الدولار وإغلاق ثقب الاعتمادات المستندية ومحاسبة المتلاعبين

أزمة الدولار : قراءة في خطة إنقاذ من 180 يوماً تكشف عمق الفساد المؤسسي

في بلد أنهكته المليشيات، ونهبته حكومات الأمر الواقع، وتبدّلت فيه المحافظ والوعود كأوراق الخريف، يطلّ الدكتور حلمي أحمد القماطي، أستاذ الاقتصاد المشارك ورئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد جامعة بنغازي، بخطة إنقاذية من 180 يوماً لا تستهدف ضخّ المزيد من الدولارات في شرايين اقتصاد مريض، بل تستهدف الشيء الذي تتجنبه كل الحكومات المتعاقبة: المحاسبة.

فمعالجة أزمة النقد الأجنبي — كما يقول القماطي بوضوح — لا تكون بتغيير المحافظ ولا بضخّ المزيد من الدولارات فقط، بل بخطة تنفيذية تعالج جذور الأزمة وتربط بين استقرار المصرف المركزي وحماية الإيرادات النفطية وضبط الإنفاق وإغلاق منافذ استنزاف العملة الصعبة.

المرحلة الأولى: خمسة عشر يوماً لاحتواء الانهيار

يبدأ القماطي خطته بمرحلة عاجلة تمتد خمسة عشر يوماً، يشترط فيها توحيد القرار المؤسسي داخل المصرف المركزي وضمان استمرارية صلاحياته، لأن مصرفاً مشظّياً يعني نزيفاً مستمراً للعملة الصعبة.

ويطالب بالتفاوض العاجل مع الاحتياطي الفيدرالي والمصارف المراسلة لمعالجة أي قيود فعلية على التحويلات، وبحصر الإيرادات النفطية والتدفقات الخارجية والالتزامات الدولارية، وإعداد قاعدة بيانات موحدة لجميع الاعتمادات المفتوحة والمسواة والمعلقة.

هذه الخطوة، في جوهرها، إعلان حالة طوارئ مالية في وجه من يعتبرون المؤسسة النقدية حلاً للتمويل لا حامياً للمال العام.

المرحلة الثانية: خمسة وأربعون يوماً لإغلاق الثقب الأسود

هنا يتوقف القماطي عند أخطر نقطة في خطة الإنقاذ: ثقب الاعتمادات المستندية. يطالب بمطابقة كل دولار مدفوع مع البضاعة التي وصلت فعلياً، وكشف الفواتير المضخمة والشحنات الوهمية وتكرار المستندات والتلاعب في الكميات والأسعار.

ثم يذهب إلى ما تتجنبه الحكومات: إخضاع الاعتمادات المشبوهة للتحقيق وفق القانون، وإحالة المخالفات المثبتة إلى الجهات المختصة، واسترداد الأموال المستحقة قانوناً، ومنع تكرار المخالفات. هذه المرحلة، إن طُبّقت، ستهزّ شبكات المصالح التي تغذّت على قوت الليبيين لعقد كامل.

المرحلة الثالثة: تسعون يوماً لضبط استخدام النقد الأجنبي

يدعو القماطي إلى إعطاء الأولوية للغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج وفق معايير معلنة، والحد من الاحتكار والتخصيص القائم على النفوذ، وربط الإنفاق العام بالإيرادات الفعلية، ومعالجة الاختلالات التي تزيد الطلب على الدولار، وتقييم نتائج تدخلات المصرف المركزي على سعر الصرف والأسعار وتوافر السلع. فالتخصيص القائم على النفوذ — كما يوضح — ليس سياسة اقتصادية بل آلية نهب منظم.

المرحلة الرابعة: مئة وثمانون يوماً لتثبيت الإصلاح

في المرحلة الختامية، يضع القماطي أسس التثبيت: منظومة إلكترونية تربط المصرف المركزي والمصارف والجمارك والجهات الرقابية لتتبع الاعتمادات من التمويل إلى وصول البضاعة، ونشر تقارير شهرية عن الإيرادات النفطية واستخدامات النقد الأجنبي والاعتمادات والمخالفات المثبتة، وإخضاع المنظومة لتدقيق مستقل وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

والأهم: منع التصرف في أي إيراد نفطي من المصرف الخارجي لسداد الديون أو الدفع دون العودة للمصرف المركزي والجهات التنفيذية مجتمعة. هذه النقطة وحدها تكفي لتفجير صراع مع حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي لا تملك تفويضاً للتصرف في ثروات الليبيين، لكنها تفعل ذلك بغطاء ميليشياوي.

الدبلوماسية أيضاً: تقليص البعثات

لا يغفل القماطي البُعد الدبلوماسي، فيطالب بتقليص البعثات في الخارج والعمل ببرنامج السفير فوق العادة للدول القريبة، وإغلاق جميع الملحقيات التي لا يوجد تعامل في اختصاصها مع تلك الدول، وإغلاق القنصليات في الدول المنخفضة التمثيل الدبلوماسي. فلماذا يدفع الليبيون ملايين الدولارات لسفارات لا تخدم مصالحهم؟

كيف نقيس النجاح؟

يجيب القماطي: النجاح لا يقاس بعدد الاجتماعات والقرارات، ولا بحجم الدولارات التي يضخها المصرف المركزي، بل بمدى استمرار التحويلات الخارجية، وانخفاض الهدر، ووصول البضائع فعلياً، وتراجع فجوة سعر الصرف، وتحسن توافر السلع وحماية القوة الشرائية للمواطن.

من السؤال الخطأ إلى السؤال الصحيح

يختم القماطي بجملة تستحق أن تُعلّق على جدران المصرف المركزي: «الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من سؤال كم دولاراً ضخ المصرف المركزي؟ إلى سؤال أين ذهب كل دولار وما العائد الذي حققه للاقتصاد الليبي؟»

في بلد تتقاسم فيه المليشيات النفوذ وتتقاسم فيه الحكومات غير الشرعية الثروة، تبقى خطة القماطي صرخة في وجه العبث: لا مزيد من الدولارات دون محاسبة، لا مزيد من الاعتمادات دون مطابقة، لا مزيد من الديون دون شفافية.

والسؤال الآن: هل يملك الليبيون من يحمي هذه الخطة من أن تذهب أدراج الرياح كسابقاتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى