دولى

نتنياهو يتقدم انتخابيًا .. والمعارضة تواجه مأزق الأغلبية في دولة الاحتلال

صعود اليمين وتمثيل الأحزاب العربية يكشفان تحولات المشهد الإسرائيلي

لا تعكس المؤشرات الأولية للانتخابات الإسرائيلية مجرد تقدم لمعسكر بنيامين نتنياهو على منافسيه، بل تكشف عن أزمة أعمق في بنية المنافسة السياسية، حيث يتقدم اليمين دون أن يضمن أغلبية برلمانية، وتتراجع قدرة المعارضة على ترجمة رفضها لنتنياهو إلى بديل حكومي واضح، فيما يبرز صعود الأحزاب العربية عاملًا مؤثرًا في حسابات تشكيل السلطة.

تقدم انتخابي لا يحسم معركة الحكم

أظهرت تقديرات وسائل الإعلام في دولة الاحتلال، بعد فرز نحو 77.6% من الأصوات، حصول معسكر نتنياهو، الذي يضم أحزاب اليمين واليمين المتطرف والتيارات الدينية المتشددة، على 54 مقعدًا في الكنيست، مقابل 49 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة جادي آيزينكوت. وفي المقابل، توقعت التقديرات حصول الأحزاب الممثلة للمواطنين العرب على 17 مقعدًا، في زيادة غير مسبوقة وفق الأرقام الأولية الواردة.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة سياسية أساسية؛ فنتنياهو يتقدم على منافسيه، لكنه لا يمتلك أغلبية تتيح له تشكيل حكومة مستقرة بمفرده. وفي الوقت ذاته، لا تبدو المعارضة قادرة على إبعاده عن السلطة من دون إعادة ترتيب تحالفاتها والاستناد إلى دعم الأحزاب العربية، وهو خيار لا يزال محل خلاف داخل قطاعات من المعسكر اليهودي.

وبذلك، لا تتوقف دلالة الانتخابات عند ترتيب القوى وفق عدد المقاعد، بل تمتد إلى قدرة كل معسكر على بناء ائتلاف قابل للاستمرار. فالتقدم الانتخابي لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات الحكم، كما أن تراجع المنافس لا يمنحه تلقائيًا فرصة تشكيل بديل.

المعارضة بين رفض نتنياهو وغياب البديل

أظهر أداء معسكر آيزينكوت، وفق التقديرات الأولية، نتائج أدنى من توقعات استطلاعات الرأي السابقة للاقتراع، التي أشارت إلى منافسة أكثر تقاربًا. ويضع ذلك المعارضة أمام تحدٍ يتجاوز خسارة المقاعد، يتمثل في تحويل التباينات السياسية مع نتنياهو إلى صيغة ائتلافية قادرة على جمع قوى تتراوح توجهاتها بين يسار الوسط واليمين المتشدد.

وتبرز هنا محدودية الرهان على تجميع الأصوات المناهضة لنتنياهو وحدها، إذ إن اختلاف المواقف بشأن الأمن والقضية الفلسطينية والعلاقة مع الأحزاب العربية قد يحول دون تشكيل كتلة متماسكة. ومن ثم، فإن الأزمة التي تواجه المعارضة ليست انتخابية فحسب، بل تتعلق أيضًا بقدرتها على تقديم مشروع سياسي مشترك يتجاوز هدف تغيير رئيس الحكومة.

وفي المقابل، يتيح غياب أغلبية واضحة لنتنياهو استمرار حالة عدم اليقين بشأن شكل الحكومة المقبلة، مع بقاء احتمال استمرار حكومة تصريف الأعمال خلال المفاوضات أو إلى حين إجراء انتخابات جديدة، وفق المعطيات الواردة.

الأحزاب العربية.. من التمثيل إلى معادلة تشكيل الحكومة

يمثل الأداء المتوقع للأحزاب العربية أحد أبرز أبعاد النتائج الأولية، بعدما أشارت التقديرات إلى إمكانية حصولها على 17 مقعدًا. ويمنح هذا الحجم من التمثيل هذه الأحزاب وزنًا أكبر في الحسابات البرلمانية، خصوصًا إذا عجز المعسكران الرئيسيان عن تأمين أغلبية من داخل صفوفهما.

لكن زيادة التمثيل لا تعني بالضرورة المشاركة في الحكومة، إذ تصطدم هذه الإمكانية برفض قطاعات من الأحزاب اليهودية الاعتماد على الدعم العربي لتشكيل ائتلاف حاكم. وهنا تظهر المفارقة بين الوزن العددي المتزايد للأحزاب العربية والقيود السياسية المفروضة على تحويل هذا الوزن إلى نفوذ تنفيذي مباشر.

كما تعكس المشاركة المرتفعة بين المواطنين العرب، وفق التقارير، اعتراضات على سياسات الحكومة ومواقفها تجاههم، في سياق اتسم بتصاعد التوترات الداخلية وتداعيات الحرب. وإذا تأكدت التقديرات النهائية، فسيكون على القوى السياسية التعامل مع تمثيل عربي يصعب تجاهله في حسابات الأغلبية، حتى إذا ظلت مشاركته الحكومية موضع خلاف.

اليمين يرسخ موقعه في مقابل تراجع يسار الوسط

على المستوى الأوسع، تأتي النتائج في سياق تحول طويل الأمد في السياسة الإسرائيلية، تعزز خلاله نفوذ التيارات اليمينية والقومية، بينما تراجع حضور يسار الوسط الذي لعب دورًا رئيسيًا في المراحل الأولى من تاريخ الدولة، بما في ذلك مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين والدول العربية.

ويعكس هذا التحول اتساع مساحة المواقف الرافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة داخل قطاعات واسعة من الأحزاب اليهودية، إلى جانب تصاعد دعم الاستيطان وتراجع تأثير الضغوط والانتقادات الخارجية في تحديد خيارات الناخبين، وفق الاتجاهات التي يعرضها التقرير.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن البيئة الأمنية التي تشكلت بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلته في غزة ولبنان والمواجهة مع إيران. فقد أعادت القضايا الأمنية ترتيب أولويات المنافسة، فيما استخدم نتنياهو سجل العمليات العسكرية في خطابه الانتخابي، متحدثًا عن إمكانية مواصلة التعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة إيران.

في المقابل، حذر آيزينكوت من توظيف الملف الأمني لتحقيق أهداف سياسية، داعيًا قادة الأجهزة الأمنية والخدمة المدنية إلى مقاومة الضغوط. ويكشف تبادل المواقف عن استمرار الأمن بوصفه محورًا للصراع السياسي، لا مجرد ملف حكومي منفصل عن المنافسة الحزبية.

الاقتصاد يترقب مآلات الانسداد السياسي

انعكست حالة عدم اليقين على الأسواق المالية الإسرائيلية، إذ تراجع الشيقل بنحو 1.6% إلى 3.10 مقابل الدولار، وهبطت المؤشرات الرئيسية في بورصة تل أبيب بأكثر من 3%، وفق البيانات الواردة في التقرير.

وتشير هذه التحركات إلى حساسية الأسواق تجاه احتمالات استمرار حكومة من دون أغلبية واضحة، وما قد يرافق ذلك من صعوبة تمرير القرارات وتأخر حسم الملفات الاقتصادية. ومع ذلك، لا تكفي التحركات المسجلة وحدها لإرجاع التراجع إلى الانتخابات دون النظر إلى بقية العوامل المؤثرة في الأسواق.

النتيجة الأهم.. أزمة أغلبية لا نهاية المنافسة

تكشف المؤشرات الأولية عن تقدم لمعسكر نتنياهو بالتوازي مع استمرار عجزه عن ضمان أغلبية برلمانية، وعن معارضة لم تتمكن حتى الآن من تحويل التنافس الانتخابي إلى بديل حكومي واضح. وفي الوقت ذاته، يفرض الصعود المتوقع للأحزاب العربية واقعًا جديدًا على حسابات تشكيل الائتلافات، رغم استمرار الخلاف بشأن دورها في الحكم.

وعليه، فإن الاختبار الأساسي للمرحلة المقبلة لن يكون متعلقًا بمن تصدر النتائج فحسب، بل بمن يستطيع بناء أغلبية مستقرة وتحويلها إلى سلطة قابلة للاستمرار. وحتى اكتمال الفرز واتضاح المواقف النهائية للكتل، تظل الانتخابات مؤشرًا على استمرار التحول نحو اليمين، لكنها لا تقدم حسمًا نهائيًا بشأن شكل الحكومة المقبلة أو قدرتها على تجاوز الانقسام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى