الدولار يتجاوز عتبة العشرة دنانير.. والحجازي يحمّل الإنفاق الحكومي وانقسام السلطة جذور الأزمة
الحجازي: استقرار الدينار مرهون بالانضباط المالي ورقابة برلمانية فعلية لا بقرارات نقدية معزولة
ليبيا 24
حين يصعد الدولار… يدفع المواطن الفاتورة مرتين
تجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي حاجز العشرة دنانير في السوق الموازية، في قفزة لم تكن مفاجئة لمن تابع مسار السياسة النقدية والمالية في ليبيا خلال السنوات الماضية، لكنها كانت صادمة في أثرها اليومي على المواطن، إذ تزامنت مع موجة غلاء اجتاحت أسعار المواد الأساسية، ودفعت إلى مربع الدعوات الاحتجاجية.
المشهد لا يوصف بأنه أزمة صرف عابرة، بل هو تعبير عن خلل بنيوي متراكم، تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد، وتتحمل مسؤوليته مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمة الناس لا لإدارة الصراع.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي أن “إنقاذ الدينار الليبي لم يعد مجرد تحدٍ أمام قيادة مصرف ليبيا المركزي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الاقتصاد، وحماية القوة الشرائية للمواطن”.
وهي قراءة تنقل النقاش من دائرة الإجراءات الفنية الضيقة إلى سؤال الدولة ومؤسساتها، فالعملة الوطنية ليست رقماً في لوحة إلكترونية، بل هي ثقة المواطن في أن ما يملكه من أجر أو مدخرات لن يتبخر بين ليلة وضحاها.
جذور الأزمة… أبعد من سعر الصرف
لا يختزل الحجازي الأزمة في رقم الصرف، بل يقول إنها “لا ترتبط بسعر الصرف وحده، وإنما بمنظومة اقتصادية تعاني من تضخم الإنفاق العام، والاعتماد شبه الكامل على إيرادات النفط، واستمرار الانقسام السياسي، وضعف الرقابة على أوجه صرف المال العام”.
وهنا يتكشف أن المشكلة ليست في السوق الموازية بقدر ما هي في المنظومة التي أنتجتها، فاقتصاد يعتمد على مورد واحد، وتنفق فيه الحكومة بلا ضوابط، وتغيب عنه الرقابة البرلمانية الفعلية، سيظل رهينة تقلبات الأسعار والانقسامات، مهما تغيّرت الوجوه على رأس المصرف المركزي.
سؤال المسؤولية… هل هناك خطة أم مسكنات؟
يطرح الحجازي سؤالاً جوهرياً: “هل تمتلك قيادة المصرف المركزي، بالتعاون مع البرلمان والحكومة، خطة فعلية لمعالجة جذور الأزمة، أم أننا أمام إجراءات مؤقتة لاحتواء تداعياتها؟”
وهو سؤال يضع الأصابع على موضع الخلل: لا يمكن لمؤسسة نقدية أن تعالج أزمة أنتجتها سياسات مالية وحكومية وبرلمانية، فالمصرف المركزي يضبط السيولة ولا يضبط الإنفاق، ويحمي الاحتياطي ولا يوقف الفساد.
تعديل الصرف… مساحة مؤقتة لا حل مستدام
ويلفت الحجازي إلى أن “تعديل سعر الصرف أو فرض قيود على بيع النقد الأجنبي قد يمنح المصرف مساحة لإدارة الضغوط، لكنه لن يكون حلاً مستداماً ما لم يصاحبه ضبط للإنفاق، وتوحيد للسياسة المالية، ومكافحة حقيقية للفساد، وترشيد المصروفات الحكومية، ومنع التوسع غير المنضبط في الالتزامات المالية”.
فالإجراءات النقدية، في تقديره، أشبه بمسكنات تخفف الألم دون أن تعالج المرض، والمرض هنا إنفاق عام متضخم وسياسة مالية مشتتة وفساد يمتص موارد البلاد.
المصرف المركزي لا يقف وحده في الميدان
ويذهب الحجازي إلى ما هو أبعد، إذ يذكر أن “المشكلة أن المصرف المركزي لا يستطيع إنقاذ الدينار بمفرده، مهما كانت كفاءة قيادته، إذا استمرت الحكومة في الإنفاق دون ضوابط، وظل البرلمان عاجزاً عن فرض رقابة فعالة على الميزانية العامة”.
وهي إشارة إلى أن المسؤولية موزعة، وأن تحميل المصرف وحده تبعات الانهيار يخفي تقصير السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويُبقي المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة بغلاء الأسعار، ومرة بغياب المحاسبة.
ما المطلوب اليوم؟
يستنتج الحجازي أن “المطلوب، اليوم، ليس تصريحات تطمئن المواطنين، بل خطة معلنة بأهداف واضحة، وجدول زمني للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، ومحاسبة للمقصرين، فاستقرار الدينار يبدأ من الانضباط المالي والسياسي، وليس من القرارات النقدية وحدها”.
وهي خلاصة تضع الكرة في ملعب المؤسسات: خطة شفافة، مواعيد ملزمة، مؤشرات يراقبها الناس، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
في المحصلة، ما يجري اليوم في السوق الموازية ليس مجرد رقم يتجاوز العشرة، بل هو امتحان لمؤسسات يفترض أنها تحمي المواطن لا أن تتركه وحيداً في مواجهة الغلاء.
والمواطن الليبي، الذي ذاق ويلات الفوضى والانقسام، لم يعد يطيق وعوداً مؤجلة، بل ينتظر أفعالاً تُعيد للدينار قيمته وللدولة هيبتها، قبل أن تلتهم الأسعار ما تبقى من قدرته على الصمود.



