ليبيا

 رفع دعم الوقود في ليبيا.. إصلاح اقتصادي أم فاتورة جديدة يدفعها المواطن وحده؟

عيسى يحذر: رفع دعم الوقود دون "شبكة أمان" قد ينقلب على المواطن الليبي — والإصلاح الذي يدفع ثمنه مرتين ليس إصلاحًا

ليبيا 24

مخاوف من أن يتحول رفع الدعم عن الوقود إلى عبء جديد على الأسر الليبية في غياب آلية صرف موثوقة وشفافة

بين الضرورة والإصلاح: أين يقف المواطن الليبي من فكرة رفع دعم الوقود؟

في مشهد اقتصادي تتداخل فيه أرقام التهريب الضخمة مع أزمة ثقة مزمنة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خرج الدبلوماسي الأسبق السفير عادل عيسى عن صمت الدبلوماسيين، ليضع يده على نقطة الاشتباك الحقيقية في ملف دعم الوقود: لم يعد السؤال هل يجب إصلاح المنظومة، بل من سيدفع ثمن هذا الإصلاح، وكيف؟.

يقول عيسى، في قراءة لا تخلو من قسوة الواقع، إن فكرة رفع الدعم “أصبحت محل تقبّل ونضج في وعي شريحة واسعة من الليبيين”، لأسباب يدركها الجميع، بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر: تنامي ظاهرة التهريب، والهدر المالي، وارتفاع الفاتورة التي تتحملها خزينة الدولة، ليدفع المواطن تبعاتها “بصورة مباشرة وغير مباشرة”.

وهي قراءة تتقاطع مع أرقام موثقة: تحقيق لمنظمة “ذا سنتري” الدولية قدّر كلفة تهريب الوقود المدعوم على ليبيا بنحو 6.7 مليار دولار سنويًا، وبإجمالي يقارب عشرين مليار دولار بين عامي 2022 و2024، وهو ما يصفه التقرير بأنه “أزمة وطنية كبرى” تستنزف احتياطيات البلاد من العملة الصعبة وتغذي التضخم وتفاقم معاناة الأسر.

لكن الاعتراف بالضرورة، كما يشدد عيسى، “لا يعني القبول بتنفيذ القرار دون دراسة اقتصادية واجتماعية متكاملة، يشارك فيها الخبراء والمختصون، وتُقيّم آثار القرار وتحدياته، وتضع ضمانات حقيقية تحمي المواطن من أي أعباء إضافية قد تفوق قدرته على التحمل”.

هنا يتوقف الدبلوماسي السابق عند عصب الأزمة الليبية: ليس في نقص التشخيص الاقتصادي، بل في انعدام الثقة في الآليات التنفيذية للدولة.

تجربة منحة الأبناء: حين تتحول الضمانة إلى وعود مؤجلة

يستدعي عيسى تجربة “منحة الأبناء” كدليل صارخ على هشاشة الآليات: “مرة تُحال المخصصات إلى حسابات المواطنين، ومرة تتأجل، وتمر فترات دون انتظام، حتى تتراكم الأرباع المتأخرة ويظل المواطن في انتظار مستحقاته”.

وهي ليست تجربة هامشية؛ فتقارير محلية رصدت تأخر صرف المنحة وتأثيره المباشر على الأسر، لا سيما مع بداية العام الدراسي، حيث تمثل المنحة موردًا يساعد أولياء الأمور في توفير المستلزمات الأساسية.

السؤال الذي يطرحه عيسى ضمنًا هو: إذا كانت الدولة عاجزة عن انتظام صرف منحة بسيطة، فكيف ستضمن انتظام تعويضات رفع الدعم عن سلعة استراتيجية كالوقود؟

البدائل الحكومية ومخاوف الشارع

تأتي تحذيرات عيسى في توقيت بالغ الدلالة. ففي أبريل 2025، طرح رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، ثلاثة بدائل لدعم الوقود: منح دعم نقدي للمواطن، أو زيادة الرواتب، أو تخصيص حصة لكل مواطن من الوقود المدعوم تُصرف ببطاقات.

غير أن الشارع الليبي استقبل الطرح بموجة غضب، وذهب نشطاء إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، محمّلين إياها مسؤولية الأزمة الاقتصادية، في مشهد يعكس فجوة عميقة بين لغة “الإصلاح” الرسمية وإدراك المواطن لتبعاتها اليومية.

وفي هذا السياق، يبدو تحذير عيسى من أن “ينقلب السحر على الساحر” ليس بلاغة خطابية، بل قراءة في لحظة سياسية هشة: حكومة منتهية الولاية تفتقد الشرعية الشعبية، ومواطن يعيش تحت خط الفقر وفق دراسات كثيرة، وفق تقديرات الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي الذي أشار إلى أن راتب الموظف الليبي يعادل نحو 150 دولارًا شهريًا، محذرًا من أن رفع الدعم سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتضخم.

الإصلاح الذي لا يدفع المواطن ثمنه مرتين

موقف عيسى، كما يصوغها هو، أن “الإصلاح الحقيقي ليس في نقل العبء من ميزانية الدولة إلى جيب المواطن، بل في معالجة الخلل دون أن يدفع المواطن ثمنه مرتين”.

وهو موقف لا ينكر ضرورة الإصلاح، بل يعيد ترتيب أولوياته: مكافحة التهريب أولًا، وإصلاح آليات التوزيع والرقابة، وبناء شبكة أمان اجتماعي حقيقية قبل الحديث عن رفع الدعم.

وفي بلد يتصارع فيه نفوذ الشبكات المسلحة على قطاع الوقود، وتتقدم فيه ليبيا في مؤشرات الفساد العالمية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس كم سيوفر رفع الدعم للخزينة، بل من سيستفيد من هذه الوفورات، ومن سيبقى في طوابير الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى