ليبيا 24
من سبها إلى الخمس: تفشٍّ متقطع للحصبة في ليبيا يكشف فجوة تحصين بنسبة سبع نقاط مئوية دون عتبة السيطرة العالمية.
حين يتحوّل الطفح الجلدي إلى مؤشر دولة: قراءة طبية في عودة «حصبة النمنم» إلى ليبيا
المرض الذي لا يعود من فراغ
«حصبة النمنم» ليست اسمًا شعبيًا عابرًا في اللهجة الليبية، بل هي التسمية الدارجة لمرض الحصبة الفيروسي، مستمدة من شكل الطفح الجلدي الذي يظهر على هيئة حبيبات حمراء صغيرة متراصة تشبه النقاط.
غير أن هذا الوصف الشعبي، رغم دقته الظاهرية، يخفي حقيقة طبية أكثر قتامة: الحصبة ليست طفحًا جلديًا بسيطًا، بل عدوى فيروسية شديدة الخطورة والانتشار عبر الرذاذ التنفسي، وقد تفضي إلى الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ والوفاة، لا سيما بين الأطفال دون سن الخامسة ومن يعانون ضعفًا في المناعة.
عودة «النمنم» إلى المشهد الليبي خلال عامي 2025 و2026 لا ينبغي قراءتها كحدث وبائي معزول، بل كعلامة سريرية على خلل أعمق في منظومة التحصين الوطنية، وكتحذير مبكر من أن الأمراض التي كان يُفترض أنها تحت السيطرة باتت تجد في فجوات المناعة بيئة خصبة للعودة.
الخريطة الوبائية: من الجنوب إلى الوسط
تكشف بيانات المركز الوطني لمكافحة الأمراض عن نمط تفشٍّ متقطع لكنه متسع جغرافيًا.
ففي فبراير 2026، أعلن المركز تفعيل غرفة طوارئ صحة المجتمع وتجهيز فرق ميدانية للحد من انتشار الحصبة في الجنوب، بعد ظهور حالات بين أطفال وبالغين، خصوصًا في حي الطيوري وحي الكرامة بمدينة سبها.
وقد شمل الكشف على 2300 طفل، جرى الاشتباه في إصابة 312 منهم، وأُرسلت 41 عينة دم للمختبر كانت النتيجة موجبة لـ11 طفلًا، مع الاعتماد اللاحق على العلامات السريرية للحفاظ على الموارد المخبرية.
ثم انتقل مركز الثقل الوبائي إلى المنطقة الوسطى. ففي أبريل 2026، عقد مدير عام المركز الوطني لمكافحة الأمراض، الدكتور حيدر السائح، اجتماعًا طارئًا على خلفية الارتفاع الملحوظ في الإصابات داخل مدينة الخمس وعدد من المدن الأخرى، وأصدر تعليماته بتشكيل فريق متخصص للتوجه فورًا إلى المدينة، بالتنسيق مع المجلس البلدي والجهات الصحية، لتنفيذ خطة احتواء سريعة تشمل تعزيز الرصد وتكثيف حملات التطعيم.
وبحلول نهاية أبريل، فُعّلت حالة التأهب والرصد الوبائي في الخمس والمناطق المجاورة، وسط حديث عن عشرات الحالات، وامتداد الإصابات إلى مسلاتة وقصر خيار والقره بوللي. وفي 16 مايو 2026، أُطلقت حملة تطعيم جزئية استهدفت هذه البلديات تحديدًا.
هذا التوزيع الجغرافي — من سبها جنوبًا إلى الخمس ومسلاتة وسطًا — لا يعكس فقط حركة الفيروس، بل يعكس أيضًا تفاوتًا في جودة التغطية التحصينية بين المناطق، وتأثر بعضها بضعف سلاسل الإمداد الدوائي وانقطاعات في مخزون اللقاحات خلال فترات سابقة.
الأرقام التي تشرح العودة: فجوة السبع نقاط
التفسير الطبي لعودة الحصبة لا يحتاج إلى تعقيد. فالحصبة من أكثر الفيروسات قدرة على الانتشار؛ إذ تتجاوز احتمالية الإصابة عند مخالطة مريض غير محصّن 90 في المئة.
ولذلك، فإن العتبة الوبائية المطلوبة لمنع تفشي المرض لا تقل عن تغطية 95 في المئة بجرعتين من اللقاح المحتوي على الحصبة. وأي انخفاض عن هذه العتبة — ولو بضع نقاط — يخلق «جيوبًا» من الأفراد غير المحصنين تكفي لاستمرار سلسلة العدوى.
وتشير التقديرات النموذجية لمنظمة الصحة العالمية إلى أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح المحتوي على الحصبة في ليبيا بلغت 93 في المئة عام 2025، بينما بلغت تغطية الجرعة الثانية 85 في المئة فقط.
وبالمقارنة مع تغطية الجرعة الأولى البالغة 89 في المئة عام 2024، يبدو أن هناك تحسنًا نسبيًا، لكنه تحسن غير كافٍ. فالجرعة الثانية هي التي تُغلق الثغرات المناعية لدى نسبة من الأطفال الذين لم تستجب مناعتهم للجرعة الأولى، ووصولها إلى 85 في المئة يعني أن مئات الآلاف من الأطفال الليبيين قد يحملون مناعة غير مكتملة.
والأهم أن المتوسط الوطني يخفي تفاوتًا حادًا بين المناطق. فحملة تطعيم جزئية نُفذت في الجنوب الليبي في يوليو 2025 استهدفت نحو 180 ألف طفل من عمر تسعة أشهر إلى 15 عامًا، ونجحت في تطعيم 175,696 طفلًا بنسبة تغطية بلغت 95.8 في المئة من المستهدف.
هذا الرقم المرتفع في حملة استدراكية يكشف ضمناً أن التغطية الروتينية في تلك المناطق كانت أقل بكثير من العتبة المطلوبة قبل الحملة.
ويعزز هذا الاستنتاج ما ذكرته طبيبة الأطفال كلثوم المداح من أن من أبرز أسباب عودة الحصبة «تراجع معدلات التطعيم الروتيني خلال السنوات الماضية، وعدم استكمال كثير من الأطفال الجرعات الأساسية، ما سمح بظهور فجوات مناعية».
المضاعفات: ما هو أبعد من الطفح
من منظور طبي مهني، لا تُقاس خطورة الحصبة بعدد الحالات الظاهرة، بل بنسبة الحالات التي تتطور إلى مضاعفات.
وتشمل هذه المضاعفات الإسهال الشديد والجفاف، والتهابات الأذن الوسطى الحادة، والالتهاب الرئوي الحاد — وهو المسبب الرئيسي لأغلب الوفيات — والتهاب الدماغ الذي قد يترك تلفًا دائمًا. وتقدر المراجع الطبية أن معدل الوفيات يتراوح بين حالة وثلاث حالات لكل ألف شخص مصاب غير مطعّم.
وفي السياق الليبي، تكتسب هذه المضاعفات بعدًا إضافيًا يتعلق بضعف القدرة على الوصول إلى الرعاية المتخصصة في بعض المناطق، لا سيما الجنوبية والشرقية، حيث تشكو الأسر من نقص الأمصال الخاصة بالتطعيم، في مؤشر على تأثير الانقسام الحكومي في البلاد على المؤشرات الوبائية والأوضاع الصحية.
كما أن الاعتماد على التشخيص السريري بدلًا من التأكيد المخبري في بعض المراحل — كما حدث في سبها حفاظًا على الموارد المخبرية — يعني أن العدد الحقيقي للحالات قد يكون أعلى من المعلن، وأن السلاسل الوبائية قد لا تُرصد بالكامل.
الإنذار العالمي: لماذا يهم ليبيا ما يحدث في ويسكونسن ونيويورك
عودة الحصبة إلى ليبيا ليست ظاهرة منعزلة عن المشهد العالمي. ففي الولايات المتحدة، سُجّلت خلال عام 2026 ما يقرب من خمسة آلاف حالة مؤكدة في 45 ولاية، وتجاوزت الحالات المسجلة ضعف مثيلاتها في العام السابق، في أسوأ عام وبائي منذ عقود.
وفي نوفمبر 2026 وحده، أُعلنت ثلاثة وفيات مرتبطة بالحصبة خلال أسبوع واحد: طفل في مقاطعة لويس بولاية نيويورك، وحالة في بنسلفانيا، ورضيع في ولاية ويسكونسن، وهو أول وفاة بالحصبة في الولاية منذ 36 عامًا. وتشير البيانات إلى أن 96 في المئة من الحالات المسجلة في الولايات المتحدة كانت لأطفال لم يتلقوا تطعيماتهم الدورية.
هذه الأرقام تحمل درسًا مباشرًا لليبيا: الحصبة لا تعترف بحدود الدول ولا بمستوى تطورها الاقتصادي، بل تنتقل عبر المسارات نفسها التي تنتقل بها فجوات المناعة.
والانخفاض في تغطية اللقاح الثلاثي في أي منطقة — سواء بسبب الإعفاءات الشخصية في الغرب أو بسبب انقطاع الإمدادات في ليبيا — يُنتج النتيجة نفسها: عودة الفيروس.
الاستجابة الليبية: جهود حقيقية وقيود بنيوية
من المهم الإنصاف أن نؤكد أن المركز الوطني لمكافحة الأمراض لم يقف مكتوف الأيدي. فقد أطلق حملات جزئية متتالية: في الجنوب خلال يوليو 2025، وفي المنطقة الشرقية في سبتمبر 2025، وفي المنطقة الوسطى في مايو 2026، إلى جانب حملة استدراكية شملت 15 بلدية جنوبية بدعم من منظمة الصحة العالمية واليونيسف.
كما يجري تفعيل فرق الرصد والاستجابة السريعة، وتشكيل فرق تطعيم متحركة في المدارس.
لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل أقرب إلى «الإطفاء السريع» من «الوقاية المستدامة».
فالحملات الجزئية تعالج فجوات مناعية قائمة، لكنها لا تُغني عن نظام تحصين روتيني يعمل بانتظام ويصل إلى كل طفل في موعده.
والاستمرار في الاعتماد على الحملات الاستدراكية يعني أن البلاد ستظل تدور في حلقة: تفشٍّ — حملة — هدوء مؤقت — تفشٍّ جديد.
الحصبة مقياس لا مجرد مرض
«حصبة النمنم» ليست مجرد مرض يمكن قياسه بعدد الحالات أو وصفه بالطفح الجلدي. إنها مقياس دقيق لحالة المناعة الجماعية في أي مجتمع.
وحين تعود الحصبة إلى ليبيا، فإنها لا تقول شيئًا عن الفيروس بقدر ما تقول عن الأطفال الذين لم يصلهم اللقاح، وعن الأسر التي لم تجد المصل في الوقت المناسب، وعن النظام الصحي الذي لم يتمكن من إغلاق الفجوة بين 85 في المئة و95 في المئة.
والدرس الذي تقدمه التجربة الليبية — والتجربة الأمريكية المتزامنة — واضح: لا يوجد «علاج» للحصبة بعد الإصابة، بل وقاية قبلها.
واللقاح ليس رفاهية صحية، بل هو الشرط الأول لبقاء الأمراض التي يمكن الوقاية منها في خانة «الماضي»، لا في خانة «العائد».



