ليبيا

منصات التضليل: كيف تحوّلت علاجات تيك توك في ليبيا إلى تهديد للصحة العامة؟

     الدواء السحري المزعوم: بين الجهل الطبي والاستغلال الرقمي

ليبيا 24

     •    مقاطع تيك توك في ليبيا تروّج لعلاجات دون أساس علمي.

     •    استخدام الحجامة على الوجه قد يسبب مضاعفات قاتلة.

     •    اللبان المُر لا يحفز الكورتيزول ولا يحتوي على فيتامين B3.

     •    مشروبات مثل الكركديه والبنجر لا تُغني عن أدوية الضغط أو السيولة.

     •    الحجامة ليست بديلًا ولا تتفاعل مع الأدوية كما يُروّج.

     •    لا يوجد “علاج نهائي” لأمراض الكبد؛ الادعاء بذلك خطير.

     •    منتج “قطرة أمل” يُسوَّق كبديل للأنسولين دون أي إثبات علمي.

من الطب إلى تيك توك: حين تتحول المنصات الرقمية إلى عيادات مزيفة في ليبيا

في ليبيا، كما في دول أخرى يشتد فيها الاضطراب بين العلم والمعرفة الشعبية، يتغلغل وهم العلاج في تفاصيل الحياة اليومية، ليس عبر قوافل الطب التقليدي فحسب، بل – في تحول حديث ومخيف – عبر مقاطع قصيرة تُنتَج على عجل، وتُستهلك على عجل أكبر، تحت ضوء ناعم وموسيقى مهدئة… على منصة تيك توك.

ليست هذه ظاهرة محلية بحتة. العالم بأسره يترنح تحت وطأة المعلومات الزائفة، لكنّها في ليبيا تتخذ طابعًا أكثر إيلامًا، إذ تختلط بحالة من ضعف البنية الصحية، وشح الوصول إلى المعلومات الطبية الرصينة، وتفكك الثقة في المؤسسات العلاجية. وهنا تحديدًا، تبدأ الكارثة.

أساطير تُباع بالمشاهدات

https://www.misbar.com/editorial/2025/07/14/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%8A%D9%83-%D8%AA%D9%88%D9%83-%D8%AA%D8%B6%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B6%D9%89

حين يدخل مستخدم ليبي بسيط، يبحث عن حل لمعاناة جسدية مزمنة، إلى تطبيق ترفيهي مثل تيك توك، فلا يجد فيه رقصة أو نكتة، بل وصفة “نهائية” لعلاج السكري، أو مقطعًا لحجامة على أعلى الأنف يعِد بإنهاء معاناته مع الجيوب الأنفية… فذلك ليس ترفيهًا بريئًا، بل عبث مباشر بصحته.

وتزداد الخطورة حين يُقدَّم هذا المحتوى من شخص يرتدي معطفًا أبيض، أو يضع صفة “خبير” أو “أخصائي” بجانب اسمه، ما يضفي عليه هالة من الثقة الزائفة. والنتيجة؟ آلاف المشاهدات والمشاركات، وتقليد أعمى في الواقع، قد ينتهي بمأساة.

حجامة في “مثلث الموت”: وصفة نحو الدماغ

في أحد هذه المقاطع التي تخطت مشاهداتها حاجز 360 ألفًا، يظهر شاب ليبي يُدعى “أسلومة أشكيب” وهو يجري جلسة حجامة لمريض على المنطقة الواقعة بين عينيه وأعلى أنفه. يقول: “هنا يتركز الألم.. وهنا يزول”. سبع جلسات أسبوعيًا، ويزول انسداد الجيوب والتهابها، كما يقول بثقة.

لكن، هذه المنطقة التي يستهدفها تسمّى طبيًا “مثلث الخطر الوجهي”، وهي منطقة ترتبط بأوردة تتجه مباشرة نحو الدماغ، دون حواجز أو صمامات توقف مسار العدوى. أي جرح بسيط، أو تلوث خفيف، قد يؤدي إلى كارثة صحية: خُراج دماغي، أو جلطة في الجيب الكهفي، أو حتى التهاب سحائي.

لا توجد – حتى اليوم – أي دراسة علمية معتبرة تدعم هذا النوع من الحجامة. ما يُوصى به طبيًا لعلاج الجيوب الأنفية يتراوح بين البخار والمضادات الحيوية، مرورًا بالجراحة في بعض الحالات… أما الحجامة، فتظل ممارسة غير مثبتة، لا سيما في تلك النقطة الحساسة.

اللبان المُر: “دواء خارق” يُباع على جهل علمي

في فيديو آخر تجاوز 130 ألف مشاهدة، يدّعي شخص يُدعى “د. أحمد بيراس” أن اللبان المُر، ذاك الصمغ العشبي المتداول في الأسواق، يحتوي على فيتامين B3، الذي ينشّط الغدة الكظرية لإفراز الكورتيزول، “الهرمون السحري” كما سماه.

كلمة “سحري” وحدها كافية لرفع الأعلام الحمراء في ذهن أي متلقٍ واعٍ، لكن في ظل غياب التوعية، قد تتحول هذه الكلمات إلى أوامر.

الواقع أن اللبان المُر لا يحتوي على النياسين أصلًا، بل يتكون من مركبات مضادة للالتهاب تُستخدم أحيانًا كمكملات غذائية في التهابات المفاصل، دون أي علاقة بالغدد الكظرية.

أما الكورتيزول، فرغم كونه هرمونًا حيويًا، إلا أن زيادته ترتبط بارتفاع السكر، والبدانة، واضطرابات النوم، وضعف المناعة، لا بشفاء الأمراض.

ادعاء كهذا لا يُضحك فقط أطباء الغدد الصماء، بل يثير قلقهم على من يصدقونه.

العلاج بالبنجر والكركديه: حين يختلط الغذاء بالدواء

المحتوى المتعلق بضغط الدم هو من الأكثر تداولًا بين المرضى الليبيين على تيك توك. في فيديو حقق أكثر من 250 ألف مشاهدة، يُقدّم “عماد زيدان” وصفة من ثلاثة مشروبات تُغني، حسب قوله، عن أدوية الضغط مدى الحياة: الكركديه، عصير البنجر، وماء جوز الهند.

ورغم أن هذه المواد أظهرت في بعض الدراسات تأثيرات طفيفة على الضغط، فإن استخدامها كبدائل كاملة للأدوية هو خرافة خطيرة. البنجر، على سبيل المثال، يعمل عبر آلية موسّعة للأوعية، لكنه لا يمكن التحكم بفعاليته بنفس دقة الأدوية المعتمدة. والأسوأ، الادعاء بأنه “يُميّع الدم” كبديل للوارفارين أو الأسبرين – وهو ادعاء يرقى إلى تعريض المرضى للوفاة.

“أوقف دواءك قبل الحجامة”: من ينقذ المريض من هذه النصائح؟

فيديو آخر من حساب “جوهر توفيق” – يدير مركزًا للحجامة – يُوصي فيه المرضى بإيقاف أدوية السيولة قبل جلسة الحجامة، ويزعم أن المضادات الحيوية تتفاعل مع الحجامة، ويجب تأجيلها.

لا توجد أي دراسة علمية تدعم هذه الادعاءات. الحجامة ليست دواءً يدخل الجسم لتتفاعل معه مضادات حيوية. أما وقف الأدوية المميعة دون إشراف طبي فقد يؤدي إلى جلطات قاتلة. نصائح كهذه هي وصفة للموت.

علاج “نهائي” لتليف الكبد؟ الكذبة الكبرى

من بين أكثر الفيديوهات تداولًا، مقطع تقدمه امرأة تُدعى “أم حمزة”، تسوّق علاجًا عشبيًا تزعم أنه يقضي على التهابات الكبد الفيروسية، وتليف الكبد، والكبد الدهني، دون أي مضاعفات.

للتوضيح: لا يوجد ما يُسمى “علاج نهائي” موحد لأمراض الكبد. التليف، تحديدًا، لا يمكن عكسه في مراحله المتقدمة. والتهاب الكبد C يُعالج بأدوية متقدمة، أما النوع B فهو مزمن ولا يُشفى غالبًا. أما الكبد الدهني، فالعلاج يعتمد على تغيير نمط الحياة، وليس على الأعشاب.

“قطرة أمل”: اسم جذّاب.. ومحتوى مُقلق

قطرة تُباع باسم “أمل”، تزعم قدرتها على معالجة كل شيء من الهضم إلى السكري، وصولًا إلى البواسير. مكوناتها؟ حبة البركة، السدر، وبكتيريا نافعة. ومفعولها؟ – حسب المقطع – تغنيك عن الإنسولين.

هذا النوع من الترويج هو الأخطر، لأنه يُغري مرضى السكري بوقف أدويتهم. أي شخص يفعل ذلك، خصوصًا من النوع الأول، يُعرض نفسه لخطر الموت بسبب الحماض الكيتوني.

الأخطر من المزاعم، هو الادعاء بأن ارتفاع السكر بعد تناول القطرة أمر طبيعي، لأنها “تُخرج السكر من المخزون”. لا يوجد تفسير طبي واحد يدعم هذا.

علم زائف يزدهر في فراغ الثقة

الخلل لا يكمن فقط في صناع المحتوى، بل في الأرض الخصبة التي يزدهر فيها التضليل. ضعف التوعية الصحية، وغياب الحملات الوطنية الموجهة، وتدهور خدمات الرعاية، كلها تصنع فجوة يملؤها من يريد الربح على حساب أرواح الناس.

في المجتمعات التي تتراجع فيها الثقافة العلمية، تُصبح النصيحة على “تيك توك” مرشدًا طبياً. وفي مجتمعات تُهمّش فيها الصحة النفسية، يتعزز الميل للتشبث بأي وعد بالشفاء، ولو كان منقوشًا على عبوة غير مرخصة.

https://www.misbar.com/editorial/2025/07/14/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%8A%D9%83-%D8%AA%D9%88%D9%83-%D8%AA%D8%B6%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B6%D9%89

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى