زفاف يتحول إلى معركة رمزية في طرابلس يشعل الغضب الشعبي
الليبيون ينددون بزفاف مسلح يعكس انفلات الأمن والفوضى العامة
ليبيا 24
زفاف على وقع القذائف… الليبيون بين الغضب والسخرية من واقع الفوضى
في مشهدٍ يختصر تعقيدات الواقع الليبي بعد أكثر من عقد من الانقسام، تحوّل حفل زفاف في طرابلس إلى استعراض مسلح صاخب، بعدما أطلق المشاركون فيه أعيرة نارية كثيفة وقذائف من نوع “آر بي جي” في الهواء، في ما وصفه ناشطون بأنه “عرس يشبه المعركة”.
الواقعة التي جرت في أحد أحياء طرابلس خلال الأيام الماضية، لم تمرّ مرور الكرام، إذ أثارت عاصفة من الغضب الشعبي، وأعادت إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول الانفلات الأمني، وانتشار السلاح، وضعف سلطة الدولة في فرض القانون حتى في أدق تفاصيل الحياة المدنية.
مشهد الزفاف المسلح… من الفرح إلى الفوضى
بحسب مقاطع الفيديو التي تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر موكب الزفاف مزيناً كأي موكب آخر، لكنّ ما لبث أن تحوّل إلى مشهد حربي حين نزل عدد من الشبان المسلحين من السيارات وبدأوا بإطلاق النار في الهواء مستخدمين رشاشات ثقيلة وقاذفات “آر بي جي”، بينما دوّى صوت الانفجارات في الأحياء المجاورة.
المقطع لم يستغرق سوى دقائق حتى تصدّر قائمة المواد الأكثر تداولاً على المنصات الليبية، وسط استغراب وسخرية لاذعة من رواد التواصل الذين علّق بعضهم بالقول: “الفرح في طرابلس لا يكتمل إلا برشقة قذائف”، فيما رأى آخرون أن “الزفاف تحوّل إلى رسالة تحدٍ للقانون والدولة معاً”.
رأي الشارع الليبي… بين الخوف والسخرية
لم تكن التعليقات على الحادثة مجرد تندّر على ظاهرة “الأعراس المسلحة”، بل كانت تعبيراً صريحاً عن غضبٍ اجتماعي مكبوت من تراكمات الفوضى المستمرة منذ أكثر من عقد.
يقول المواطن عبد الرؤوف البرغوثي، وهو من سكان العاصمة، في حديث لـ ليبيا 24:
“لم نعد نميّز بين صوت الفرح وصوت الحرب. في أي لحظة يمكن أن تتحول رصاصة طائشة إلى مأساة لعائلة بريئة. ما يحدث هو استخفاف بالأرواح والقانون.”
من جانبها، اعتبرت فاطمة بن جابر، وهي ناشطة مدنية، أن المشهد “يعكس انهيار قيم المجتمع وضياع هيبة الدولة”، مضيفة:
“حين يصبح إطلاق القذائف جزءاً من التعبير عن الفرح، فهذا يعني أن السلاح لم يعد وسيلة دفاع، بل لغة حياة جديدة في ليبيا.”
القانون الليبي ومظاهر التسلح المدني
من الناحية القانونية، يُعدّ استخدام الأسلحة النارية في المناسبات المدنية جريمة يعاقب عليها القانون الليبي، إذ تنص التشريعات على منع إطلاق النار في الأماكن العامة، لما يشكله من خطر على الأرواح والممتلكات.
غير أن التطبيق العملي لهذه القوانين يظل غائباً، وفق ما يراه المحامي سالم الورفلي الذي أشار إلى أن “غياب الردع القانوني هو ما جعل هذه الظاهرة تتفاقم.”
“القانون واضح، لكن الأجهزة الأمنية مترددة في تطبيقه على من يمتلك النفوذ أو ينتمي لتشكيلات مسلحة. هذه الانتقائية في فرض النظام خلقت شعوراً عاماً بالإفلات من العقاب.”
ويرى مراقبون أن المشكلة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها، حيث لا تزال المؤسسات الأمنية منقسمة الولاء بين سلطتين متنافستين، الأمر الذي جعل تطبيق القانون مهمة شبه مستحيلة في بعض المناطق.
من أين جاءت ثقافة “الفرح المسلح”؟
يرجع باحثون اجتماعيون هذه الظاهرة إلى تراكمات ما بعد عام 2011، حين انفجرت البلاد بأسلحة مهربة ومنهوبة من مخازن الدولة.
ومنذ ذلك الحين، تحوّل السلاح من رمز مقاومة إلى وسيلة تفاخر اجتماعي في بعض المناطق، خصوصاً مع غياب برامج نزع السلاح وإعادة الدمج الفعالة.
ويقول الباحث الاجتماعي صالح الترهوني:
“السلاح أصبح جزءاً من المشهد الاجتماعي، فهناك جيل كامل نشأ وهو يرى السلاح زينة الرجولة. ومع ضعف المؤسسات التعليمية والإعلامية، لم تنجح الدولة في ترسيخ ثقافة مدنية مضادة.”
الناشطون يطالبون بتحقيق ومساءلة
في خضم الجدل، طالب عدد من الحقوقيين والنشطاء مكتب النائب العام بفتح تحقيق فوري في الحادثة، مؤكدين أن “الاستخدام العشوائي للأسلحة الثقيلة في مناطق آهلة يمثل جريمة تهدد الأمن العام.”
وكتب أحدهم على منصة “إكس”:
“هذه ليست فرحة بل جريمة منظمة، وعلى السلطات أن تثبت جديتها في حماية أرواح المدنيين.”
كما دعا آخرون إلى فرض حظر شامل على الأسلحة الثقيلة داخل المدن، وإطلاق حملة وطنية لإعادة ضبط السلاح في يد الدولة، معتبرين أن “السكوت عن مثل هذه التصرفات يهدد السلم الاجتماعي برمته.”
الفوضى الأمنية وانعكاساتها على الحياة اليومية
في نظر محللين سياسيين، لا يمكن فصل مثل هذه الحوادث عن المشهد الأمني والسياسي الأوسع في ليبيا، حيث تعيش البلاد منذ سنوات حالة من الانقسام بين سلطتين متنافستين في طرابلس وبنغازي، ما انعكس على أداء المؤسسات الأمنية والعدلية.
يقول المحلل رمزي القماطي إن “كل مظاهر الفوضى، بما فيها الأعراس المسلحة، هي نتيجة مباشرة لغياب الدولة المركزية.”
“حين يغيب الشعور بالمواطنة، ويصبح السلاح وسيلة إثبات الذات، فإننا أمام أزمة مجتمع لا أزمة أمن فقط.”
ويضيف أن انتشار التشكيلات المسلحة بمسميات مختلفة جعل السيطرة على العاصمة شبه مستحيلة، “فكل مجموعة ترى نفسها فوق القانون طالما أن ولاءها السياسي أو القبلي يحميها من الملاحقة.”
الليبيون بين الألم والاعتياد
رغم الغضب الشعبي من المشهد، يرى كثير من الليبيين أن ما حدث في الزفاف ليس جديداً، بل هو استمرار لسلسلة طويلة من مظاهر “التطبيع مع الفوضى”.
ففي الأعوام الماضية، تكررت حوادث إطلاق النار في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، وسقط ضحايا مدنيون بسبب رصاص طائش.
ويشير المواطن علي عبدالكريم إلى أن “الناس تعودت، لم يعد أحد يستنكر مثل هذه الأفعال إلا في وسائل التواصل. في الواقع، الجميع يعيش في خوف صامت.”
وتتحدث أم خالد، وهي أم لثلاثة أطفال من منطقة صلاح الدين بطرابلس، قائلة:
“حين نسمع دويّ إطلاق النار، نغلق الأبواب ونطفئ الأنوار حتى لا نظهر من النوافذ. أطفالنا يظنون أن الحرب لم تنتهِ بعد.”
السلطات الأمنية… صمت يثير التساؤلات
في المقابل، لم يصدر عن وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية أو عن الأجهزة الأمنية في طرابلس أي تعليق رسمي بشأن الحادثة، ما زاد من غضب المواطنين الذين اعتبروا الصمت “تواطؤاً غير مباشر”.
ويرى مراقبون أن تجاهل مثل هذه الوقائع يضر بصورة الحكومة ويعمّق فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
ويقول الخبير الأمني طارق بن غرسة:
“في دول أخرى، مجرد إطلاق عيار ناري في زفاف يستدعي توقيف الفاعل فوراً. أما في ليبيا، فالقضية تمرّ دون حتى بيان توضيحي. هذا مؤشر خطير على ضعف الردع.”
من الفوضى إلى القانون… هل هناك أمل؟
يرى محللون أن استعادة سلطة الدولة تبدأ من فرض النظام في الشارع لا من قاعات السياسة. فالمواطن العادي يقيس وجود الدولة من خلال قدرتها على منعه من الخطر، لا من خلال بيانات المؤتمرات.
ويقول أحد الأساتذة الجامعيين:
“حين تتعامل الدولة مع الأعراس المسلحة كحدث عابر، فهي تفقد أهم عناصر السيادة وهو الاحتكار الشرعي للعنف. ما نحتاجه ليس بيانات شجب، بل قرارات تنفيذية صارمة.”
ويقترح خبراء قانونيون إطلاق حملة وطنية شاملة لنزع السلاح بالتوازي مع إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية، مع التركيز على التربية المجتمعية التي تعيد بناء مفهوم “الأمن المدني” في الوعي الشعبي.
الليبيون بين اليأس والتمسك بالأمل
ورغم قتامة المشهد، لا يزال هناك من يراهن على وعي المجتمع وقدرته على التغيير التدريجي.
تقول الناشطة إيناس بن عون:
“كلما انتشرت الفوضى، زاد الوعي بخطرها. الجيل الجديد بدأ يدرك أن السلاح لا يصنع فرحاً ولا كرامة. هو فقط يمدد عمر الأزمة.”
بينما عبّر شاب من حي الأندلس عن أمله قائلاً:
“ربما نحتاج إلى جيل جديد من المسؤولين لا يرى في السلاح زينة، بل عبئاً على الدولة والمجتمع.”
ختاماً… الفرح الليبي بين الرصاص والحنين إلى الأمان
يبقى مشهد الزفاف المسلح في طرابلس صورة مصغرة لواقع أكثر اتساعاً: دولة تحاول أن تستعيد توازنها بين سلطة القانون وسطوة السلاح، وشعب يتأرجح بين الخوف من الحاضر والأمل في المستقبل.
فما حدث لم يكن مجرد حادثة اجتماعية عابرة، بل جرس إنذار جديد على عمق التحديات التي تواجه ليبيا في مسيرتها نحو الاستقرار.
وما بين زغاريد الأفراح وصوت الرصاص، يظل السؤال الأبرز الذي يتردد على ألسنة الليبيين: “متى يعود الفرح في ليبيا بلا قذائف؟”



