الجديد: سحب 175 مليار دينار لم يخفض طلب الدولار
الجديد: انقسام المركزي وسياسات الكاش يعمقان أزمة السيولة
ليبيا 24:
الجديد يطرح أسئلة جوهرية حول السيولة والدولار وانقسام المصرف المركزي
يثير الخبير الاقتصادي مختار الجديد، في سلسلة تحليلات نشرها عبر منصاته الرقمية، جدلا واسعا حول جذور الأزمة النقدية في ليبيا، متجاوزا التفسيرات التقليدية التي تحصر المشكلة في المضاربين أو تجار الاعتمادات، ليضع الأصبع على ما يصفه باختلالات هيكلية في السياسات النقدية والمالية، وتناقضات مؤسسية عميقة داخل مصرف ليبيا المركزي والمنظومة الاقتصادية ككل.
28 مليار دولار مباعة… لكن أين اختفى أثرها؟
ينطلق الجديد من رقم محوري: بيع مصرف ليبيا المركزي نحو 28 مليار دولار حتى نهاية شهر نوفمبر. غير أن التوقف عند كلمة “باع” ليس تفصيلا لغويا، بل مفتاح التحليل.
فعملية البيع تعني، وفق منطقه، أن المصرف المركزي سحب مقابل هذه الدولارات ما يقارب 175 مليار دينار من السوق، سواء في صورة نقد متداول أو أرصدة مصرفية.
منطقيا، كان من المفترض أن يؤدي هذا السحب الضخم إلى تجفيف السيولة المحلية وخفض الطلب على الدولار، بل وربما انهيار سعره في السوق الموازية.
لكن الواقع، كما يلفت الجديد، يسير في الاتجاه المعاكس: الطلب على الدولار لا يزال مرتفعا، والفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، خصوصا دولار الكاش، ما زالت قائمة. وهو ما يطرح سؤالا مركزيا: من أين جاءت كل هذه الكتلة النقدية التي لا تزال تملأ السوق؟
تمييز بين صانع الأزمة ومن تاجر بها
يحذر الجديد من الوقوع في فخ التبسيط، مؤكدا ضرورة التمييز بين من صنع الأزمة ومن استفاد منها. فالمضاربون وتجار الاعتمادات، في رأيه، هم نتاج بيئة مختلة أكثر من كونهم سببا أصيلا لها.
ويشير إلى أن استمرار الطلب المرتفع على الدولار، رغم عمليات السحب الكبيرة للدينار، يعني بالضرورة أن هناك قنوات أخرى لإعادة ضخ السيولة، سواء عبر إنفاق عام غير منضبط، أو ممارسات مالية خارج الأطر القانونية.
النشرة الاقتصادية… اعتراف غير مباشر
يتوقف الخبير الاقتصادي عند النشرة الاقتصادية للربع الثالث لعام 2025 التي أصدرها المصرف المركزي، معتبرا أنها حملت في طياتها اعترافا ضمنيا بحجم الإشكال.
فبدلا من طمأنة الرأي العام، نقلت – وفق قراءته – عبء الأسئلة إلى المجتمع، عبر أرقام تعكس تراجعا في الإيرادات، واختلالا في التوازن بين الموارد والاستخدامات.
ويربط الجديد بين هذه المعطيات وبين تصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، الذي أقر بتصرفه في إيرادات النفط خارج الأطر المعتمدة، مبررا ذلك بتدني المخصصات التشغيلية.
ويصف الجديد هذا السلوك بأنه تجاوز للقانون المالي وهدر للمال العام، ويتقاطع – بحسب رأيه – مع بيانات المركزي حول تراجع الإيرادات النفطية، ما يعمق أزمة الثقة في إدارة أهم مورد سيادي للبلاد.
انقسام المصرف المركزي… واقع لا يمكن إنكاره
في محور آخر، يعيد الجديد فتح ملف انقسام مصرف ليبيا المركزي، معتبرا أن الحديث عن توحيده لا يزال، حتى الآن، أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.
ويستشهد بمراسلات صادرة عن مصرف التجارة والتنمية، تشير إلى تعليمات صادرة من إدارة الرقابة على النقد في بنغازي، لا من الإدارة التابعة لطرابلس، وهو ما يعكس – من وجهة نظره – ازدواجية القرار النقدي واستمرار الانقسام المؤسسي.
هذا الانقسام، بحسب الجديد، لا يقتصر أثره على الجوانب الإدارية، بل ينعكس مباشرة على السوق، ويخلق حالة من الارتباك لدى المصارف والتجار والمواطنين، ويفتح الباب أمام سياسات متناقضة تقوض أي جهد إصلاحي.
الدفع الإلكتروني… فرصة مهدرة
يخصص الجديد حيزا مهما لنقد السياسات المتعلقة بالدفع الإلكتروني، معتبرا أن حل أزمة السيولة يمر بالضرورة عبر تقليص الاعتماد على الكاش. غير أنه يرى أن بعض القرارات المصرفية تسير عكس هذا الهدف.
فاشتراط الدفع النقدي لشحن الأغراض الشخصية أو لشراء الدولار، كما فعل مصرف التجارة والتنمية، يعني – وفقا لتحليله – رفع قيمة الكاش وزيادة الطلب عليه، وبالتالي توسيع الفجوة بين دولار الكاش ودولار الصك.
ويؤكد أن هذه السياسات تضرب في الصميم جهود المصرف المركزي التي بُذلت على مدار عام كامل لتشجيع وسائل الدفع الإلكتروني، وتعيد السوق إلى نقطة الصفر، إن لم تكن أسوأ.
مقترحات لإعادة ضبط المسار
لا يكتفي الجديد بالتشخيص، بل يقدم مقترحات عملية، أبرزها ربط فتح الاعتمادات المستندية والتحويلات ومنح بطاقات الدولار برصيد التاجر في حسابات نقاط البيع، بحيث لا يُعتد بأي أرصدة أخرى.
الهدف من ذلك، كما يوضح، هو إجبار الشركات الكبرى على التعامل بالدفع الإلكتروني فعليا، لا الاكتفاء باستخدام الأرصدة المصرفية لفتح اعتمادات بملايين الدنانير، ثم فرض الكاش على المستهلكين عند بيع السلع.
ويرى أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يقلص الطلب على النقد، ويحد من التشوهات في سوق الصرف، ويعيد قدرا من الانضباط إلى الدورة المالية، إذا ما تم تطبيقه بصرامة وشفافية.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يقدم مختار الجديد قراءة نقدية حادة للمشهد الاقتصادي الليبي، تضع السياسات النقدية والحوكمة المؤسسية في قلب الأزمة، وتدعو إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحلول السطحية. قراءة تعكس، في جوهرها، أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة سيولة، وأزمة إدارة قبل أن تكون أزمة عملة.



