ليبيا

السريري: التدخلات الدولية والغياب الشعبي عطّلا استفتاء الدستور الليبي

السريري: مسودة الدستور وطنية جاهزة لكن العرقلة سياسية

قال عضو المجلس الأعلى للدولة فتح الله السريري إن مشروع الدستور واجه منذ إنجازه سلسلة من العراقيل السياسية والعملية، حالت دون الوصول إلى مرحلة الاستفتاء الشعبي، رغم استكمال متطلباته الأساسية على المستويين القانوني والمؤسسي. وأوضح أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور أنجزت مهمتها وسلمت مشروع الدستور في وقت مبكر، فيما توافق مجلسا النواب والدولة منذ عام 2018 على إصدار قانون الاستفتاء، مع إدخال تعديلات لاحقة في 2019، بما يتيح المضي قدماً في هذا الاستحقاق المفصلي.

المفوضية أداة التنفيذ… والتمويل شرط حاسم

وفي تصريحات تلفزيونية، شدد السريري على أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تمثل الجهة التنفيذية الوحيدة المخولة بإنجاز الاستفتاء، غير أن قيامها بدورها يتطلب توفير التمويل اللازم، إلى جانب غطاء سياسي وظروف عملية وأمنية مناسبة. وأكد أن غياب هذه الشروط حال دون تهيئة بيئة تسمح بإجراء استفتاء يحظى بالقبول العام، ويضمن سلاسة العملية ومصداقيتها أمام الليبيين.

تدخلات دولية وتأثيرات غير مباشرة

واعتبر السريري أن أحد أبرز أسباب تعثر الاستفتاء يتمثل في التدخلات الدولية في الشأن الليبي، إضافة إلى أدوار بعض أعضاء البعثة الأممية، مشيراً إلى أن هذه الأطراف، رغم عدم امتلاكها قراراً مباشراً، كان لها تأثير فعلي على مسار العملية الدستورية. وأوضح أن التدخل الخارجي غالباً ما أسهم في تعطيل التقدم، سواء عبر الضغط السياسي أو إعادة توجيه الأولويات، رغم أن مشروع الدستور كان مطروحاً أمام الليبيين كافة للموافقة أو الرفض وفق الآليات القانونية.

العرقلة لا تقتصر على الخارج

وفي المقابل، شدد السريري على أن تحميل التدخلات الخارجية وحدها مسؤولية تعطيل الاستفتاء لا يعكس الصورة الكاملة، لافتاً إلى أن أصحاب نفوذ محليين ودوليين يمتلكون القدرة على عرقلة أي استحقاق وطني. وأشار إلى أن ذلك قد يتم عبر حجب التمويل، أو افتعال نزاعات سياسية وأمنية، أو دعم مجموعات مسلحة في مناطق مختلفة، بما يخلق بيئة غير مواتية لإجراء أي استفتاء أو عملية سياسية جامعة.

مشروع الدستور… ملك للشعب بلا ضغط شعبي

وأكد السريري أن مشروع الدستور أصبح ملكاً للشعب الليبي منذ لحظة إقراره بأغلبية الهيئة التأسيسية المنتخبة، إلا أنه لم يواكب ذلك حراك شعبي ضاغط يطالب بتنفيذه. واعتبر أن غياب المطالبات الجماهيرية والضغط المنظم على الحكومات المتعاقبة والمجلسين التشريعيين أسهم في بقاء المسودة حبيسة الأدراج، وأضعف قدرة المؤسسات القائمة على مواجهة العراقيل المفروضة على المسار الدستوري.

دور محدود لمجلس الدولة وحلول مرحلية

وأوضح السريري أن تأثير المجلس الأعلى للدولة يظل محدوداً في ظل توازنات سياسية معقدة وغياب دعم شعبي فاعل، مشيراً إلى أن المجلس عمل، ضمن صلاحياته، على تقديم حلول مرحلية. وذكر في هذا السياق التعديلات الثلاثة عشر المستمدة من مشروع الدستور، إضافة إلى إعداد القوانين الانتخابية، معتبراً أن هذه الخطوات تهدف إلى الحفاظ على جوهر المسودة الدستورية، وتمهيد الطريق أمام انتقال سياسي منظم.

المسودة نافذة وفق الإعلان الدستوري

وأشار السريري إلى أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور انتُخبت مباشرة من الشعب، وأنها أقرّت المشروع بالأغلبية المطلوبة، ما يمنح المسودة، وفقاً للإعلان الدستوري والمادة (30) وتعديلاتها، صفة النفاذ. وأوضح أن التوجه نحو إجراء الانتخابات استناداً إلى هذه المسودة، حتى دون استفتاء، يستند إلى هذه القاعدة القانونية، معتبراً أن المشروع يمثل ملكية وطنية لا يجوز تجاوزها أو إفراغها من مضمونها.

الانقسام السياسي وصراع السلطة

ولفت السريري إلى أن التحديات التي واجهت مشروع الدستور لم تكن ناتجة عن رفض داخلي خالص، بل جاءت في سياق انقسام سياسي حاد وصراع على السلطة التنفيذية، إلى جانب الحاجة المستمرة للدعم المالي والسياسي والأمني من الجهات المعنية. وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أضعفت فرص استكمال المسار الدستوري ضمن جدول زمني واضح.

لجنة 6+6 ومحاولات المعالجة

وأوضح السريري أن المجلس الأعلى للدولة شارك في مسار لجنة “6+6”، وأنجز بالتوافق مع مجلس النواب القوانين الانتخابية، التي نُشرت في الجريدة الرسمية. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل محاولة عملية لمعالجة تعثر المسار الدستوري، دون المساس بمشروع الدستور، لاسيما وأن هذه القوانين تستند بنسبة كبيرة إلى أحكام المسودة.

ازدواجية المسارات وإطالة الأزمة

ورأى السريري أن الواقع السياسي أفرز حالة من ازدواجية المسارات، بين وجود مسودة دستور جاهزة من جهة، ومسارات تشريعية وانتخابية موازية من جهة أخرى، ما حال دون الوصول إلى المرحلة التي يطمح إليها الليبيون. وأكد أن الجميع يتفق على حق ليبيا في دستور دائم ينظم الدولة ويضمن الحقوق والحريات، إلا أن غياب الضغط الشعبي ساهم في إطالة أمد الأزمة.

دعوة للمصارحة والتوافق

وفي ختام تصريحاته، شدد السريري على أن كل مؤسسة تتحمل مسؤوليتها ضمن حدود صلاحياتها القانونية، داعياً الأجسام السياسية إلى مصارحة الليبيين بحقيقة التعقيدات القائمة. وأكد أن الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في توضيح ما تحقق وما تعذر إنجازه، والدفع نحو توافق حقيقي يفضي إلى دستور دائم يحظى بقبول واسع، ويشكل أساساً لاستقرار الدولة وبناء مؤسساتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى