ليبيا

تعيين الصلابي يفجّر جدلًا حادًا ويهدد مسار المصالحة الليبية

قرار المنفي يعمّق الانقسام السياسي ويقوّض الثقة بمسار المصالحة

ليبيا 24

قرار يفتح جراحًا قديمة

أعاد قرار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بتكليف علي الصلابي مستشارًا لشؤون المصالحة الوطنية فتح ملف شديد الحساسية في المشهد الليبي، ليس فقط بسبب طبيعة المنصب، بل بسبب الشخصية المختارة له، في لحظة سياسية تتسم بانسداد دستوري، وانقسام مؤسسي، وتآكل ثقة واسع بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
الخطوة، التي قُدمت رسميًا باعتبارها جزءًا من مساعٍ لإحياء مسار المصالحة، قوبلت بموجة رفض وتحذير غير مسبوقة، عكست حجم الاحتقان الكامن، وأظهرت بوضوح أن ملف المصالحة لا يمكن فصله عن صراع الشرعيات، ولا عن الذاكرة الدامية للصراع الليبي خلال العقد الأخير.

شخصية خلافية في موقع توافقي

يُجمع منتقدو القرار على أن جوهر الأزمة لا يكمن في فكرة المصالحة ذاتها، بل في إسنادها إلى شخصية تُعد من أكثر الأسماء إثارة للجدل في ليبيا. فعلي الصلابي يُنظر إليه من قطاعات واسعة على أنه محسوب على تيار سياسي كان طرفًا مباشرًا في النزاع، وليس وسيطًا محايدًا بين أطرافه.
هذا المعطى، بحسب سياسيين وإعلاميين، يتناقض جوهريًا مع فلسفة المصالحة التي تقوم على القبول العام، والحياد، والقدرة على مخاطبة جميع الأطراف دون شبهة انحياز أو إرث صدامي سابق.

انقسام سياسي يتعمّق

ردود الفعل الغاضبة لم تقتصر على جهة أو إقليم بعينه، بل شملت طيفًا واسعًا من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. فقد حذرت أطراف سياسية من أن القرار يُكرّس الانقسام بدل ردمه، ويعيد إنتاج مناخ الاستقطاب الذي أفشل مبادرات سابقة.
الانتقادات ركزت أيضًا على توقيت القرار، في ظل علاقة متوترة أصلًا بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب في بنغازي، ما يثير مخاوف من أن تتحول الخطوة إلى عامل تفجير سياسي جديد، بدل أن تكون مدخلًا لتوافق وطني جامع.

إشكالية الصلاحيات والشرعية

أثار القرار تساؤلات قانونية ودستورية حول صلاحيات المجلس الرئاسي في إجراء تعيينات بهذا الثقل السياسي، في مرحلة تتسم بغياب إطار دستوري متفق عليه، وتنازع مستمر حول شرعية المؤسسات.
ويرى قانونيون أن الإقدام على قرارات أحادية في ملفات سيادية، دون تشاور واسع أو غطاء تشريعي واضح، يُضعف من مصداقية أي مسار سياسي لاحق، ويمنح الأطراف الرافضة مبررات إضافية للتشكيك في نوايا الرئاسي.

رفض قبلي وحزبي

المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الوسطى أعلن صراحة رفضه لتعيين الصلابي، معتبرًا أن الخطوة تُضعف مساعي المصالحة، وتنعكس سلبًا على السلم الاجتماعي، وتفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان بين المدن والقبائل.
في السياق ذاته، عبّر تجمع الأحزاب الليبية عن موقف مماثل، مؤكدًا أن المصالحة الوطنية لا يمكن إدارتها بعقلية الإقصاء أو الرهان على شخصيات خلافية، وأن اختزال مشروع وطني جامع في أسماء جدلية يُفرغه من مضمونه ويعيد إنتاج عدم الثقة.

مخاوف من توظيف سياسي

عدد من المراقبين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن تعيين الصلابي لا ينفصل عن صفقات سياسية تجري في غرب البلاد، ومحاولات لإعادة ترتيب موازين القوى داخل المجلس الرئاسي، وربما تمهيدًا للسيطرة على قراره في مرحلة لاحقة.
هذه المخاوف عززتها تصريحات إعلاميين وسياسيين حذروا من أن منح موطئ قدم لشخصية مثيرة للانقسام داخل مؤسسة يفترض أن تكون جامعة، قد يحول ملف المصالحة إلى أداة صراع، لا إلى جسر عبور نحو الاستقرار.

البعد الإقليمي والدولي

الجدل لم يتوقف عند الداخل الليبي، بل امتد إلى البعد الإقليمي، خاصة في ظل الإشارة المتكررة إلى إدراج الصلابي على قوائم الإرهاب لدى عدد من الدول منذ عام 2017.
هذا البعد، بحسب محللين، قد يضع المجلس الرئاسي في موقف حرج على مستوى التعاطي الدولي، ويثير تساؤلات حول مدى جدية السلطة التنفيذية في تبني خطاب جامع، ومتسق مع الالتزامات الدولية المعلنة بشأن مكافحة التطرف وبناء دولة مدنية.

الشارع الليبي… شكوك وتساؤلات

على المستوى الشعبي، عبّر نشطاء مستقلون عن استغرابهم من تكليف شخصية تقيم خارج ليبيا بإدارة ملف داخلي بالغ التعقيد، يتطلب حضورًا ميدانيًا، وفهمًا عميقًا لتوازنات المجتمع المحلي، وآلام الضحايا، وتعقيدات النزوح والتهجير.
وتساءل آخرون عن مصير قانون المصالحة الوطنية، الذي لا يزال عالقًا داخل أروقة المؤسسات التشريعية، معتبرين أن القفز على هذا الاستحقاق القانوني يُفرغ أي تعيين من مضمونه العملي.

المصالحة بين الشعار والواقع

رغم كثرة المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عُقدت خلال السنوات الماضية، لم يحقق مسار المصالحة تقدمًا ملموسًا، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتراجع الثقة، وغياب العدالة الانتقالية.
ويرى منتقدو القرار أن تعيين شخصية خلافية في هذا السياق لا يمثل اختراقًا، بل انتكاسة جديدة، تُضاف إلى سلسلة إخفاقات جعلت المصالحة شعارًا مرفوعًا دون ترجمة فعلية على الأرض.

اختبار جديد للمؤسسات

في المحصلة، يُعد قرار تعيين علي الصلابي اختبارًا جديدًا لقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الملفات المصيرية بعيدًا عن منطق الغلبة والتجاذبات الحادة.
غير أن حجم الرفض السياسي والقبلي والحزبي، وطبيعة الانتقادات الموجهة للقرار، توحي بأن هذا الاختبار قد يتحول إلى عبء إضافي على مشهد مأزوم أصلًا، ما لم يُعاد النظر في الخطوة، ويُفتح حوار وطني حقيقي حول أسس المصالحة، وأدواتها، وشخصياتها.
فالمصالحة، كما يؤكد خصوم القرار، ليست مشروع أفراد، ولا منصة لإعادة تدوير الوجوه الجدلية، بل مسار وطني شامل، وأي محاولة لتوظيفه سياسيًا ستُفاقم الانقسام، وتؤجل حلم الليبيين بدولة مستقرة جامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى