دولى

تقرير أممي ينذر بإفلاس مائي يهدد شمال أفريقيا

شمال أفريقيا أمام عجز مائي تاريخي يلامس حدود الانهيار

ليبيا 24:

إفلاس مائي يطرق أبواب شمال أفريقيا: إنذار أممي يتجاوز الجفاف إلى الانهيار البنيوي

بين فيضانات مفاجئة تضرب المدن، وجفاف طويل يستنزف المخزون الطبيعي، تجد دول شمال أفريقيا نفسها أمام مفارقة قاسية تعكس حجم الخلل في إدارة أحد أخطر الملفات الاستراتيجية: المياه.

تقرير حديث صادر عن جهة أكاديمية تابعة لمنظومة الأمم المتحدة لم يكتف بالتحذير من شحّ الموارد، بل استخدم توصيفًا غير مسبوق حين أعلن دخول العالم، وأقاليم واسعة منه، مرحلة “الإفلاس المائي”، في إشارة إلى عجز هيكلي متراكم لم تعد معه الحلول التقليدية قادرة على الصمود.

التقرير وضع شمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا والجزائر والمغرب، في صدارة المناطق الأكثر عرضة للخطر، معتبرًا أن الأزمة لم تعد ظرفية أو مرتبطة بمواسم جفاف استثنائية، بل تحوّلت إلى مسار طويل من الاستنزاف وسوء التقدير، قاد إلى تآكل القدرة على توفير المياه بشكل آمن ومستدام.

ما المقصود بالإفلاس المائي؟

يختلف مفهوم الإفلاس المائي جذريًا عن الشحّ أو الفقر المائي المعروفين في الأدبيات الدولية.

فبينما يشير الشحّ إلى محدودية الموارد مقارنة بالطلب، يعكس الإفلاس المائي مرحلة أكثر خطورة، تتجسد في انهيار المنظومات التي تعتمد عليها الدول في تعبئة الموارد وتوزيعها وإدارتها.

بحسب التقرير، يعني الإفلاس المائي أن الدولة لم تعد تستهلك فقط ما يتجدد سنويًا من مواردها، بل أصبحت تعتمد على استنزاف مدّخرات طبيعية تكوّنت عبر آلاف السنين، خصوصًا المياه الجوفية العميقة. هذه المرحلة، إذا ما ترسّخت، تضع الأمن المائي والغذائي والاجتماعي على المحك، وتحوّل أي صدمة مناخية إلى أزمة شاملة.

شمال أفريقيا في قلب الخطر

لم يكن إدراج شمال أفريقيا ضمن أعلى مستويات المخاطر المائية مفاجئًا للمتابعين، لكنه جاء هذه المرة بلغة أكثر صراحة.

التقرير صنّف دول المنطقة ضمن نطاق “غير الآمن مائيًا” وصولًا إلى “غير الآمن بشكل حرج”، وهو توصيف يعكس فشلًا بنيويًا في إدارة الموارد، لا مجرد نقص في الأمطار.

وتشير البيانات إلى أن نصيب الفرد السنوي من المياه في معظم دول شمال أفريقيا يقل عن 400 متر مكعب، أي أقل بكثير من عتبة الفقر المائي المعتمدة دوليًا.

هذا الرقم، بالنسبة لليبي، ليس مجرد إحصاء، بل مؤشر على هشاشة مستقبلية قد تمسّ الزراعة، والكهرباء، والاستقرار السكاني، وحتى السلم الاجتماعي.

مناخ متطرف وسياسات جامدة

التغيرات المناخية تلعب دورًا واضحًا في تعميق الأزمة، لكن التقرير يؤكد أن العامل الحاسم يظل بشريًا. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع انتظام التساقطات، وتزايد حدة الظواهر القصوى، ترافقت مع سياسات مائية لم تتغير بالوتيرة نفسها.

الفيضانات الأخيرة التي شهدتها دول بالمنطقة، وعلى رأسها تونس، كشفت بوضوح هذا الخلل.

كميات هائلة من المياه نزلت في وقت وجيز، لكنها تحولت إلى سيول مدمرة بدل أن تُخزّن أو تُستثمر.

السبب، وفق الخبراء، لا يعود فقط إلى قوة الأمطار، بل إلى غياب بنى تحتية قادرة على استيعاب الصدمات، وضعف التخطيط طويل المدى.

السدود وحدها لا تكفي

لسنوات طويلة، مثّلت السدود العمود الفقري للسياسات المائية في شمال أفريقيا. غير أن التقرير الأممي يلفت إلى أن هذا النموذج بلغ حدوده القصوى.

فمع ارتفاع درجات الحرارة، أصبحت معدلات التبخر عالية إلى درجة تجعل بعض السدود أقرب إلى خزانات فاقدة للمياه بدل أن تكون أدوات تعبئة فعالة.

كما أن التركيز على السدود، دون مرافقة ذلك بإدارة متكاملة للأحواض المائية، وحماية للمناطق الرطبة، وتنظيم صارم لاستخراج المياه الجوفية، أسهم في تعميق الاختلال بدل معالجته.

الزراعة في قلب المعادلة

من أبرز ما توقف عنده التقرير، ومعه عدد من الخبراء، هو العلاقة الملتبسة بين السياسات الفلاحية والأزمة المائية. فدول تعاني ندرة حادة في المياه، ما زالت تواصل إنتاج محاصيل عالية الاستهلاك للمياه، بعضها موجّه للتصدير بقيمة مضافة محدودة.

هذا النموذج، وفق التحليل الأممي، يسرّع الوصول إلى الإفلاس المائي، لأنه يربط الأمن الاقتصادي بأنشطة تستنزف موردًا غير قابل للتجدد بالوتيرة نفسها.

وبالنسبة لليبيا، حيث تعتمد مناطق واسعة على الزراعة المطرية أو على الموائد الجوفية، تبدو المخاطر مضاعفة في ظل غياب رؤية وطنية شاملة لإدارة الطلب على المياه.

ليبيا ضمن المشهد الإقليمي

رغم اختلاف السياقات السياسية والمؤسسية، إلا أن ليبيا ليست بمعزل عن هذا المسار. فاعتمادها الكبير على المياه الجوفية، خاصة من الأحواض العميقة، يجعلها عرضة لمنطق “الصرف من المدخرات” الذي حذّر منه التقرير.

كما أن تراجع كفاءة شبكات التوزيع، وارتفاع نسب الفاقد، وتوسع النشاط الزراعي غير المنظم، كلها عوامل تضع الأمن المائي الليبي أمام اختبارات صعبة، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي تعيد رسم خريطة الأمطار في المنطقة.

مفارقة الجفاف والفيضان

من أخطر ما أبرزه التقرير هو ما سماه الخبراء “مفارقة الجفاف والفيضان”. مناطق تعاني العطش لسنوات، تغرق خلال ساعات عند أول عاصفة قوية.

هذا التناقض ليس طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لتدهور التربة، وتراجع الغطاء النباتي، والاعتداء على الأودية والمناطق الرطبة.

بالنسبة لشمال أفريقيا، تعني هذه المفارقة أن الخطر لم يعد في نقص المياه فقط، بل في فقدان القدرة على التحكم في دورتها الطبيعية، ما يضاعف الخسائر البشرية والاقتصادية.

من إدارة الأزمات إلى التكيّف

التقرير الأممي لا يكتفي بالتشخيص، بل يوجّه رسالة واضحة: إدارة الأزمات الموسمية لم تعد مجدية. المطلوب هو الانتقال إلى سياسات تكيّف تعترف بندرة الموارد، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس الاستدامة والعدالة.

ويشمل ذلك تجديد شبكات التوزيع للحد من الهدر، مراجعة أنماط الإنتاج الزراعي، حماية المناطق الرطبة، وربط الدعم العمومي بالاستهلاك الرشيد للمياه.

كما يدعو إلى إشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار، حتى لا تتحمل الفئات الهشة كلفة اختيارات لم تكن طرفًا فيها.

ناقوس خطر مفتوح

في خلاصته، يبدو تقرير “الإفلاس المائي” بمثابة ناقوس خطر مفتوح أمام دول شمال أفريقيا. هو لا يعلن نهاية الموارد، لكنه يضع الجميع أمام حقيقة غير مريحة: الاستمرار بالسياسات نفسها يعني تعميق الأزمة، بينما الاعتراف بالخلل قد يكون الخطوة الأولى نحو مسار أكثر توازنًا.

وبالنسبة للقارئ الليبي، فإن ما يجري في الجوار ليس شأنًا خارجيًا، بل مرآة تعكس مستقبلًا محتملًا، ما لم تُدار المياه باعتبارها مسألة سيادة وأمن وطني، لا مجرد ملف خدمي مؤجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى