اللعبة الكبرى في الخليج: هرمز رهينة الصدام المباشر ومفاوضات إسلام آباد في مهب الريح
مواجهة بحرية محتدمة تهدد هدنة الوساطة الباكستانية الهشة
ليبيا 24
طهران تغلق مضيق هرمز بوجه الملاحة حتى رفع الحصار
تشهد منطقة الخليج والممرات المائية الاستراتيجية المحيطة بها أخطر تصعيد عسكري وأمني منذ اندلاع الأزمة النووية الإيرانية، وذلك بعد ساعات متلاحقة من التحركات الميدانية والتصريحات النارية التي حولت مياه مضيق هرمز وخليج عمان إلى مسرح عمليات ساخن يهدد تدفق قرابة خمس إمدادات النفط العالمية. ففيما كانت الأنظار تتجه صوب طاولة المفاوضات غير المباشرة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، نقلت وكالات الأنباء الإيرانية شبه الرسمية عن قيادة الحرس الثوري إعلاناً صريحاً بفرض سيطرة بحرية مشددة على مضيق هرمز، مؤكدة أن الملاحة البحرية عبر هذا الشريان الحيوي ستظل معلقة إلى حين توفير “ضمانات كافية” لرفع ما تصفه طهران بالحصار البحري الأمريكي الجائر.
هذا الإعلان، الذي يحمل في طياته تهديداً وجودياً لاقتصاد عالمي لا يزال يتعافى من هزات التضخم، جاء بعد ساعات قليلة من حادثة احتجاز ناقلة النفط الإيرانية العملاقة “توسكا” من قبل القوات البحرية الأمريكية في خليج عمان. وبينما تصف واشنطن العملية بأنها اعتراض مشروع لسفينة تحاول خرق عقوبات الخزانة الأمريكية، تصر طهران على توصيف ما جرى بأنه “قرصنة بحرية سافرة” وانتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه قبل أيام بجهود وساطة باكستانية مكوكية.
تشريح أزمة “توسكا”: قرصنة أم ردع مشروع؟
تكشف تفاصيل المواجهة حول السفينة “توسكا” عن عمق الفجوة في تفسير قواعد الاشتباك في المياه الدولية. ووفقاً لرواية القيادة المركزية الأمريكية، التي تناقلتها وسائل الإعلام الغربية والعربية، فإن السفينة التجارية التي ترفع العلم الإيراني كانت تحاول “اختراق الحصار” البحري المفروض على طهران عبر مسار غير تقليدي في خليج عمان. وأوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي أن المدمرة البحرية الأمريكية وجهت تحذيرات متكررة للسفينة بالتوقف بغرض التفتيش، إلا أن طاقمها لم يمتثل للأوامر، مما اضطر القوات الأمريكية إلى استخدام “القوة المعطلة” عبر استهداف غرفة المحركات لشل حركتها، قبل أن تستولي عليها وحدة من مشاة البحرية.
في المقابل، تصف المصادر العسكرية الإيرانية الرواية الأمريكية بأنها “عملية قرصنة من العيار الثقيل” تحت غطاء الحصار الأحادي الجانب. وتؤكد طهران أن السفينة كانت في مهمة تجارية اعتيادية وأن دخولها المياه الإقليمية الإيرانية تم تحت حراسة وإسناد مباشر من القوات البحرية للجيش الإيراني، وهو ما يعد تحدياً واضحاً للبحرية الأمريكية بأن طهران قادرة على تأمين خطوط إمدادها الحيوية حتى تحت أنظار الأسطول الخامس. وتعتبر طهران أن استهداف سفينة مدنية في ممر مائي دولي يمثل خرقاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي توسطت فيه إسلام آباد، خاصة وأن العملية الأمريكية تمت في وقت كانت فيه طاولة الحوار لا تزال قائمة نظرياً.
مضيق هرمز: ورقة الضغط الاستراتيجي
لم يكن رد طهران مقتصراً على البيانات الإعلامية الغاضبة فحسب، بل انتقل سريعاً إلى الفعل الميداني الأكثر تأثيراً في منطقة الخليج، ألا وهو التلويح باستخدام “صمام الأمان” الجيوسياسي الإيراني: مضيق هرمز. إن إعلان الحرس الثوري عن سيطرة مشددة ومنع مرور أي سفينة عسكرية أو تجارية دون ضمانات لرفع الحصار، يضع المجتمع الدولي أمام معضلة خطيرة. فالمضيق، الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً في أضيق نقاطه، يعتبر شرياناً لا غنى عنه لصادرات النفط الخام من السعودية والكويت والإمارات والعراق وإيران نفسها.
ويشير مراقبون في شؤون الطاقة إلى أن إغلاق هرمز، حتى ولو بشكل جزئي ولفترة زمنية محدودة، سيرسل صدمة عنيفة في أسعار النفط العالمية قد تتجاوز حاجز المائة وخمسين دولاراً للبرميل، مما يغرق الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة تفوق تلك التي أعقبت اندلاع الأزمة الأوكرانية. وتستند استراتيجية طهران في هذه النقطة إلى مبدأ “الدفاع المتقدم”؛ فبينما تملك الولايات المتحدة تفوقاً تكنولوجياً هائلاً في المياه المفتوحة، تعتمد إيران على تكتيكات الحرب غير المتكافئة في المياه الضيقة، مستخدمة أسراب الزوارق السريعة والطائرات المسيرة الانتحارية والبطاريات الصاروخية الساحلية لإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه بكلفة عسكرية باهظة للطرف المهاجم.
حسابات عسكرية في مياه ضحلة
في هذا السياق، تكتسب تصريحات قائد مقر “خاتم الأنبياء” في إيران أهمية بالغة، حيث تعكس حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها المنظومة العسكرية الإيرانية. فالتأكيد على “الجاهزية الكاملة للرد الحاسم والفوري” ليس مجرد خطاب تعبوي، بل هو رسالة عملياتية مشفرة موجهة إلى غرف العمليات في البنتاغون والقيادة المركزية. وتفيد تحليلات متخصصة في الشؤون الدفاعية أن إيران طورت خلال السنوات الماضية قدرات رصد وتتبع متطورة لحركة السفن في مضيق هرمز باستخدام طائرات مسيرة طويلة المدى وأقمار صناعية محلية، مما يتيح لها توجيه ضربات دقيقة لتعطيل الملاحة دون الحاجة إلى مواجهة بحرية تقليدية مع حاملات الطائرات الأمريكية.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن البحرية التابعة للحرس الثوري تعتمد بشكل أساسي على “مناطق القتل المحرمة” داخل المضيق. فالتضاريس الوعرة للجزر الإيرانية مثل قشم ولارك وهرمز توفر غطاءً مثالياً لبطاريات صواريخ كروز المضادة للسفن والتي يصعب اكتشافها وتدميرها بشكل كامل. وفي حال اندلاع مواجهة، فإن أولوية إيران لن تكون إغراق السفن الحربية الأمريكية العملاقة بقدر ما ستكون إغراق أو إشعال النار في ناقلات النفط العملاقة المحايدة، مما يخلق حالة من الفوضى الملاحية وتوقف حركة التأمين التجاري بالكامل، وهو سيناريو كارثي لممر مائي يمر عبره ما يقرب من واحد وعشرين مليون برميل نفط يومياً.
الهدنة في مهب الريح وتداعيات الوساطة الباكستانية
يأتي هذا التصعيد الخطير ليطيح بالجهود الدبلوماسية التي بذلتها إسلام آباد في الأسابيع الأخيرة. فقد راهنت باكستان، التي تجمعها علاقة حدودية معقدة مع إيران من جهة وتحالف استراتيجي مع واشنطن من جهة أخرى، على دور الوسيط القادر على إرساء تهدئة مؤقتة على الأقل لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية مدمرة. لكن الهجوم الأمريكي على السفينة “توسكا” ثم الرد الإيراني بإغلاق هرمز، يضعفان بشكل كبير مصداقية أي عملية تفاوضية مستقبلية.
ويرى محللون سياسيون أن طهران تستخدم التصعيد الميداني كورقة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية. فالرسالة التي تحاول القيادة الإيرانية إيصالها إلى البيت الأبيض مفادها أن استمرار سياسة “الضغط الأقصى” عبر الحصار البحري والجوي لن يؤدي إلا إلى إشعال حافة الهاوية، وأن أي مفاوضات جادة يجب أن تبدأ من نقطة رفع العقوبات أولاً، وهو ما عبر عنه المسؤولون الإيرانيون بقولهم: “لا حاجة لانتظار رفع العقوبات إذا كنا ندير مضيق هرمز”. هذا التعبير يكشف عن تحول في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية من الصبر الاستراتيجي إلى الردع الفاعل والمباشر.
المشهد المستقبلي: بين الردع والانزلاق
تبدو منطقة الخليج وهي تقف على حافة الهاوية. فمن جانب، لا تستطيع الولايات المتحدة التراجع أمام ما تعتبره “ابتزازاً إيرانياً” لممرات الملاحة الدولية، خاصة مع تصريحات الرئيس ترامب بأن إيران لا يمكنها استخدام هرمز كسلاح. ومن جانب آخر، لا يمكن لطهران أن تقبل بسابقة خضوع سفنها التجارية للتفتيش والاحتجاز في مياهها الخلفية دون رد يضمن لها استمرار تدفق السلع والنفط في ظل العقوبات الخانقة.
إن تداعيات هذا التصعيد تمتد إلى ما هو أبعد من حدود إيران وأمريكا. فدول مجلس التعاون الخليجي، التي تقع في مرمى النيران المباشرة في حال نشوب حرب، تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، محاصرة بين حليفها الاستراتيجي الأمريكي وجارتها الإيرانية القلقة. وأي حادث عرضي، كاصطدام زورق سريع بمدمرة أمريكية أو انفجار لغم بحري في هيكل ناقلة نفط، سيكون كافياً لإشعال حرب إقليمية واسعة النطاق قد لا تقتصر على الجبهة البحرية وحدها، بل قد تمتد جذوتها إلى عمق المنطقة عبر وكلاء طهران العسكريين في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وفي هذا المناخ المشحون، تبدو كلمات التهدئة ودبلوماسية الهاتف عاجزة عن وقف نزيف التصعيد الذي يزداد ضراوة ساعة بعد ساعة في المياه الزرقاء القاتمة للخليج.



