سلسلة خسائر العقول الأميركية تضع واشنطن أمام سيناريو المواجهة الصامتة
ترامب يتعهد بكشف ملابسات وفاة حراس الأسرار الأميركية
ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم
واشنطن تفتح تحقيقاً عاجلاً في اختفاء نخبة علمائها النوويين
في الوقت الذي تتصارع فيه القوى الكبرى على قصب السبق في مجالات الطاقة الاندماجية والدفاع الجوي والفضاء السيبراني، تجد العاصمة الأميركية نفسها أمام معضلة وجودية لا تقل خطورة عن مواجهة عسكرية مباشرة. فلم تعد المؤامرات مقتصرة على روايات أدب الجاسوسية، بل أصبحت عناوين الأخبار اليومية تنقل ببرود سرديات عن علماء فيزياء نووية يختفون من منازلهم تاركين هواتفهم ومحافظهم، وعن باحثين في وكالة الفضاء يُعثر عليهم قتلى في غابات كاليفورنيا دون أثر لسطو أو جريمة شغف. إنها حكاية “استنزاف العقول” التي انتقلت من مرحلة التسريبات الصحفية إلى أروقة البيت الأبيض، حيث وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها “أمر بالغ الخطورة”، في تصريح لم يبدد المخاوف بقدر ما كرسها في صدارة المشهد الاستراتيجي للبلاد.
الهدير السياسي في برادي: من سؤال عابر إلى ملف سيادي
بدأت القصة كما تبدأ معظم الفضائح الكبرى في واشنطن: بسؤال أحرج دائرة الإعلام الرسمي. في قاعة جيمس برادي للصحافة، وجه بيتر دوسي مراسل شبكة الأنباء المحافظة سؤالاً للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت حول تقارير غير مؤكدة تتحدث عن اختفاء أو وفاة عشرة علماء على الأقل في غضون عامين. رد ليفيت الأول كان دبلوماسياً حذراً، إذ أشارت إلى عدم اطلاعها على حيثيات الأمر، لكنها وعدت بالعودة بإجابة.
ما حدث خلال الساعات الأربع والعشرين التالية قلب المعادلة. خرج الرئيس ترامب إلى الحديقة الجنوبية ليقول للصحفيين إنه غادر لتوه اجتماعاً عاجلاً حول هذا الملف، واصفاً الوقائع بأنها “خطيرة جداً” ومضيفاً عبارة مثيرة للجدل بأن “الأمر قد يكون مصادفة، لكننا سنعرف الحقيقة قريباً جداً”. هذا الانتقال من النفي الضمني إلى التصديق الرئاسي على وجود شبهة أعطى الضوء الأخضر لأجهزة الدولة العميقة للتحرك بموجب صلاحيات استثنائية.
القاسم المشترك: التصاريح الأمنية العليا والفيزياء المتقدمة
ما يجعل هذه الحالات تتجاوز إطار التحقيقات الجنائية المحلية إلى أروقة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الاتحادي هو “الملف الشخصي” للضحايا. وفقاً للوثائق التي أمكن الاطلاع عليها، فإن القائمة التي يتم تداولها داخل أروقة لجنة الرقابة في مجلس النواب تشمل أسماءً لامعة في قطاعات لا تقبل الهامش.
ولعل أبرز هذه الحالات هي حالة الجنرال ويليام نيل مكاسلاند، القائد السابق لمختبر أبحاث القوات الجوية الأميركية، الذي اختفى من منزله في نيومكسيكو خلال فبراير الماضي. يصف المحققون حالة الاختفاء هذه بأنها “خارجة عن النسق السلوكي”، إذ غادر مكاسلاند منزله دون هاتفه الشخصي أو محفظة نقوده أو حتى نظاراته الطبية التي يحتاجها بشدة، مما يستبعد نظرية الاختفاء الطوعي ويرجح سيناريو الاختطاف القسري أو الاستدراج.
أما الحالة الثانية التي هزت معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فهي مقتل البروفيسور نونو لوريرو، مدير مركز فيزياء البلازما، الذي وجد مقتولاً بالرصاص داخل منزله في ديسمبر من العام الماضي. لوريرو لم يكن مجرد أكاديمي يحاضر في قاعات الدرس، بل كان الرأس المدبر لمشروع الاندماج النووي الذي تعتبره وزارة الطاقة الأميركية المفتاح السحري لاستقلال البلاد الطاقي مستقبلاً عن بقية العالم.
وفي كاليفورنيا، حيث تتمركز العقول التي تدير المركبات الجوالة على سطح المريخ، اختفت المهندسة مونيكا ريزا من مختبر الدفع النفاث في ظروف غامضة خلال نزهة سيراً على الأقدام. وبينما تصر الشرطة المحلية على أن الأمر مجرد حالة فقدان في البرية، تشير مصادر فيدرالية إلى أن فرق البحث لم تعثر على أي أثر تقليدي لحادث عرضي، مما غذى الشكوك حول إمكانية أن تكون ريزا قد استهدفت لعلمها بإحداثيات ومشاريع تكنولوجيا الفضاء العميق.
التحقيق الفيدرالي: باتيل يفك عزلته الإعلامية
على عكس التعتيم المعتاد في مثل هذه القضايا الحساسة، خرج مدير مكتب التحقيقات الاتحادي كاش باتيل بتصريح نادر ومقتضب، مؤكداً أن التحقيقات تشمل فعلياً أكثر من عشرة علماء، من بينهم خمسة في عداد المفقودين وستة متوفين في ظروف يلفها الغموض. استخدم باتيل تعبير “التجسس الحديث” لوصف الطبيعة المحتملة لهذه العمليات، في إشارة غير مبطنة إلى أن الأسلوب المتبع في هذه الحوادث لا يشبه الجرائم الفردية بقدر ما يشبه عمليات التصفية الجسدية أو التصفية التقنية لعناصر تمثل عقدة رئيسية في بنية الدفاع الوطني.
يتقاطع تصريح باتيل مع ما ذكره كريس سوكر، المدير المساعد السابق للمكتب، الذي قال في تحليله لوسائل الإعلام: “إذا لم تكن هذه أفعالاً عشوائية، فهي تجسس حديث بامتياز”. وأضاف سوكر لافتاً إلى المفارقة القانونية: “هذه قضايا سرية بطبيعتها، وعادة لا ينبغي لنا أن نسمع عنها إطلاقاً وهي قيد التحقيق. مجرد تسرب هذه الأسماء إلى العلن يشير إما إلى فشل أمني في حماية هوية المصادر أو إلى رسالة مقصودة من جهة ما”.
حرب الظل: السيناريو الأمني بين المصادفة والمؤامرة
يضع المحللون في مراكز الدراسات الاستراتيجية ثلاثة سيناريوهات رئيسية تفسر هذه الموجة من الحوادث. السيناريو الأول، وهو الأكثر تطميناً، يقول إنها مجرد “مجموعة من المصادفات الإحصائية المأساوية”. فعدد العاملين في القطاعات الدفاعية والبحثية الحساسة في الولايات المتحدة يتجاوز المليون شخص، ومن الطبيعي رياضياً وقوع حوادث انتحار أو جرائم فردية ضمن هذه الشريحة السكانية الواسعة. لكن نقض هذا السيناريو يأتي من “الملف الأمني” للضحايا؛ إذ يصعب تفسير كيف أن جميع المتوفين أو المختفين تقريباً كانوا يحملون تصاريح أمنية من درجة “سري للغاية” أو أعلى، وهي مصادفة إحصائية تراها أجهزة مكافحة التجسس ضرباً من الخيال.
أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو “حرب الظل الدولية”. في هذا الإطار، لا تحتاج القوى المنافسة لواشنطن إلى مواجهة حاملات الطائرات الأميركية وجهاً لوجه، بل تحتاج فقط إلى تعطيل دورة التطوير العلمي. التخلص من عالم فيزياء بلازما متخصص قد يؤخر مشروعاً دفاعياً لسنوات. وفي ظل الصمت المطبق لوكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع، يرى مراقبون أن واشنطن تتعرض لضربة في مقتل تستهدف “الدماغ الجماعي” للجيش والصناعة. قد لا يكون الهدف سرقة المعلومات، فالضحايا لم تختف أجهزتهم أو أوراقهم البحثية، بل الهدف هو القضاء على العقل ذاته وإرسال رسالة رعب للمجتمع العلمي الحساس.
أما السيناريو الثالث والأكثر إثارة للجدل، والذي يحاول البيت الأبيض استبعاده، فهو فرضية “الاختراق الأمني المنظم من الداخل”. إذ لا يمكن لجهة خارجية أن ترصد بهذه الدقة تحركات وتفاصيل حياة هؤلاء العلماء دون وجود شبكة معلومات لوجستية على الأرض. وهذا يفتح الباب أمام تحقيق موازٍ في سلامة قواعد البيانات الأمنية ومدى اختراق أجهزة التجسس المعادية لشبكات التواصل الداخلية في ناسا ووزارة الطاقة.
الأبعاد القانونية والدستورية للتحقيق
من زاوية القانون الدستوري، فإن إعلان الرئيس توجيهه بفتح تحقيق قدرالي يحمل أبعاداً غير مسبوقة. فبموجب هذا الإجراء، يتم نقل القضايا من اختصاص الشرطة المحلية إلى دائرة الأمن القومي، مما يعني تفعيل مواد قانونية تسمح بإغلاق ملفات القضايا عن الرأي العام تحت بند “حماية أساليب ومصادر جمع المعلومات”.
هذا التحول القانوني يضع السلطة التشريعية في موقف حرج. فقد طالبت لجنة الرقابة في مجلس النواب إحاطات عاجلة من وزارات الطاقة والدفاع ووكالة الفضاء. وبينما ترغب اللجنة في الحصول على أجوبة تطمئن الرأي العام الأميركي القلق، فإن طبيعة التحقيق الاستخباراتي تمنع كشف التفاصيل. هنا يبرز سؤال دستوري جوهري: كيف يمكن للكونغرس ممارسة دوره الرقابي على السلطة التنفيذية في ملف تلفه السرية المطلقة؟
ويتخوف محامون دستوريون من أن تؤدي الضغوط السياسية إلى تسريب معلومات انتقائية بقصد التوجيه الإعلامي. ففي غياب الشفافية، سيمتلئ الفراغ بالشائعات والنظريات التي تربط العلماء المختفين بالأطباق الطائرة والبرامج الكونية السرية، وهو ما حذر منه ترامب نفسه عندما قال “آمل ألا يكون الأمر مرتبطاً بجهات غير تقليدية”، في إشارة غير مباشرة إلى نظريات الأجسام المجهولة التي تشغل بال العديد من الأميركيين.
ترقب الأسابيع الحاسمة
بينما يتعهد الرئيس ترامب بكشف النقاب عن إجابات خلال أسبوع ونصف، تعيش المختبرات العلمية الأميركية حالة من القلق الشديد. إن مسلسل وفاة واختفاء نخبة العلماء يضرب في الصميم إحساس الأمن القومي الأميركي بالتفوق التكنولوجي الذي لطالما اعتمد عليه كدرع حصين. فإذا كان العقل المدبر لسلاح الغد يمكن أن يختفي من منزله في وضح النهار دون أن يحرك ذلك ساكناً في بداية الأمر، فإن واشنطن قد تكون أمام إعادة تقييم كاملة لبروتوكولات حماية “الكنز البشري”. تبقى الأنظار شاخصة نحو البنتاغون ومبنى هوفر، فإما أن تكشف التحقيقات عن تنظيم إجرامي منفرد، وإما أن تعلن بصمت بدء حرب خفية لا تعرف القنوات الدبلوماسية طريقاً لإيقافها.



