ليبيا

نائب القائد العام في بئر الأشهب يحيي الذاكرة الوطنية الليبية

مشروع الكرامة يستعيد الدولة عبر الأمن والمؤسسات والتنمية الشاملة

ليبيا 24:

بئر الأشهب تجسد أبعاد مشروع الكرامة في استعادة الدولة

في خطوة حملت أبعاداً تتجاوز الزيارة الميدانية التقليدية، جسّد نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر، بزيارته إلى منطقة بئر الأشهب، مشهداً يجمع بين استنهاض الذاكرة الوطنية وترسيخ معالم مشروع الكرامة الذي تشكل في الشرق قبل أن يمتد طموحه إلى كامل التراب الوطني.

وقد قدم خالد الترجمان، رئيس مجموعة العمل الوطني، قراءة تحليلية معمقة لهذه الزيارة، كشف فيها عن طبقاتها الرمزية والسياسية والتنموية، مؤكداً أنها لا ترتبط بظرف زمني عابر، بل تمثل إيذاناً بمرحلة جديدة من استعادة الدولة المدنية القائمة على المؤسسات والهوية.

بئر الأشهب: من الذاكرة الجهادية إلى الرمزية الوطنية الجامعة

أشار الترجمان إلى أن “بئر الأشهب أحد أبرز محطات التاريخ الجهادي الليبي المرتبط بسيرة المجاهد عمر المختار، الذي تجاوز تأثيره الإطار المحلي ليصل إلى العالمية”، لافتاً إلى أن شخصيات مثل تشي جيفارا استلهمت من التجربة الليبية.

واعتبر أن هذه الزيارة “استدعاءً واعياً لذاكرة الليبيين” تهدف إلى إعادة إحياء الذاكرة الوطنية الليبية بعيداً عن التفسيرات الحزبية الضيقة.

وفي هذا السياق، تكتسب بئر الأشهب بعداً يتجاوز كونها موقعاً جغرافياً، لتصبح منصة لإعادة تعريف الهوية الوطنية التي سعت تيارات التطرف إلى طمسها.

مشروع الكرامة: من التحرير إلى التأسيس المؤسسي

أوضح الترجمان أن عملية الكرامة التي انطلقت في بنغازي “لم تكن مجرد ثورة تقليدية تهدف إلى إسقاط نظام واستبداله بآخر، بل مشروعاً متكاملاً لاستعادة وطن فُقد بالكامل”، على حد تعبيره.

واستعرض المسار الذي بدأ بقتال شرس دام أربع سنوات لتحرير المدينة من سيطرة الجماعات المتطرفة، ثم امتد على مدى اثني عشر عاماً جمعت بين المواجهة العسكرية وبناء مؤسسات الدولة.

ويقوم هذا المشروع، بحسب الترجمان، على أسس واضحة تبدأ بتحقيق الأمن والاستقرار عبر بناء مؤسسة عسكرية قوية، وتطوير الأجهزة الأمنية والشرطية، ثم الانتقال إلى إدارة الموارد المالية بشكل عادل يخدم جميع الليبيين، وصولاً إلى العمل السياسي الرامي إلى توحيد البلاد ضمن إطار وطني جامع.

وهذا التسلسل المنطقي يعكس نهجاً متدرجاً في استعادة الدولة، ينطلق من فرض السيادة على الأرض إلى بناء هياكل الحكم الرشيد.

البعد الاقتصادي: رؤية تنموية تتجاوز الريع النفطي

لم تغفل رؤية مشروع الكرامة الجانب الاقتصادي، إذ شدد الترجمان على ضرورة استثمار الرمزية التاريخية لمواقع مثل بئر الأشهب والجغبوب في مشاريع تنموية مستدامة، بما في ذلك ما أسماه “السياحة الحربية” كمورد بديل عن النفط.

وكشف عن مبادرة متكاملة كان قد تقدم بها إلى القائد العام المشير خليفة حفتر، تقضي بإنشاء “مدينة الثقافة والفنون والعلوم” في بنغازي، تضم داراً للأوبرا ومراكز توثيق وكليات متخصصة ومنشآت سياحية وإعلامية.

وأفاد بأن المشروع حظي بموافقة مبدئية لكنه تعثر بسبب “سوء المتابعة من الجهات المكلفة”، مما يعكس في نظره خللاً إدارياً يتمثل في وضع “الأشخاص غير المناسبين في المواقع المناسبة”.

وأكد الترجمان أهمية إحياء الرموز الوطنية والمناطق التاريخية مثل الجغبوب، التي تعرضت للتهميش، مشيراً إلى أن هذه الرؤية تنسجم مع توجهات نائب القائد العام.

كما لفت إلى ضرورة التفكير في خلق مصادر دخل جديدة وتعزيز الاقتصاد الوطني كبدائل حقيقية للاعتماد على النفط.

ويشير هذا الطرح إلى أن القيادة الحالية، وفي مقدمتها الفريق أول ركن صدام حفتر، تنظر إلى التنمية كجزء لا يتجزأ من مشروع الدولة، وهو ما يستوجب إصلاحاً إدارياً موازياً للبناء العسكري والأمني.

المصالحة الوطنية: شراكة بلا إقصاء ومعايير الانتماء للدولة

في جانب المصالحة، أكد الترجمان أن “مشروع استعادة الدولة يجب أن يقوم على الشراكة وعدم الإقصاء، مع ضرورة التمييز بين من ساهموا في بناء الوطن ومن كانوا جزءاً من أزماته”.

واعتبر أن “من عارضوا المشروع لا يمكن أن يقودوه اليوم، بل يمكن أن يكونوا جزءاً منه دون تصدر المشهد” وتنسجم هذه الرؤية مع دعوات متكررة أطلقها نائب القائد العام لفتح الباب أمام جميع الليبيين الراغبين في المساهمة بإعادة الإعمار السياسي والاقتصادي، شريطة القبول بأسس الدولة المدنية ونبذ العنف والتطرف.

كما أشار الترجمان إلى أن استمرار الخلافات مع بعض الأطراف في غرب البلاد قد يدفع باتجاه “التركيز على بناء مؤسسات الدولة في المناطق المحررة”، مع إمكانية إعلان الدولة فيها كنموذج عملي لما يمكن أن تكون عليه ليبيا الموحدة.

وهذا الطرح يعكس مقاربة براغماتية تقدم نموذجاً مكتملاً للحكم الرشيد قادراً على جذب بقية المناطق عبر جاذبية النجاح لا عبر الإملاءات.

ختاماً، يمكن القول إن زيارة الفريق أول ركن صدام حفتر إلى بئر الأشهب، كما حللها الترجمان، تشكل إعلاناً متعدد الأبعاد عن مشروع الكرامة بوصفه مساراً لاستعادة الدولة من الذاكرة إلى التنمية، ومن السلاح إلى المؤسسات، ومن الفرقة إلى الشراكة الوطنية.

وتضع هذه الزيارة نائب القائد العام في قلب الجهود الرامية إلى صياغة عقد اجتماعي جديد لليبيا، يستند إلى الإرث التاريخي للمقاومة وإلى طموحات الليبيين في الأمن والكرامة والازدهار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى