ليبيا

إحياء الإرث السنوسي: رسالة الفريق أول ركن صدام حفتر لاستعادة الدور الليبي في محيطه الإقليمي

زيارة بئر الأشهب تعيد إحياء العمق الروحي الليبي في إفريقيا

ليبيا 24:

نائب القائد العام يستحضر الإرث السنوسي لترسيخ الهوية الوطنية الليبية

في زيارة تختزل أبعاداً روحية وتاريخية واستراتيجية، قاد نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية الفريق أول ركن صدام حفتر تحركاً ميدانياً إلى منطقة بئر الأشهب، لم يكن مجرد محطة عابرة في أجندة المسؤولين، بل شكّل إعلاناً متعدد الدلالات عن رغبة في استعادة ليبيا لدورها الحضاري في العمق الإفريقي.

وقد قدّم المحلل السياسي كامل المرعاش قراءة وافية لهذه الزيارة، ربط فيها بين الرمزية الدينية للحركة السنوسية ومتطلبات المرحلة الراهنة من بناء الدولة وترسيخ الهوية الوطنية.

بئر الأشهب والسنوسية: إرث يتجاوز الجغرافيا الليبية

أوضح المرعاش في تصريحات تلفزيونية تابعتها ليبيا 24 أن اختيار بئر الأشهب لم يأتِ اعتباطاً، بل هو استحضار مقصود لإرث الحركة السنوسية التي انطلقت من عمق الصحراء الليبية لتصبح واحدة من أكثر الحركات الدعوية انتشاراً وتأثيراً في القارة الإفريقية.

وقال إن الحركة “أسهمت في الحفاظ على الهوية الإسلامية ونشر تعاليم الدين في مختلف أنحاء القارة، ولعبت دوراً بارزاً في مواجهة حملات التنصير التي رافقت الاستعمار الأوروبي”.

وأضاف أن السنوسية تطورت من حركة دينية دعوية إلى حركة مقاومة وجهاد، وهو ما يجعلها جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني الليبي.

وهذا الاستدعاء التاريخي، في تقدير المرعاش، يتجاوز البعد الاحتفالي ليصبح رسالة طمأنة لأتباع الحركة الذين شعروا خلال فترات سابقة بتراجع حضورها أو بوجود مواقف سلبية تجاهها داخل ليبيا.

البعد الاجتماعي والرمزي للزيارة

أكد المرعاش أن الرسالة الأساسية من هذا التحرك هي “رسالة اجتماعية بالدرجة الأولى”، تهدف إلى إبراز قيمة هذا الإرث وإعادة الاعتبار له، في خطوة تؤكد أن الحركة السنوسية تحظى بالتقدير والاحترام من قبل القيادة الحالية.

وتنسجم هذه الإشارة مع نهج نائب القائد العام الذي لطالما شدد على ضرورة احتواء كافة المكونات الاجتماعية والتاريخية للمجتمع الليبي، بعيداً عن الإقصاء الذي مارسته تيارات الإسلام السياسي ضد رموز دينية ووطنية شكلت العمود الفقري للهوية الليبية لعقود طويلة.

فالسنوسية ليست مجرد تاريخ ديني، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية لليبيين، وإعادة إحيائها تعني استكمال حلقة مفقودة من الهوية الوطنية.

العمق الإفريقي: من الدعوة إلى الاستراتيجية

لم يقف المرعاش عند حدود البعد الاجتماعي والديني، بل مضى إلى استشراف الآفاق الاستراتيجية لهذا التوجه، داعياً إلى “استثمار هذا الإرث في تعزيز العلاقات مع دول الصحراء الكبرى ومد جسور التعاون الديني والثقافي معها”.

وذكّر بأن الزوايا السنوسية المنتشرة في تشاد والنيجر ومالي ووصولاً إلى نيجيريا، لعبت دوراً محورياً في نشر الدعوة الإسلامية، مؤكداً أنه “لا توجد حركة دعوية إسلامية في منطقة ما وراء الصحراء تفوقها من حيث الانتشار والتأثير”.

وهذا التشبيك بين الإرث الديني والدور الإقليمي المعاصر يحمل إشارة واضحة إلى أن القيادة الليبية، وفي طليعتها الفريق أول ركن صدام حفتر، تنظر إلى البعد الإفريقي كامتداد طبيعي للأمن القومي الليبي، وليس مجرد حديقة خلفية للملفات العالقة وإعادة تفعيل دور الزوايا السنوسية في هذه الدول يمكن أن تتحول إلى أداة دبلوماسية ناعمة تعزز الحضور الليبي في القارة وتعيد بناء جسور التواصل التي تصدعت بفعل سنوات الفوضى.

ختاماً، يمكن القول إن زيارة نائب القائد العام إلى بئر الأشهب، كما حللها المرعاش، تتجاوز كونها حدثاً بروتوكولياً لتصبح بمثابة حجر أساس في استراتيجية شاملة لاستعادة ليبيا لمكانتها الإقليمية من بوابة الإرث الروحي.

فالسنوسية ليست مجرد ذاكرة دينية، بل هي مورد استراتيجي غير مستغل يمكن أن يخدم أجندة الدولة في الأمن والدبلوماسية والتنمية، وهو ما يبدو أن القيادة الحالية تعمل على إدراجه ضمن رؤيتها لمشروع الكرامة.

فالحركة التي قاومت الاستعمار والتنصير بالأمس، يمكنها اليوم أن تساهم في مواجهة التطرف والفراغ الروحي، وترسيخ أسس الدولة المدنية الحديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى