ليبيا

صدى الصمت في ثنايا الألب: لغز اختفاء الطبيبة الليبية يفضح ثغرات الإنسانية والدبلوماسية

توقف البحث عن المفقودة أبرار يثير غضب عائلتها ودبلوماسييها

ليبيا 24
غموض يلف مصير طبيبة ليبية اختفت في جبال الألب

رحلة من المجد إلى المجهول

لم تكن الطبيبة الليبية الشابة أبرار بن رمضان، ابنة السادسة والعشرين ربيعاً، تخطط لغير قضاء يوم منعزل بين أحضان الطبيعة السويسرية الخلابة. ففي صباح اليوم الثاني من مايو، استقلت القطار من العاصمة برن متجهة نحو منطقة إنترلاكن، جوهرة جبال الألب، حاملة في روحها شغف المغامرة وفي حقيبة ظهرها السوداء زاد رحلة قصيرة.

كانت تنوي قطع مسار هاردرغات الوعر، ذلك الممر الجبلي الضيق الذي يربط قمة هاردركولم بأوغستماتورن، وهو طريق لا يرحم إلا من يجيد قراءة تضاريسه. لكن ما بدأ كنزهة في أحضان الطبيعة سرعان ما تحول إلى لغز محير، وقصة إنسانية معقدة تتقاطع فيها أبعاد الهجرة والأمن والمسؤولية الأخلاقية، لتتحول الشابة من جراحة متخصصة في مخ وأعصاب الإنسان إلى اسم يتصدر نشرات المفقودين، في مفارقة مؤلمة تختزل هشاشة الوجود البشري.

المشهد الأخير: قطار نحو العتمة

تتبع المحققون في شرطة كانتون برن الخيوط الزمنية بدقة متناهية. تشير الدلائل الأولى إلى أن أبرار صعدت إلى القطار حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً. وخلال الرحلة، التقطت عيون المسافرين أو كاميرات المراقبة صورتها الأخيرة على متن القطار بالقرب من بلدة سبيز، وهي المحطة التي تسبق إنترلاكن.

بعد هذه اللحظة، انقطع الخيط الرفيع الذي يربطها بالعالم. هاتفها المحمول تحول إلى جهاز صامت، لا يستقبل نداءات الأسرة القلقة في ألمانيا، ولا يقدم أي إشارة جغرافية يمكن تتبعها. في ذلك اليوم، كانت ترتدي حجاباً أسود وبنطالاً داكناً وحذاءً رياضياً أبيض، زي عملي لا يوحي بأي نوايا استثنائية، بل يوحي بثقة من يمارس رياضة المشي لمسافات طويلة بانتظام. يبلغ طولها نحو 170 سنتيمتراً، وتتمتع بقوام نحيل، وتتقن اللغتين العربية والألمانية، مما يجعل القدرة على التواصل معها في المجتمع المضيف أمراً مفروغاً منه، وهو ما يعمق الحيرة بشأن صمتها المطبق.

بين الأمل والتضاريس: عملية بحث تتعثر

بالنظر إلى طبيعة المنطقة التي اختفت فيها أبرار، والتي تقع في قلب جبال الألب السويسرية، واجهت فرق الإنقاذ تحديات جغرافية ومناخية هائلة. المسار الذي خططت لسلوكه ليس ممهداً بالكامل، بل يمر بمنحدرات صخرية وممرات ضيقة قد تكون مميتة في حال حدوث أي زلة قدم. ومع ذلك، فإن ما أثار حيرة المراقبين ليس فقط صعوبة التضاريس، بل وتيرة عمليات البحث نفسها.

وفقاً لتصريحات الأسرة، بدأت السلطات السويسرية جهود البحث يوم الاثنين، بعد يومين من الاختفاء، لكنها سرعان ما توقفت لفترات متقطعة بسبب ما وصفته بـ”صعوبة المناخ”، ثم استؤنفت بشكل غير مكثف بمشاركة متطوعين، قبل أن تتوقف مجدداً بحلول نهاية الأسبوع الأول من مايو.

هذا التقطع في الجهد الإنساني دفع شقيقة المفقودة، تهاني بن رمضان، إلى التعبير عن استغرابها العلني من تأثر “العمل الإنساني بالعطلات الرسمية”. وفي تصريحاتها المقتضبة، بدا التساؤل أعمق من مجرد إجراءات: كيف يمكن لعملية البحث عن روح بشرية أن تخضع لجدول عطلات نهاية الأسبوع؟ هذا السؤال يحمل في طياته مأساة عائلات المفقودين في بلاد المهجر، حيث تجد نفسها رهينة للوائح البيروقراطية وإيقاع مؤسسات قد لا تدرك أن كل دقيقة تمر تقتل أملاً وتلد يأساً.

انزياحات ليبية: تعليقات تثير الألم والغضب

في موازاة القلق الرسمي والأسري، انفجرت فقاعة من التفاعلات في الفضاء الرقمي الليبي. هنا، تبرز شهادة الدكتورة ريم البركي، الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة، كمشرط تشريح اجتماعي حاد. تقول البركي في منشور لها: “تعليقات بعض الليبيين على مأساة أبرار ليست مستغربة… أعرف هذا النوع جيداً؛ يتغذى على إطلاق أحكامه المريضة التي لا تعكس إلا ما يسكن داخله من خلل”. هذا التصريح يفتح نافذة على واقع أعمق، حيث لا يقتصر الأمر على مأساة فردية، بل يمتد ليشمل انزياحاً في القيم المجتمعية، حيث تتحول منصات التواصل إلى ساحات للتنمر الأخلاقي واستعراض التدين المريض بدلاً من أن تكون مساحات للتضامن الإنساني. تصف البركي المفقودة بأنها “عاشت حياة مليئة بالتجارب والإنجازات والمغامرات، وعرفت كيف تستمتع بالحياة حتى آخر لحظات انقطاع الاتصال بها”. في هذا التوصيف، إعادة اعتبار لصورة الضحية التي يحاول البعض تشويهها، وتقديمها كإنسانة كاملة الأهلية، حققت نجاحاً مهنياً وعلمياً في تخصص جراحة المخ والأعصاب، وهو إنجاز لا يتأتى إلا لمن يمتلك قدراً هائلاً من الانضباط والذكاء.

الغياب الدبلوماسي: صمت الدولة وصوت المنظمات

مع مرور الأيام واشتداد وطأة الغموض، بدأت الساحة الليبية تشهد حراكاً موازياً من منظمات المجتمع المدني، في مقابل صمت حكومي أثار استغراباً واسعاً. المنظمة الليبية لحقوق الإنسان، بقيادة حنان الشريف، كانت أولى الجهات التي كسرت جدار الصمت الرسمي. عبر بيانها، لم تكتف المنظمة بإعلان التضامن مع عائلة بن رمضان، بل وجهت نداءً عاجلاً للسلطات الليبية للتحرك. وصفت الشريف الموقف بدقة حين عبرت عن “استغرابها من تأخر صدور أي موقف أو بيان رسمي، حتى على المستوى المعنوي، بما يعكس اهتمام الدولة بمواطنيها في الخارج”.

هذا النقد اللاذع يلمس جرحاً غائراً في الجسد الليبي؛ فالدولة الغارقة في متاهات الانقسام السياسي والصراع على السلطة تبدو عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. إن غياب البيان الرسمي لا يعني بالضرورة غياب التحركات الهادئة خلف الكواليس، لكن الإدراك العام للأزمة يتشكل عبر ما يُعلن.

وفي حالة مواطنة اختفت على أرض أوروبية، تصبح الدبلوماسية التقليدية هي وحدها القادرة على إحداث فارق، عبر تذكير الدولة المضيفة بالالتزامات القانونية والأخلاقية تجاه الأجنبي الموجود على أرضها. لكن هذه الدبلوماسية تبدو في حالة كمون، تاركة أسرة تتعذب بين رحى الانتظار ولسعات الأمل، في مشهد يختزل مأساة وطن بأكمله لا يستطيع حماية أبنائه حتى في أوقات السلم.

إنسانيات غائبة: حين يكون المفقود رقماً في أرض غريبة

قضية أبرار بن رمضان ليست مجرد حادثة منعزلة، بل هي مرآة تعكس هشاشة وضع المهاجرين واللاجئين في منظومة إنسانية تضعف فاعليتها كلما كان الضحية من خارج النسيج الوطني العميق. صحيح أن أبرار طبيبة، أي أنها تنتمي إلى شريحة النخب العلمية التي ينظر إليها المجتمع السويسري باحترام، إلا أن اختفاءها ومعركة تتبع الإجراءات البيروقراطية تظهر أن الإيقاع الإنساني لا يختلف كثيراً. “تأثر العمل الإنساني بالعطلات” الذي تحدثت عنه شقيقتها ليس مجرد ملاحظة تقنية، بل هو شهادة على نظام يفصل بدقة بين ساعات العمل والواجب الأخلاقي.

عند الحديث عن منطقة إنترلاكن، وهي منطقة سياحية نابضة، يصبح العبء على السلطات السويسرية مضاعفاً؛ إذ يتعين عليها تفسير كيف يمكن لشخص أن يتبخر في وضح النهار دون أن يترك أثراً. اللجوء إلى الجمهور عبر بيان الشرطة، الذي يتضمن أوصافاً دقيقة لملابسها وهيئتها ووجهتها، يكشف عن ضيق الخيارات لدى المحققين. إنهم يبحثون عن شاهد، عن إشارة، عن أي شيء. لكن مع كل ساعة تمر، يتحول التركيز من منطق الإنقاذ إلى منطق البحث عن أدلة، وهذا التحول الخفي هو أكثر ما ترتعد له فرائص العائلات المكلومة، التي ترى في استمرار البحث بصيص الأمل الأخير.

شهادة على هامش الغياب

ما يزيد هذه القصة وجعاً أن الذين يعرفون أبرار يتحدثون عنها بصيغة الماضي، حتى دون أن يمتلكوا يقيناً بموتها. “رحمها الله، حية كانت أم ميتة”، تقول البركي في منشورها، في تعبير عن بلوغ مرحلة من التصالح مع الفقدان، أو لعله إدراك متقدم بأن الموت في مهب الجبال، في ظل هذه البرودة والوحشة، لا يمنح فرصاً واسعة للنجاة. لكنه في الوقت نفسه دعاء حي، يعكس تمسكاً باليقين الأخير، وربطاً على قلوب أسرة تتنفس عبر هواتفها المنتظرة.

في المحصلة، تبقى قصة أبرار بن رمضان مفتوحة على كل الاحتمالات. قد تكون زلة قدم في منحدر صخري، أو تعرضاً لحادث عرضي، أو لقاءً بشرياً انتهى إلى مأساة. كل هذه السيناريوهات تبقى قيد الفحص في زمن تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقة والخيال. لكن الثابت الوحيد هو أن شابة في ريعان العمر، تحملت عناء دراسة الطب، وهاجرت بحثاً عن حياة أفضل، وانطلقت في رحلة للبحث عن الجمال، قد اختزلت كل تلك السنوات في إعلان بحث قصير، وفي عائلة تنتظر معجزة، وفي منظمات تملأ فراغاً تركته دولة غارقة في خرابها السياسي. وحتى ذلك الحين، يبقى جبل هاردركولم شاهداً على سر لم يبح به بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى