غير مصنف

معادلة أسمرة-القاهرة تردع الطموح الإثيوبي.. والبحر الأحمر يعلن سيادته الحصرية

ليبيا 24

القاهرة وأسمرة ترفضان حبس إثيوبيا.. البحر الأحمر خط أحمر

في تطور لافت يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي، كشفت الأيام الأخيرة عن تصعيد إثيوبي غير مسبوق ضد مصر، تزامن مع تحرك مصري-إريتري متسارع لترسيخ مبدأ السيادة الحصرية للدول المشاطئة للبحر الأحمر.

المشهد الذي يتشكل اليوم يحمل أبعاداً استراتيجية كبرى، تضع حداً لأوهام أديس أبابا في كسر حصارها الجغرافي عبر أبواب لا تملك مفاتيحها.

الاتهام الإثيوبي: محاولة ابتزاز مكشوفة

خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات قيتاجو، في مؤتمر صحفي، موجهاً اتهاماً مباشراً للحكومة المصرية بـ”محاولة تطويق وعرقلة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر”. وأكد قيتاجو أن بلاده “ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة”، مضيفاً أن “بقاء إثيوبيا دولة حبيسة أمر غير مقبول”.هذه التصريحات، التي تحمل نبرة تهديدية مقنعة بغلاف دبلوماسي، تكشف عن إحباط متزايد في أديس أبابا بعد فشل محاولاتها السابقة لشراء موانئ في دول الجوار أو فرض أمر واقع جديد عبر القوة. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد انفصال إريتريا، تحاول اليوم تصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج، متهمة القاهرة بأنها تقف خلف إفشال طموحاتها البحرية، في حين أن الحقيقة تكمن في رفض إقليمي وعالمي لخرق القانون الدولي.الرد المصري الحاسم: السيادة ليست للبيعفي موقف يعكس ثبات الرؤية الاستراتيجية المصرية، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، أن “أمن وحوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة”، مشدداً على “رفض مصر القاطع لانخراط أي أطراف غير مطلة على البحر في ترتيبات تخصه”. هذا التصريح ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو إعلان مبدأ قانوني وسياسي يضع إثيوبيا أمام حقيقة ثابتة: لا منفذ بحري عبر فرض الأمر الواقع، ولا شراكة في الأمن دون سيادة.القاهرة تعي تماماً أن أي اختراق لهذا المبدأ سيفتح الباب أمام فوضى إقليمية، حيث يمكن لأي دولة حبيسة أن تطالب بخرق سيادات جيرانها تحت ذرائع تنموية أو أمنية. لذلك جاء الموقف المصري صارماً، مدعوماً برؤية قانونية وأخلاقية ترفض المساس بالحقوق التاريخية للدول الساحلية.الركن الإريتري: حليف لا يمكن تجاوزهفي خطوة مضاعفة لتعزيز الجبهة الدبلوماسية، التقى وزيرا الخارجية والنقل المصريان، بدر عبد العاطي وكامل الوزير، بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في العاصمة أسمرة. وبحث الجانبان تعزيز التعاون الثنائي وتطورات الأوضاع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث أكد عبد العاطي دعم مصر للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر، القائمة على التأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه.الرؤية الإريترية، التي يتزعمها الرئيس أفورقي، تمثل نموذجاً متطرفاً في حماية السيادة، حيث تعتبر أن البحر الأحمر يجب أن يظل تحت سيطرة الدول الساحلية فقط (مصر، السعودية، اليمن، السودان، إريتريا، جيبوتي)، رافضة أي وجود أجنبي عسكري أو أمني مكثف، معتبرة إياه مصدراً لعدم الاستقرار وتهديداً للسيادة الوطنية.إريتريا، التي تمتلك أكثر من 1200 كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، وتشرف على ممرات حيوية قرب باب المندب، بالإضافة إلى أرخبيل دهلك الاستراتيجي، ليست مجرد دولة ساحلية عادية، بل هي حارس البوابة الجنوبية للممر الملاحي الأكثر ازدحاماً في العالم. موقفها الداعم لمصر يخلق توازناً جديداً يصعب على إثيوبيا اختراقه، خاصة مع التشديد على مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو مبدأ يحسم أي محاولة إثيوبية لاستعادة منفذ بحري عبر إريتريا بالقوة.اتفاقية بحرية: ترجمة السياسة إلى واقع ملموسلم تبقَ التحركات المصرية الإريترية في إطار الدبلوماسية النظرية، بل انتقلت سريعاً إلى التطبيق العملي، حيث شهدت الزيارة توقيع اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري وتدشين خط ملاحي للشحن بين الموانئ المصرية والإريترية. هذا الاتفاق، الذي وصفته الخارجية المصرية بأنه “خطوة مهمة نحو تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين”، يهدف إلى دعم التجارة والاستثمار وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتنموي.الخط الملاحي الجديد ليس مجرد شريان تجاري، بل هو إعلان منطقة نفوذ اقتصادي وأمني مشترك بين القاهرة وأسمرة، يعزز الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين على البحر الأحمر، ويخلق حاجزاً أمام أي محاولة إثيوبية للالتفاف على السيادات عبر عمليات شراء موانئ أو ترتيبات أمنية موازية.القرن الإفريقي على صفيح ساخنيأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي معقد، حيث تتشابك الصراعات على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. إثيوبيا، التي تعاني من صراعات داخلية وانهيار اقتصادي، تحاول تصدير أزماتها نحو البحر، لعبة خطيرة قد تشعل المنطقة بأكملها. في المقابل، تدرك مصر وإريتريا أن أي تراخٍ في هذه المرحلة سيكلفهما غالياً، ولذلك تتحركان بتنسيق كامل لترسيخ مبدأ السيادة المشتركة.الجيش المصري، الذي يمتلك أطول ساحل على البحر الأحمر في أفريقيا، وأحدث التجهيزات العسكرية والبحرية، يمثل الرادع الأقوى لأي مغامرة إثيوبية. أما إريتريا، بجيشها المخضرم وخبراتها القتالية الطويلة، فهي شريك لا يستهان به في أي معادلة عسكرية أو أمنية. معاً، تشكل القاهرة وأسمرة ثنائياً استراتيجياً يصعب تجاوزه، ويرسل رسالة واضحة إلى أديس أبابا: البحر الأحمر خط أحمر، وسيادته ليست للمساومة.البحر الأحمر لأصحابه فقطفي النهاية، ما يجري اليوم هو إعادة ترتيب للبيت الإقليمي على أسس واضحة: حقوق الدول المشاطئة ثابتة لا تُنتهك، وأي محاولة للطعن في هذه الحقوق ستقابل بجبهة صلبة من القاهرة وأسمرة وحلفائهما. إثيوبيا مدعوة للبحث عن حلول لأزمتها الجغرافية داخل حدود القانون، وليس عبر ابتزاز جيرانها أو التصيد في مياه لا تملك فيها أي حق. البحر الأحمر ليس متنفساً للعابرين، بل هو شريان حياة مملوك لأصحابه الشرعيين، ومصر وإريتريا هما حارسان لا يعرفان التهاون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى