ليبيا

حسني بي يطرح خارطة طريق للدعم النقدي الشامل تدريجياً

الفيتوري لـ بي: الوضع لا يسمح بالتغيير والعلاج مكافحة الفساد

ليبيا 24

على امتداد الأيام الماضية، تحولت صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك إلى ما يشبه منتدى اقتصادياً موازياً، تدور فيه واحدة من أهم المعارك الفكرية التي تعكس مأزق الدولة الليبية في التعامل مع تشوهاتها الاقتصادية المزمنة.

وفي أحدث فصول هذا النقاش، قدم رجل الأعمال حسني بي ما وصفه بـ”رؤية وطنية للتحول من دعم المحروقات والطاقة إلى الدعم النقدي المباشر للمواطن”، في وثيقة مفصلة هي الأكثر شمولاً بين ما طُرح حتى الآن، بينما واصل أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري موقفه الرافض لأي تغيير في الظروف الراهنة، معتبراً أن الوضع في ليبيا “لا يسمح بالتغيير الآن”، وأن العلاج يكمن في “محاربة الفساد والقضاء على المفسدين ثم بعد ذلك لكل حادث حديث”.

وبين الرجلين، دخل الخبير الاقتصادي مختار الجديد على الخط متهماً بي بتوجيه اتهامات لم يقلها الفيتوري، في مشهد يعكس عمق الاستقطاب الذي بلغته قضية الدعم بين النخبة الليبية.

رؤية حسني بي: من الدعم العيني إلى الدخل الأساسي الشامل

في منشور مطول بدا أشبه بورقة سياسات حكومية، طرح حسني بي تصوراً متكاملاً من عشر مراحل للانتقال بليبيا من منظومة الدعم العيني الحالية إلى منظومة دعم نقدي مباشر. الانطلاق كان من تشخيص صادم: نحو أربعين في المئة من الموازنة العامة، وما يقارب ثلاثة وثلاثين في المئة من كامل حصة ليبيا من إنتاج النفط والغاز، تلتهمها منظومة دعم وصفها بأنها “غير عادلة”.

والهدف الاستراتيجي، بحسب الوثيقة، هو بناء منظومة حماية اجتماعية حديثة تحقق خمسة أهداف وطنية متوازية: القضاء على الفقر النقدي، تحقيق العدالة في توزيع الثروة، ترشيد الاستهلاك، حماية الاقتصاد الكلي، وتوجيه الإنفاق نحو التنمية.

ما ميز وثيقة بي عن سابقاتها هو محاولتها رسم مسار زمني واضح. ففي المرحلة الأولى، وخلال السنتين الأولى والثانية، يقترح تطبيق ما أسماه “نموذج الدخل الأساسي الشامل”، الذي يصرف بموجبه دعم نقدي مباشر لكل مواطن ليبي “منذ الولادة وحتى الوفاة”.

القيمة المقترحة هي خمسمئة دينار شهرياً للفرد، أي نصف القيمة التقديرية الحالية لدعم الطاقة التي قال إنها تعادل ألف دينار للفرد شهرياً. وشدد على أن التمويل سيأتي بالكامل “من إعادة توجيه الإنفاق القائم”، وليس من طباعة نقود جديدة، في محاولة لتبديد المخاوف من التأثيرات التضخمية.

ثم تمضي الوثيقة في رسم مسار زمني يبدأ بالشمول وينتهي بالاستهداف الذكي. فابتداء من السنة الثالثة، يُنتقل تدريجياً من الشمول إلى الاستحقاق وفق معايير تشمل عدد أفراد الأسرة، ومستوى الدخل، وحجم الملكيات العقارية، وملكية المركبات، والنشاط التجاري، وحجم الأرصدة المالية.

وبحلول السنة الخامسة، يصبح الدعم موجهاً أساساً إلى الفئات الأكثر احتياجاً: الأطفال، والعاطلون عن العمل، وذوو الإعاقة، وكبار السن محدودو الدخل، والأسر منخفضة الدخل. أما أصحاب الدخول والثروات المرتفعة، فتتوقف عنهم التحويلات تدريجياً. وهي رؤية تحاول أن تجمع بين سرعة التطبيق التي ينادي بها بي، وضرورة العدالة التي يتذرع بها معارضوه.

ولعل البند الأكثر إثارة للاهتمام في الوثيقة هو آلية الاستدامة المقترحة، التي تقضي بمراجعة قيمة الدعم كل ثلاثة أشهر وفق معادلة تعتمد على متوسط أسعار النفط الليبي، وحجم الإنتاج، وصافي الإيرادات المحولة إلى المصرف المركزي، ومؤشر أسعار المستهلك.

وهي محاولة لخلق نظام يتكيف تلقائياً مع تقلبات أسواق النفط، فلا يثقل كاهل المالية العامة حين تنخفض الإيرادات، ولا يحرم المواطن من ثمرة الطفرة حين ترتفع.

“الإصلاح الشامل… الحجة المثالية لعدم إصلاح أي شيء”

غير أن الوثيقة لم تكن مجرد عرض فني بارد، بل حملت في طياتها هجوماً مبطناً على خصوم بي في النقاش الدائر.
ففي مقطع بدا موجهاً مباشرة إلى الدكتور عطية الفيتوري ومن يقفون خلفه، كتب بي: “كلما طُرح إصلاح بند واضح ومحدد ونازف، خرج علينا البعض بالعبارة السحرية: نحن مع الإصلاح الشامل وليس الجزئي”.

ثم سخر من هذا الموقف بقوله إنه يشبه “طبيباً يرى مريضاً ينزف فيرفض إيقاف النزيف بحجة أنه يريد أولاً علاج أسنانه، وضبط ضغطه، وإجراء فحص شامل، ثم بعد ذلك ينظر في الجرح المفتوح”.

وانتقد بي ما وصفه بشعار “هذا موش وقته”، معتبراً إياه “حجة الفاشل الذي ينتظر مخرجات مختلفة بدون إجراء أي تغيير”.

وأضاف أن معظم الإصلاحات الكبرى في العالم بدأت بإصلاحات جزئية، ولم “تستيقظ دولة ذات صباح لتُصلح كل شيء دفعة واحدة”. وختم هذه الفقرة بعبارة لافتة: “نعم، نريد إصلاحاً شاملاً. لكننا نرفض أن يتحول حلم الإصلاح الشامل إلى ذريعة لعدم إصلاح أي شيء”.

ثم عاد بي إلى مربطه المفضل: الأرقام. ففي رسالة مفتوحة وجهها إلى الفيتوري، طالبه بأن “يعترف بأن سياسات الدعم السعري ثبت فشلها بكل العالم”، واصفاً إياها بأنها “مصدر الفساد الأول بالعالم وليس بليبيا فقط”.

واستغرب أن تنفق ليبيا أربعين في المئة من إنفاقها العام على دعم سعري للمحروقات، في وقت تحولت فيه “أغلب دول العالم إلى الدعم النقدي للمواطن”. ثم تحدى خصمه بأن يقدم محاكاة رقمية بديلة، قائلاً: “إذا كان تقدير التضخم عندي بين 1.8 و3.5 في المئة غير صحيح، فما هو تقديركم؟ وإذا كان الوفر المتوقع في استيراد المحروقات غير واقعي، فما هو الرقم البديل؟”.

الفيتوري: النماذج القياسية لا الجمع والطرح

رد الدكتور عطية الفيتوري جاء هذه المرة من زاوية أكاديمية منهجية، لا من زاوية الجدل السياسي. ففي منشور بدا موجهاً إلى العموم لا إلى بي وحده، أوضح أن “الاقتصاديين عندما يريدون معرفة وإثبات العلاقة بين متغيرات اقتصادية يستعملون نماذج الاقتصاد القياسي، يعني معادلات رياضية، ولا يستعملون عمليات حسابية من جمع وطرح وقسمة وضرب، هذه أدوات المحاسبين والتجار. هذا للعلم فقط”.

كانت هذه الجملة بمثابة تفنيد منهجي لمجمل المحاكاة الرقمية التي يقدمها بي. ففي نظر الفيتوري، ما يطرحه رجل الأعمال ليس نموذجاً اقتصادياً قياسياً، بل عمليات حسابية قد تصلح في دفاتر التجارة، لكنها لا ترقى إلى مستوى تحليل الظواهر الاقتصادية المعقدة.

وبذلك، أعاد النقاش إلى نقطة جوهرية: هل يمكن اختزال الاقتصاد الليبي، بكل تشوهاته وتعقيداته، في جدول دخل ونفقات أسرة، مهما بدت الأرقام مقنعة؟

ثم عاد الفيتوري إلى موضوعه المفضل عن “الخبير الاقتصادي الحقيقي”، الذي “يمكن أن يقول رأياً ضد مصلحته الشخصية في سبيل تحقيق مصلحة عامة”.

وضرب مثلاً بمن يُستشار في توزيع الاحتياطيات من العملات الأجنبية على الأفراد: مصلحته الشخصية كمواطن تدفعه للموافقة كي يحصل على حصته من الدولارات، لكن ضميره المهني كخبير يفرض عليه رفض الفكرة وبيان مضارها. وفي هذا التكرار لموضوع المصلحة الشخصية، بدا الفيتوري وكأنه يعيد التأكيد على تلميح سابق بأن بعض الداعين للدعم النقدي قد تكون دوافعهم تجارية لا وطنية.

أما الرد المباشر على حسني بي، فجاء مقتضباً وحاسماً: “هذا كلامك أنت فقط وليس حقائق ويحتاج إلى مصادر. صحيح أن الدعم السلعي الآن سيء وفيه فساد ولكن الوضع في ليبيا لا يسمح بالتغيير الآن.

التغيير سيكون أسوأ من الوضع القائم وليس أفضل منه. العلاج هو محاربة الفساد والقضاء على المفسدين ثم بعد ذلك لكل حادث حديث”. بهذا الرد، لم ينفِ الفيتوري المشكلة، لكنه وضع شرطاً مسبقاً للتغيير يبدو بعيد المنال في الأفق المنظور: القضاء على الفساد أولاً.

مختار الجديد يدخل على الخط: “أنت تتهم الرجل بما لم يقل”

في هذه الأثناء، دخل الخبير الاقتصادي مختار الجديد على خط النقاش بمداخلة حادة وجهها إلى حسني بي، متّهماً إياه بتوجيه اتهامات للفيتوري لم يقلها. وكتب الجديد: “أنت تتهم الرجل (عطية الفيتوري) بما لم يقل.
وتريده أن يعترف بأن الدعم مشكلة وكأنك تريد أن تقول وتوهم الناس أنه لا يعترف بالمشكلة. أنت هكي تكذب على الراجل. لا يوجد عاقل لا يعترف بأن الدعم مشكلة فما بالك بشخص متخصص. لذلك توقف عن إيهام نفسك وإيهام الناس بأنك الفاهم الوحيد”.

جاءت مداخلة الجديد لتضيف بعداً جديداً للنقاش، ليس على مستوى الأفكار، بل على مستوى الأخلاقيات الحوارية. فالاتهام هنا ليس بتقديم أرقام خاطئة، بل بـ”الكذب” على الخصم وتصويره على غير حقيقته.

وهو ما يعكس مدى التوتر الذي بلغته النخبة الليبية في هذا الملف، حيث لم يعد الخلاف على الحلول فحسب، بل على توصيف المواقف والنوايا. وبدا واضحاً أن الجديد يقف إلى صف الفيتوري في رفضه للاستعجال في التغيير، لكنه أضاف إدانة صريحة لأسلوب بي في إدارة الحوار.

رسالة بي المفتوحة: اعترفوا بأن المواطن يدفع الفاتورة

لكن حسني بي، الذي بدا غير آبه باتهامات الجديد، واصل حملته مطالباً الفيتوري بالاعتراف بأن “المواطن هو من دفع عام 2024 مقدار 72 ألف دينار للأسرة من ستة أفراد”، وبأن “الدعم السعري ثبت فشله بكل العالم”.

وفي سعيه لإثبات أن التحويلات النقدية ممكنة، استشهد بتجربة علاوة الأطفال والزوجة، التي قال إنها تكلّف سبعة مليارات دينار سنوياً، دُفعت بانتظام منذ يناير 2021 وبلغت تكلفتها الإجمالية اثنين وأربعين مليار دينار خلال المدة. واستنتج أن “ذات الشيء يسري على المحروقات والطاقة” التي تقدر تكلفتها بعشرة أضعاف البدل القائم حالياً.

ثم عاد بي إلى فكرته المركزية عن “السرقة المخفية والسرقة المكشوفة”. ففي منشور تفصيلي، أوضح أن دعم الوقود في صورته الحالية يُسجل محاسبياً بأرقام لا تتجاوز 1.5 مليار دينار، بينما الحقيقة الاقتصادية تقول إن التكلفة قد تصل إلى ما يقارب مئة مليار دينار إذا احتسبت بالقيمة الحقيقية أو البديلة.

وهذا الفارق، في نظره، يخلق “تشويشاً في إدراك حجم الفاقد”، بحيث يبدو التهريب أقل حجماً مما هو عليه فعلياً. وأضاف أن “استمرار منظومة الدعم السعري يجعل جزءاً من الفاقد مخفياً داخل التسعير، بينما أي انتقال نحو دعم نقدي مباشر سيجعل القيمة الحقيقية للدعم واضحة وقابلة للقياس”.

الاقتصاد القياسي في مواجهة المحاكاة الحسابية: من يمتلك الحقيقة؟

في الجوهر، يعكس هذا الفصل من النقاش انقساماً منهجياً عميقاً بين طرفي الحوار. فحسني بي يتبنى نهجاً كمياً مباشراً، يقوم على افتراضات مبسطة، ومحاكاة رقمية، وجداول دخل ونفقات.

وهو نهج قد يكون مقنعاً للرأي العام الذي يبحث عن إجابات واضحة، لكنه يفتقر، من وجهة نظر الفيتوري، إلى التعقيد الذي تتسم به الظواهر الاقتصادية الحقيقية. في المقابل، يقف الفيتوري على أرض الاقتصاد القياسي، الذي يستخدم معادلات رياضية معقدة لفهم العلاقات بين المتغيرات، وهو منهج يحتاج إلى بيانات دقيقة وطويلة المدى، قد لا تكون متاحة في ليبيا أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة: بي يقدم أرقاماً قابلة للفهم، لكنها قابلة للطعن في افتراضاتها. والفيتوري يرفض هذه الأرقام، لكنه لا يقدم بديلاً رقمياً عنها، مكتفياً بالتحذير من المخاطر. وبينهما، يقف المواطن الليبي حائراً، لا يدري إن كان يرى أمامه وصفة إنقاذ أم وصفة انتحار اقتصادي.

صحيح أن الفيتوري لا ينكر فشل الدعم العيني، كما أوضح الجديد، لكنه يرفض الدواء المطروح، دون أن يقدم للمريض دواءً بديلاً سوى “انتظروا حتى نقضي على الفساد”.

خلاصة: حوار الصم مستمر

في نهاية هذا الفصل، بدا واضحاً أن النقاش دخل مرحلة الجمود. حسني بي يطالب الفيتوري بالاعتراف بفشل الدعم السعري، وكأن الاعتراف يعني تلقائياً تبنّي الحل النقدي الذي يطرحه. والفيتوري يرفض ما يعتبره إملاءات واتهامات، متمسكاً بموقفه بأن التوقيت غير مناسب، وأن الأولوية لمكافحة الفساد. ومختار الجديد يتهم بي بإساءة توصيف موقف خصمه.

وعندما يرد الفيتوري بأن “في بعض الأحيان لا ينفع افتراض حسن النية، لأن السكوت وافتراض حسن النية قد يؤدي إلى التهلكة”، يكون بذلك قد أغلق الباب عملياً أمام أي حوار بناء بين الطرفين.

وبين وثيقة بي التي تعد بـ”القضاء على الفقر النقدي بقرار واحد”، وتحذير الفيتوري من أن “التغيير سيكون أسوأ من الوضع القائم”، تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن النقاش كله يدور على منصة فيسبوك، بينما مؤسسات الدولة غائبة عن المشهد تماماً. فلا الحكومة تقدم رؤيتها، ولا البرلمان يشرع، ولا المصرف المركزي يصدر ورقة موقف.

وفي هذا الفراغ المؤسسي، يتحول النقاش الاقتصادي إلى صراع شخصيات، وتتحول النماذج الرقمية إلى أدوات للاستقطاب، ويظل المواطن الليبي يقرأ المنشورات، منتظراً من يحسم الجدل، بينما تستمر مليارات الدعم في التدفق إلى حيث لا يصلها الرقيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى