اقتصاد

الاقتصاد الليبي تحت وطأة الريعية والانقسام.. غياب التوافق السياسي يُبدد فرص التنويع الهيكلي

معضلات هيكلية تعيق الاستفادة من الموارد المتاحة وتحوّل الإصلاحات النقدية إلى تدابير مؤقتة الأثر

أدت حالة عدم الاستقرار السياسي والاعتماد المفرط على ريع الصادرات النفطية إلى وضع الاقتصاد الليبي في بيئة شديدة الهشاشة، حيث تتداخل التجاذبات السياسية مع غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة لتدفع بمعظم المؤشرات الاقتصادية نحو التراجع.

ورغم المحاولات المتكررة التي تقودها المؤسسة النقدية لضبط المشهد المالي، إلا أن غياب المظلة السياسية الموحدة يجعل من أثر هذه السياسات تدبيرًا آنيًا ومحدودًا ومؤقت الفاعلية في المدى القصير.

جذر الأزمة..التلازم الهيكلي بين ريعية النفط والاضطراب المالي

يرتبط تراجع الأداء الاقتصادي في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة الريعية للدولة، حيث تُشكل العوائد النفطية المحرك الأساسي للاقتصاد والمصدر شبه الوحيد لتغذية الخزانة العامة.

هذا الاعتماد المطلق جعل الاقتصاد الوطني في مهب التقلبات الخارجية لأسواق الطاقة، بالتزامن مع توجيه الكتلة النقدية الأكبر من هذه الإيرادات نحو الانفاق الاستهلاكي، المتمثل في بند المرتبات والأجور المتضخم، دون إنتاجية حقيقية تكافئ هذا الإنفاق.

ونتيجة لذلك، يتعرض رأس المال الوطني للاستنزاف والهدر في مسارات لا تخدم التنمية المستدامة، مما يُضعف القوة الشرائية للعملة المحلية ويُعزز من حدة الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الصرف والتقلبات المقترنة بالدولار.

شروط التعافي.. الاستقرار المؤسسي كركيزة لبناء السياسات التنموية
تُجمع القراءات التحليلية للمشهد على أن نقطة الانطلاق الحقيقية لانتشال الاقتصاد من عثرته تكمن في صياغة آلية سريعة تفضي إلى توافق سياسي شامل.

هذا التوافق يُعد شرطًا أساسيًا لإنهاء الانقسام وتشكيل حكومة موحدة قوية وقادرة على تسيير المرحلة وإدارة الثروات بشكل مركزي كفء حيث ان استقرار البلاد وجود رئيس واحد وسلطة تنفذية متماسكة يمثل الضمانة الأساسية لحماية الإيرادات السيادية من الهدر والسلب، والركيزة التي لا غنى عنها للانتقال من مرحلة التهدئة الاقتصادية المؤقتة إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي الفعال.

المسار البديل..إعادة توجيه الفائض الريعي لدعم القطاعات الإنتاجية

يتوقف الخروج المستدام من المأزق الاقتصادي الحالي على مدى القدرة على صياغة خطط حقيقية للتنويع الهيكلي، عبر تحويل القطاع النفطي من مصدر وحيد للمعيشة إلى قاطرة لتمويل القطاعات الحيوية المعطلة.

ويستلزم هذا التوجه إعادة توجيه جزء رئيسي من الإيرادات النفطية لدعم وزارات الصناعة، الزراعة، الثروة الحيوانية والبحرية، والسياحة فبناء قاعدة إنتاجية قوية في هذه المرافق والقطاعات البديلة يضمن توفير مصادر دخل متعددة ومستدامة تورد الأموال لخزينة الدولة، وهو ما سينعكس إيجابًا على تحصين الاقتصاد الوطني ضد الهزات المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف، ويؤدي بالضرورة إلى تعزيز مرونة ونمو الاقتصاد الكلي على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى