الشويهدي في حوار شامل لـ”ليبيا 24″: ليبيا تواجه “استباحة” بالوكالة ومشاريع الأقاليم “مناكفة” والحل رهين إرادة وطنية تتجاوز حسابات الخارج
الشويهدي لـ"ليبيا 24": من "حراسة الحدود" إلى "ابتزاز الأقاليم".. ليبيا في مهب التدخلات والحل مرهون بكسر الحلقة المفرغة
حوار: عبدالعزيز الزقم
الشويهدي لليبيا 24: نجاح التسوية مرهون بالإرادة الوطنية وتوحيد المؤسسات
أكدت عضو لجنة الحوار المهيكل، آسيا الشويهدي، أن الحوار المهيكل أفرز توصيات وصفتها بـ”البالغة الأهمية”، انطلقت من عينة واسعة تمثل مختلف مكونات المجتمع الليبي، معتبرة أن هذا المسار يعكس بداية تشكل وعي وطني جامع يتجاوز الاستقطاب السياسي ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.
وأضافت، في حوار خاص مع ليبيا 24، أن نجاح أي تسوية سياسية يبقى مرهوناً بتوافر الإرادة الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وتحويل مخرجات الحوار إلى إجراءات عملية، محذرة في الوقت ذاته من استمرار التدخلات الخارجية والانقسام السياسي والأمني.
المحور الأول: الحوار المهيكل ومستقبل العملية السياسية
- كيف تقيمين اليوم ما تحقق من مخرجات الحوار السياسي؟
الشويهدي:
نعم، لقد أفضى الحوارُ المهيكلُ إلى توصياتٍ بالغةِ الأهمية، انطلقت من عيّنةٍ واسعةِ التمثيل للمجتمع الليبي، عيّنةٍ عكست، إلى حدٍّ كبير، تعدديّةَ البنية الاجتماعية وتنوّعَ روافدها.
وقد تميّزت هذه العيّنة بكونها تحرّرت، في مقاربتها، من حدّةِ الاستقطاب وإكراهاتِ التجاذب السياسي، الأمر الذي أتاح لها أن تنظر إلى القضايا المطروحة من زاويةٍ أقرب إلى المصلحة الوطنية الشاملة، لا إلى حساباتٍ ظرفيةٍ أو رهاناتٍ فئوية ضيّقة.
ومن ثمّ، فإنّ ما صدر عنها لا يمكن اعتباره مجرّد توصياتٍ تقنية، بل هو في جوهره تعبيرٌ عن وعيٍ جمعيٍّ آخذٍ في التشكّل، يسعى إلى إعادة تعريف المشترك الوطني على أسسٍ من التوافق الرشيد، بما يمهّد لانتقالٍ سياسيٍّ أكثر اتزانًا واستدامة.
- هل يمكن للحوار المهيكل أن يقدم حلولاً مختلفة عن المسارات السابقة؟
الشويهدي:
أعتقد أنّه استطاع أن يُحدِثَ صدىً ملموسًا في الأوساط السياسية والاجتماعية، وهو ما يُعدّ مؤشرًا إيجابيًا على إمكانيّة كسر حالة الجمود التي طال أمدها.
ولا سيّما أنّ هذا الحراك تزامن مع التوافق على توحيد الميزانية، بما يحمله ذلك من دلالات تتجاوز البعد التقني، ليعكس إرادة أولية في إعادة انتظام الفعل المؤسسي وتغليب منطق الدولة على حساب التشرذم والانقسام.
وعليه، يمكن النظر إلى هذا التطور بوصفه خطوة تأسيسية في مسار أشمل يتجه نحو إعادة بناء الثقة بين الفاعلين، وفتح أفق سياسي أكثر قابلية للتوافق والاستقرار.
- ما أبرز العقبات التي تواجه هذا المسار؟
الشويهدي:
أعتقد أنّ اختيار المبعوثة لأعضاء الحوار المهيكل من مختلف فئات الشعب، وفتح منصات تُتيح مشاركة أوسع، فضلًا عن تشكيل إطار جامع للمرأة الليبية لتعزيز حضورها وإسهامها، يمثّل تحولًا نوعيًا في مقاربة إدارة العملية السياسية.
فهذا المسار لم يكتفِ بإعادة إنتاج النخب التقليدية، بل سعى إلى توسيع القاعدة التمثيلية، بما يخفف من حدّة الاستقطاب ويحرر النقاش من إكراهات الاصطفاف الضيق.
كما أنّ التركيز على صياغة توصيات قريبة المدى يعكس نزوعًا عمليًا نحو إنتاج مخرجات قابلة للتنفيذ، بدل الارتهان لرؤى مؤجلة أو حلول نظرية معزولة عن الواقع.
وبذلك، يمكن القول إن هذا النهج يشكل قطيعة نسبية مع تجارب سابقة افتقدت إلى الامتداد الشعبي الحقيقي، إذ إن إشراك القاعدة الاجتماعية على نحو أوسع يضفي على المخرجات قدرًا أكبر من المشروعية، ويعزز فرص تحويلها من مجرد توصيات إلى سياسات قابلة للتحقق في المجال العام.
- ما الضمانات المطلوبة لإنجاح أي اتفاق سياسي جديد؟
الشويهدي:
وبفعل المتابعة الحثيثة والضغط المتواصل من المجتمع الدولي، ولا سيما عبر مسارات برلين وقرارات مجلس الأمن، برز توجه أكثر صرامة نحو مساءلة الأطراف المعرقلة، من خلال التلويح بفرض عقوبات موجهة تطال الأفراد والكيانات التي تقوض مسار التسوية.
إن هذا البعد الدولي لا يكتفي بدور الراعي أو الوسيط، بل يتجه تدريجيًا نحو ممارسة نفوذ ضاغط يهدف إلى تحصين مخرجات الحوار ومنع الالتفاف عليها، بما يعزز فرص انتقالها من حيز التوافق النظري إلى فضاء التنفيذ الفعلي.
وعليه، فإن تلاقي الإرادة الوطنية مع الضغط الدولي المنظم يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لكسر دوامات التعطيل، وفتح أفق سياسي أكثر انضباطًا، تصبح فيه كلفة العرقلة أعلى من كلفة الانخراط في تسوية شاملة ومستدامة.
- هل تعتقدين أن الأزمة الليبية أصبحت أزمة نخب سياسية أم أزمة بنية مؤسساتية؟
الشويهدي:
إذا كان المقصود هو ما جرى داخل إطار الحوار المهيكل، فإن الأرقام ذاتها تُفصح عن دلالة لا تخطئها القراءة السياسية؛ إذ إن توافق 120 عضوًا مقابل اعتراض 6 فقط يعبر بوضوح عن إرادة جامعة تميل إلى ترجيح كفة الحل، وتؤكد أن المزاج العام داخل هذا الفضاء الحواري يتجه نحو طي صفحة المرحلة الانتقالية.
فهذا الإجماع شبه الكاسح لا يمكن اختزاله في مجرد تصويت عددي، بل يعكس تحولًا في الوعي السياسي، قوامه الإدراك المتزايد بأن كلفة استمرار المرحلة الانتقالية باتت تفوق بكثير كلفة الذهاب إلى تسوية شاملة، مهما كانت تعقيداتها.
وعليه، فإن هذا المؤشر العددي يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن لحظة نضج سياسي تتقاطع فيها الإرادات المختلفة عند ضرورة إنتاج حل تاريخي ينهي حالة السيولة، ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا وانضباطًا في مسار الدولة.
- ما الضمانات العملية لإنجاح المرحلة المقبلة؟
الشويهدي:
إن الأخذ بعين الاعتبار مخرجات وتطلعات القاعدة الشعبية الليبية يُعد شرطًا لازمًا لإضفاء المشروعية على أي مسار سياسي قادم، إذ لا يمكن لأي تسوية أن تكتسب قابلية الاستمرار ما لم تكن متجذرة في وجدان المجتمع ومعبّرة عن إرادته.
وفي هذا السياق، فإن تفعيل ما توصلت إليه مختلف المسارات من تفاهمات، والعمل على ترجمتها إلى إجراءات عملية لمعالجة العراقيل القائمة، يشكل مدخلًا واقعيًا لتجاوز حالة الانسداد السياسي.
وعليه، تبرز ضرورة التوجه نحو تشكيل حكومة موحدة، ذات مهام محددة وسقف زمني واضح، بما يضمن تركيز الجهد التنفيذي على أولويات بعينها، ويمهد في الآن ذاته لانتقال منظم ينهي المرحلة الانتقالية، ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا واتساقًا في بنية الدولة.
المحور الثاني: الهجرة غير الشرعية والسيادة الوطنية
- كيف تنظرين إلى تصاعد الجدل في ليبيا بشأن مخاوف التوطين والهجرة غير الشرعية؟
الشويهدي:
إنّ ضعف الدولة الليبية لا يظل أثره حبيس حدودها الداخلية، بل يتحول إلى عامل استباحة في محيطها الإقليمي، حيث تجد بعض القوى، ولا سيما في الضفة الشمالية للمتوسط، في هذا الضعف فرصة لممارسة أشكال مختلفة من الضغط والابتزاز، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية على حساب السيادة الوطنية.
وفي المقابل، فإن هشاشة البنى الحكومية تفضي، في كثير من الأحيان، إلى ميل ضمني أو صريح نحو ممالأة الخارج، ليس بوصفه خيارًا سياديًا مدروسًا، بل كآلية تعويض عن ضعف الشرعية الداخلية، أو كوسيلة لضمان البقاء في معادلة السلطة.
وهكذا تتكرس حلقة مفرغة؛ ضعف داخلي يغري بالتدخل الخارجي، وتدخل خارجي يعيد إنتاج هذا الضعف، في مشهد يفضي إلى تآكل مفهوم الدولة ذاتها، ما لم يُكسر هذا النسق عبر إعادة بناء الشرعية من الداخل، وتحصين القرار الوطني بإرادة سياسية مستقلة.
- هل تعتقدين أن الحديث عن وجود مشاريع لتوطين المهاجرين في ليبيا يستند إلى معطيات واقعية أم إلى مخاوف سياسية وشعبية متراكمة؟
الشويهدي:
إنّ المفارقة الأخلاقية التي لا يمكن إغفالها تتمثل في أنّ بعض الدول الأوروبية، التي راكمت ثرواتها عبر قرون من استنزاف خيرات أفريقيا، تتعامل اليوم مع الإنسان الأفريقي، حين تدفعه الفاقة أو الاضطرابات إلى الهجرة، بوصفه عبئًا ينبغي احتواؤه أو خطرًا يجب إبعاده.
فبدل أن يُنظر إلى هذا المهاجر باعتباره ضحية لبنى تاريخية غير متكافئة، يُعاد إدراجه ضمن سرديات الخوف والتهديد، وكأنه “آخر” طارئ على فضاء يُراد له أن يظل محتكرًا لامتيازاته.
وهنا يتجلى التناقض بين خطاب القيم الكونية الذي ترفعه أوروبا، وبين ممارسات واقعية تعيد إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء.
إن العدالة، في معناها العميق، لا تنفصل عن الذاكرة التاريخية، ولا يمكن أن تُبنى على تجاهل مسؤوليات الماضي، إذ إن التعامل الإنساني المنصف مع المهاجرين ليس تفضلًا، بل استحقاق أخلاقي تفرضه اعتبارات التاريخ قبل مقتضيات السياسة.
- ما مدى قدرة المؤسسات الليبية الحالية على إدارة ملف الهجرة وحماية الأمن القومي؟
الشويهدي:
إن بعض الحكومات الوطنية تجد نفسها في موقع حساس في إدارة ملف الهجرة، بما قد يحوله إلى أداة ضغط سياسي داخلي وخارجي في آن واحد.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل حول مدى التوازن بين الالتزامات تجاه الشركاء الدوليين وبين حماية المصلحة الوطنية، خصوصًا حين يُنظر إلى هذا الدور كنوع من “حراسة الحدود” بالنيابة عن أوروبا، مقابل دعم سياسي قد لا يحظى دائمًا بإجماع داخلي أو بشرعية راسخة.
ويبقى الإشكال الأساسي في طبيعة هذا التعاون وحدوده، حتى لا يتحول إلى عبء على السيادة أو عامل تعميق للأزمة الداخلية.
⸻
المحور الثالث: مشروع الأقاليم والفيدرالية
- شهدت الفترة الأخيرة طرحًا متزايدًا لفكرة الأقاليم، كيف تنظرين إلى هذه الطروحات؟
الشويهدي:
إن الخطاب المتعلق بالأقاليم السياسية كثيرًا ما ينزلق إلى منطق الابتزاز المتبادل، حين يُوظف كأداة في الصراع على النفوذ بدل أن يكون إطارًا لتنظيم التنوع الوطني.
ويزداد هذا الإشكال حدة عندما تتحول الإحالات الجغرافية أو الإقليمية إلى واجهات لمطالب وأدوار سياسية، لا تُطرح ضمن مشروع وطني جامع، بل تُستخدم كوسيلة ضغط في التفاوض السياسي، بما يهدد بتفريغ فكرة الدولة من بعدها الموحد وإعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة.
- هل تمثل هذه المبادرات محاولة لمعالجة الاختلالات التنموية أم أنها قد تفتح الباب أمام مزيد من الانقسام؟
الشويهدي:
إن طرح فكرة إقليم جديد في السياق الراهن يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى المناكفة السياسية منه إلى كونه مشروعًا مؤسسيًا نابعًا من ضرورة موضوعية أو رؤية وطنية متكاملة.
فمثل هذه الطروحات، ما لم تستند إلى أسس دستورية وتوافق وطني شامل، قد تتحول إلى أدوات إضافية في التجاذب السياسي، بدل أن تكون جزءًا من حل يعزز وحدة الدولة واستقرارها.
- ما الفرق بين الإدارة اللامركزية والفيدرالية في الحالة الليبية؟
الشويهدي:
إن طبيعة الامتداد الجغرافي الواسع لليبيا تجعل من النموذج الفيدرالي أو اللامركزي خيارًا مطروحًا من حيث المبدأ، باعتباره أقرب إلى استيعاب التنوع وتوزيع الصلاحيات بما يحقق فعالية أكبر في الإدارة والحكم.
غير أن السياق السياسي الراهن، بما يشهده من تشظٍ وانقسام، يجعل الانتقال الفوري إلى صيغة فدرالية كاملة محفوفًا بمخاطر إعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
ومن ثم، يبدو أن المعطى السياسي الحالي يفرض خيارًا من “المركزية المتوازنة” كمرحلة انتقالية، في حين يظل المعطى الجغرافي والاجتماعي داعيًا إلى تطوير تدريجي نحو درجات أوسع من اللامركزية، بما يحقق توازنًا بين وحدة الدولة وفعالية الإدارة المحلية.
المحور الرابع: المصالحة الوطنية وبناء المؤسسات
- الشويهدي: كيف يمكن إنجاح مسار المصالحة الوطنية في ليبيا؟
الشويهدي:
إنّ القفز نحو المصالحة دون تهيئة أرضية صلبة تقوم على توحيد المؤسسات الأمنية والسياسية الفاعلة، من شأنه أن يجعلها أقرب إلى شعارات مؤجلة التنفيذ أكثر من كونها مسارًا عمليًا قابلًا للاستدامة.
فخصوصية الحالة الليبية تفرض إدراكًا بأن المصالحة ليست حدثًا لحظيًا، بل عملية تراكمية تحتاج إلى شروط موضوعية، في مقدمتها بناء مؤسسات قوية وموحدة قادرة على فرض الاستقرار.
ومن ثم، فإن الانتقال نحو مصالحة حقيقية يقتضي التأسيس لميثاق وطني جامع، يعيد ترتيب الأولويات، ويهيئ البيئة السياسية والأمنية اللازمة لإنجاز تسوية مستدامة لا تتعثر عند أول اختبار.
- ما أبرز العوائق التي تحول دون نجاح المصالحة؟
الشويهدي:
يعيق الانقسام الأمني والسياسي مسار المصالحة في ليبيا لأنه يفقد الدولة شرطها الأساسي، وهو وجود مرجعية موحدة قادرة على تنفيذ أي اتفاق.
فعلى المستوى الأمني، فإن تعدد التشكيلات المسلحة وتباين الولاءات يجعل وقف العنف أو ضبطه غير مضمون، ويحول أي تفاهم إلى اتفاق هش قابل للانهيار عند أول توتر.
أما سياسيًا، فإن وجود أكثر من مركز للقرار يخلق تنازعًا على الشرعية والتمثيل، ويجعل كل طرف ينظر إلى المصالحة من زاوية مصلحته لا من زاوية الدولة الجامعة.
والنتيجة أن المصالحة، في ظل هذا الواقع، تبقى جزئية ومؤقتة، ما لم تُدعَم بتوحيد فعلي للمؤسسات الأمنية والسياسية يضمن تنفيذها واستدامتها.
- كيف يمكن تعزيز مشاركة المرأة والشباب في الحياة السياسية؟
الشويهدي:
إن إشراك المرأة والشباب في صناعة القرار السياسي لا يمكن أن يتحقق بصورة فعلية ومستدامة دون إطار تشريعي واضح وقوانين صريحة تنظم هذا الدور وتضمن استمراريته.
فالمشاركة السياسية، في جوهرها، لا تقوم على المبادرات الظرفية أو التمثيل الرمزي، بل تحتاج إلى قواعد قانونية ملزمة تحولها من حضور شكلي إلى تأثير فعلي داخل مؤسسات الدولة، بما يعزز العدالة التمثيلية ويقوي شرعية القرار السياسي.
- هل أصبحت الأزمة الليبية أزمة نخب أم أزمة قوى أمر واقع؟
الشويهدي:
النخب السياسية لم تتمكن، في السياق الراهن، من ترسيخ حضورها الفاعل أو إنتاج تأثير حقيقي في مسار الأحداث، في ظل واقع تتقدم فيه قوى الأمر الواقع التي تستند إلى القوة المسلحة والمال غير المشروع، وتستقوي أحيانًا بعلاقات خارجية توظف في الصراع الداخلي.
وبهذا المعنى، تجد النخب نفسها في موقع صعب، بين التهميش من جهة، والضغط من جهة أخرى، ما يحد من قدرتها على التأثير ويجعل حضورها السياسي محاصرًا داخل بيئة غير مواتية لإنتاج التوافق أو بناء الدولة.
- كيف تنظرين إلى الدور الحالي للقبائل في المشهد الليبي؟
الشويهدي:
اليوم، يبدو أن الدور التقليدي للقبائل قد تراجع إلى حد كبير، فلم يعد حاضرًا بالثقل الذي كان عليه في إدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية، بل بات في كثير من الأحيان يُستحضر في إطار رمزي أو تعبوي أكثر منه كفاعل حقيقي مباشر.
وفي هذا السياق، يُخشى أن تتحول بعض الشعارات ذات الطابع القبلي إلى واجهات يُعاد من خلالها إنتاج صراعات السياسة ومصالحها، بدل أن تكون أداة لضبط التوازن الاجتماعي أو تعزيز الاستقرار.
⸻
المحور الخامس: مستقبل الدولة الليبية والرسائل الختامية
- ما الرسالة التي توجهينها إلى الليبيين؟
الشويهدي:
نقول: ليبيون، دافعوا عن بلدكم، وحصنوا وحدتكم من محاولات الاستقطاب والتوظيف الخارجي، ولا تضعوا ثقتكم في من يقدم مصالحه الضيقة على حساب الوطن.
وقوموا في وجه من يعتدي على حقوقكم أو يستقوي بالسلاح والدعم الخارجي، فاستعادة الدولة لا تكون إلا بإرادة وطنية جامعة، تضع حدًا للتدخلات وتعيد الاعتبار لمبدأ السيادة والقانون.
- وما رسالتك إلى المجالس السياسية المتنازعة؟
الشويهدي:
رسالتنا إلى المجالس المتنازعة أن التاريخ لا يرحم، وأن لحظات المسؤولية لا تُمنح مرتين، فإما أن تُستثمر في بناء الدولة أو تتحول إلى عبء يُسجل في ذاكرة الوطن.
وعليكم ألا تكونوا مطية لمصالح الفساد أو أدوات في صراعاته، بل جزءًا من مسار وطني يعيد الاعتبار للمؤسسات، ويضع حدًا لحالة الانقسام والتجاذب التي أنهكت البلاد.
- وما الرسالة التي توجهينها إلى المجتمع الدولي؟
الشويهدي:
نقول للمجتمع الدولي: إن الحد الأدنى من الأخلاق السياسية يقتضي التعامل مع الأزمة الليبية بمسؤولية تتجاوز منطق إدارة الصراع إلى السعي الجاد لحله.
لقد آن الأوان للتوقف عن المقاربات التي تُبقي الأزمة في حالة إدارة دائمة، بدل دفعها نحو تسوية حقيقية، وعن أي سلوك يُقرأ كاستثمار في تعقيد الوضع أو إعادة إنتاجه.
فما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مزيدًا من العبث أو الحسابات الضيقة، بل إرادة دولية منسجمة مع مبادئ العدالة والاستقرار واحترام حق الشعوب في استعادة سيادتها وبناء دولتها.
السؤال الختامي
- إذا طُلب منك تلخيص رؤيتك لمستقبل الأزمة الليبية في رسالة أخيرة، فماذا تقولين؟
الشويهدي:
نحن نُبدي ثقة في مسار الحوار المهيكل وما يمكن أن يفرزه من توافقات وطنية، غير أن هذه الثقة لا تمتد بالقدر نفسه إلى وجود إرادة دولية واضحة وفعالة تُترجم الأقوال إلى التزامات عملية من شأنها دعم الاستقرار في ليبيا.
فالتجربة أظهرت أن الفجوة بين التصريحات والممارسات الدولية كثيرًا ما تعمق تعقيد الأزمة بدل المساهمة في حلها، ما يجعل الرهان الأساسي، في نهاية المطاف، معلقًا على الإرادة الوطنية وقدرتها على فرض مسارها الجامع.



