عربىليبيا

المخابرات الليبية في مهب الريح.. عندما يصير الأمن القومي سلعة في سوق السياسيين

ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم

المنفي يحوّل المخابرات إلى سلعة في مزاد سياسي فاسد

قراءة في مشهد عبثي يعيد إنتاج أزمة الدولة ويهدد ما تبقى من سيادة

في مشهد يليق بأفلام المؤامرات أكثر منه بدولة تسعى إلى بناء مؤسساتها، يتحول جهاز المخابرات العامة، ذلك الصندوق الأسود للدولة الليبية وحارس أسرارها، إلى كرة تتقاذفها أيادٍ سياسية متشاكسة، كل منها يحاول جرّ الجهاز نحو أجندته الخاصة، في وقت تغيب فيه المعايير المهنية والأقدمية والكفاءة، وتحتضن فيه الغرف المغلقة صفقات تبدو وكأنها خارجة من روايات الفساد المستدام.

ما يحدث اليوم في طرابلس يتجاوز بكثير مجرد إقالة أو تعيين. إنه إعلان حرب ممنهجة على آخر معاقل الدولة السيادية، وتحويل لأخطر مؤسسة أمنية إلى “سلعة” تباع وتشترى في سوق سوداء يتقاسم أثمانها رجال النفوذ والمال المشبوه، فيما يغرد الشعب الليبي خارج سرب الاهتمام، تاركاً مستقبل أمنه القومي رهينة لتخبطات قادة يبدو أن همهم الوحيد هو تحصين مكاسبهم قبل مغادرة الكرسي.

تعيينات تثير الزلازل.. بين قانون نافذ وقراءات متضاربة

لم تأت القرارات التي أصدرهامحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وعلى رأسها القراران رقم (9) ورقم (10) لسنة 2026، والتي قضت بتكليف عبدالمجيد إبراهيم عبد الكريم (المعروف بـ”مليقطة”) رئيساً لجهاز المخابرات، وعبدالشفيع حسين محمد (المعروف بـ”بوزلاعة”) نائباً له، لتأتي في سياق إداري طبيعي، بل جاءت وسط موجة عارمة من الاتهامات والمراجعات التي تكشف عن خلفيات مريبة تطال كواليس اتخاذ القرار، وتضع علامات استفهام كبرى حول نزاهة الإجراءات، ومدى التزام المجلس بالمعايير المهنية التي تحكم عمل المؤسسات السيادية في أي دولة تحترم نفسها.

فقبل أيام من صدور هذين القرارين، كان رئيس الجهاز السابق الفريق حسين العائب قد تلقى إعفاءً فاجأ الجميع، في خطوة قيل إنها جاءت بعد خلافات حادة داخل المجلس الرئاسي نفسه، عكستها تصريحات متباينة وتسريبات متضاربة، بلغت ذروتها بحذف عضو المجلس موسى الكوني لمنشور كان قد ألمح فيه إلى رفضه للتوجهات الجديدة، في دلالة واضحة على شرخ لا يمكن رأبه في البيت الرئاسي.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تطورت إلى اتهامات خطيرة بوجود محاولة لاغتيال شخصية أمنية أخرى، هي عبدالله الطرابلسي (الفراولة)، جراء خلافات حول الملف ذاته، مما يضع المشهد في خانة الاقتتال المباشر والمحاولات اليائسة لحسم الصراع بوسائل غير قانونية.

خرق أمني بامتياز.. حين يقود “مخترق” بالفيديو أهم جهاز استخباراتي

غير أن الجانب الأكثر إثارة وإثارة للذعر في هذه التعيينات هو طبيعة الشخصيات التي أوكل إليها قيادة الجهاز. فوفقاً لتدوينات وتصريحات متواترة من شخصيات سياسية وأمنية بارزة، فإن الرجلين الجديدين يفتقدان لأي خلفية أمنية أو مخابراتية، ناهيك عن تدرج مهني في أروقة هذا الجهاز الحساس.

والأدهى من ذلك، ما أثير حول النائب المعين “عبدالشفيع بوزلاعة” من اتهامات خطيرة تتعلق بنشر فيديوهات فضائحية له، وربط اسمه بقضايا مخلة بالشرف، وهو ما يجعله، بحسب وصف أحد المحللين، “مخترقاً” يمكن استغلاله بسهولة من قبل أي جهة خارجية، في حال جلس على طاولة المفاوضات ممثلاً لجهاز المخابرات الليبية أمام نظرائه الأتراك أو المصريين أو أي من كبار اللاعبين في المنطقة.

إن السيناريو الذي يتخيله الليبيون اليوم، حيث يجلس “بوزلاعة” أمام شخصيات مخابراتية من طراز هاكان فيدان مدير المخابرات التركية، ومحمود رشاد رئيس جهاز الاستخبارات المصرية، هو سيناريو لا يقل عن كونه كارثة وطنية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فهو يفضح هشاشة الدولة الليبية واستعدادها لبيع أمنها القومي مقابل حفنة من الدولارات، ويجعلها أضحوكة في المحافل الدولية، ويوفر غطاءً لاختراق أجهزتها السيادية من الداخل، دون أن يرف لها جفن.

المال الفاسد واللجنة الـ75.. قصة تعيين لا تختلف عن صفقة مشبوهة

لم يقتصر الجدل على الجانب الأمني والمهني فحسب، بل امتد ليشمل الجانب المالي والأخلاقي، حيث أشار متابعون إلى أن رئيس الجهاز الجديد “عبدالمجيد مليقطة” هو نفسه الشخصية التي ارتبط اسمها بقضية إفساد حوار جنيف ولجنة الـ75، التي كان من المفترض أن تمثل خطوة نحو تسوية سياسية، لكنها تحولت إلى مسرح لاستخدام المال الفاسد للتأثير على مسار الحوار، وفق ما ذكره الناشط السياسي محمد المبروك وغيره.

وهذا الربط بين المال السياسي المشبوه وتولي المناصب الأمنية السيادية هو بمثابة ضربة قاصمة لأي أمل في بناء دولة المؤسسات والقانون. فكيف يمكن الوثوق بجهاز مخابرات يرأسه رجل اتهم باستخدام المال لشراء الذمم والتأثير على مسار وطني مصيري؟ وكيف يمكن ضمان عدم تحول هذا الجهاز إلى أداة لحماية الفاسدين وملاحقة المصلحين، خاصة في ظل المواد القانونية المثيرة للجدل التي وردت في قانون إعادة تنظيم الجهاز رقم (8) لسنة 2023؟

قانون يكرس الفساد ويحصن المخالفين

وهنا تبرز خطورة القانون الذي استند إليه المجلس الرئاسي في قراراته، وخاصة المادتين (98) و(104) منه. فالمادة الأولى تمنح الجهاز صلاحية تأسيس شركات واستثمار الأموال، مما يفتح الباب على مصراعيه لنهب المال العام تحت غطاء أمني، بينما تعفي المادة الثانية الجهاز من أي رقابة مالية أو إدارية من قبل ديوان المحاسبة أو هيئة مكافحة الفساد، وهو ما يعني أن الجهاز يصبح دولة داخل دولة، بلا رقيب ولا حسيب، تحت رحمة رئيسه الذي قد يكون هو نفسه متورطاً في قضايا فساد كبرى.

وهذا التضافر بين تعيين شخصيات مثيرة للجدل، وقانون يحصنها من المساءلة، هو ما يجعله المخطط الأكثر خطورة على ما تبقى من مؤسسات الدولة، حيث يجري تفكيكها من الداخل، وتحويلها إلى إمبراطوريات مالية وسياسية خاصة تخدم مصالح ضيقة، على حساب الأمن القومي والمصلحة العامة.

صمت النخب وغياب الردع السياسي

في خضم هذا العبث الممنهج، يبرز سؤال حارق حول دور المؤسسات الرقابية والتشريعية، وفي مقدمتها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، اللذان اكتفيا حتى الآن ببيانات شجب واستنكار، دون أي إجراء فعلي يمكن أن يوقف هذا النزيف. بل إن بعض الأصوات الناقدة، مثل تلك الصادرة عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، الذي حذر من أن “رئاسة المخابرات ليست جائزة سياسية بل خط الدفاع الأول عن الدولة”، لم تجد آذاناً صاغية داخل أروقة السلطة التنفيذية.

إن غياب الردع المؤسسي، وسيطرة منطق المحاصصة والتجاذبات الإقليمية، هو ما يشجع الأطراف المتناحرة على المضي قدماً في تفكيك الدولة، كل يظن أنه سيبقى في موقع القوة إلى الأبد، متناسين أن الأمن القومي إذا ضاع، فلن يسلم منه أحد، لا الرئاسي ولا حكومته ولا أي جهة كانت.

أين الشعب من كل هذا؟

وبينما ينشغل السياسيون والأمنيون في صراعاتهم على الكراسي والمناصب، يبقى المواطن الليبي البسيط هو الخاسر الأكبر. فهو الذي يعاني من انقطاع الخدمات وتدهور المعيشة، وها هو اليوم يشاهد أيضاً أمن بلاده يباع ويشترى أمام عينيه، دون أن يملك أي وسيلة للتغيير.

إن تحويل جهاز المخابرات إلى ساحة للمعارك السياسية والمالية، يعني أن الدولة نفسها أصبحت في حكم المنتزعة، وأن كل ما تبقى هو مجرد واجهات وألقاب لا تحمي المواطن ولا تصون كرامته.

ولعل ما قاله آمر ما يٌعرف بـ قوة الإسناد ناصر عمار، الذي شبه الأوضاع الحالية “بفزورة من فوازير رمضان، كل شيء وعكسه في نفس الجملة”، يختصر الكثير من مأساة الوضع الليبي الراهن، حيث الدولة موجودة لكنها غائبة، والمؤسسات تعمل لكنها معطلة، والمسؤولون يتحدثون عن الأمن القومي بينما يمارسون تفكيكه بأيديهم.

خلاصة مأساوية.. من ينقذ ما تبقى؟

ما يحدث في جهاز المخابرات الليبية ليس مجرد حلقة عابرة من صراع على منصب، بل هو مرآة تعكس الحالة العامة للدولة الليبية التي تقترب من مرحلة التفكك الكامل. فالمنطق الذي يسمح ببيع وشراء أخطر مؤسسات الدولة هو نفسه الذي يجعل من النفط سلعة يتاجر بها الميليشيات، ومن الحدود ممرات للهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح.

إن الحل، إذا كان ممكناً بعد كل هذا التداعي، يبدأ بإلغاء هذه القرارات الفاسدة فوراً، والعودة إلى معايير الكفاءة والأقدمية والمهنية، وإخضاع كافة المؤسسات الأمنية للرقابة الدستورية والقانونية، وقطع الطريق على أي محاولة لتحويل الدولة الليبية إلى مجرد سلعة يتقاسمها تجار الحروب والصفقات.

لقد آن الأوان ليقول الليبيون كلمتهم الفصل في هذا العبث، وأن يدرك أولئك الذين يلعبون بالنار أن أمن ليبيا ليس ملكاً لهم، بل هو أمانة في أعناقهم، وسيحاسبون عليها أمام التاريخ والأجيال القادمة. فهل يتحرك الضمير الوطني قبل فوات الأوان، أم أننا مقبلون على مشهد أكثر سواداً مما نتصور؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى