
ليبيا 24
المنفي يحول جهاز المخابرات إلى سلعة للمزايدات السياسية علناً
في مشهد يختزل انحدار الدولة الليبية إلى حضيض العبث المؤسسي، هزت أوساط العاصمة وأروقة المؤسسة الأمنية قرارات صادرة عن محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، حولت واحداً من أعرق الأجهزة السيادية وأكثرها حساسية إلى مجرد ورقة في سوق المزاد السياسي العلني.
فلم تكن التعيينات الأخيرة على رأس جهاز المخابرات العامة مجرد تغيير إداري روتيني، بل كانت إيذاناً بمرحلة جديدة من التصفية المتعمدة لآخر معاقل السيادة الليبية، حيث تُباع المناصب الأمنية العليا لمن يدفع أكثر، وتُسند لشخصيات مثيرة للجدل، لا علاقة لها بعالم الاستخبارات سوى تاريخها المشبوه في إفساد المسارات الوطنية واستغلال المال الفاسد.
إن ما أقدم عليه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بالتواطؤ مع دائرته الضيقة ومستشاره زياد دغيم، ليس مجرد تجاوز قانوني، بل هو اعتداء صارخ وممنهج على الأمن القومي الليبي في أخطر تجلياته.
قرارات مفاجئة تزلزل المؤسسة الأمنية
صدم الشارع الليبي والمؤسسات المهنية بقرارين مجتمعين صدرا عن المجلس الرئاسي، قضى الأول بتكليف عبد المجيد إبراهيم عبد الكريم الملقب بـ”أمليقطة” رئيساً لجهاز المخابرات الليبية، بينما قضى الثاني بتعيين عبد الشفيع حسين محمد المكنى بـ”بوزلاعة” نائباً له.
وجاءت هذه القرارات المفاجئة وسط حالة من الصمت المطبق لحكومة الدبيبة منتهية الولاية، وكأن الأمر يتعلق بتعديل وزاري عادي، ورفض موسع من مجلس النواب.
لكن الغموض الذي اكتنف عملية إصدار هذه القرارات وتسريبها عبر منصات مقربة من مستشاري الرئاسي، دون نشرها عبر المكتب الإعلامي الرسمي للمجلس، يكشف بجلاء حجم التخبط والارتباك لدى صانع القرار، ويؤكد ما يصفه المحللون السياسيون بأنها “تسريبات من غرف مظلمة” تهدف إلى تمرير الأمر الواقع قبل أن يفيق أحد.
مليقطة وبوزلاعة: من الفساد السياسي إلى كرسي المخابرات
يثير ملفا الشخصيتين المعينتين أكثر من علامة استفهام حول المعايير التي استند إليها المنفي في تكليفاته. فعبد المجيد مليقطة ليس خبيراً استخباراتياً تدرج في رتب الجهاز، بل هو اسم ارتبط بفضيحة سياسية من العيار الثقيل خلال حوارات جنيف ولجنة الـ 75، حيث استُخدم المال الفاسد، وفق شهادات متطابقة، لشراء الذمم وإفساد مسار حوار وطني شاق، جاء كثمرة لحرب طاحنة.
أما نائبه عبد الشفيع بوزلاعة، فهو الشخص الذي أطاحت به فضيحة أخلاقية وشخصية موثقة بتسجيلات فيديو عبر تطبيقات التواصل، ليصبح اليوم، وبقرار من المنفي، نائباً لأخطر وأهم جهاز أمني في البلاد.
ويتساءل الناشط السياسي محمد علي المبروك بمرارة عن التحول الذي طرأ على رئيس المجلس الرئاسي، قائلاً: “يا دكتور محمد المنفي، ماذا حدث لك؟ على أي معايير تعتمد تكليفاتك هذه؟ ليبيا مليئة بالقدرات سواء من نظام القذافي أو عهد فبراير… من هذا الذي يشير عليك؟”.
هذا المشهد دفع الإعلامي خليل الحاسي إلى وصف الأمر بأنه “انحطاط خرافي لا نظير له في تاريخ الشعوب والأمم”، مشيراً إلى أن المنفي ودغيم يتصرفون وكأنهم يعانون من “هلوسات قرب مغادرة السلطة”، وأن الهدف الوحيد بات هو الاستحواذ على أملاك واستثمارات الجهاز قبل فوات الأوان.
ويتساءل الحاسي بغضب: “هل يعقل أن يصبح منصب رئيس المخابرات معروضاً رسمياً في سوق المزاد السياسي عيني عينك وبالفلوس اللي سارقنها مليقطة؟” مضيفاً أن هذا المنصب تحول إلى “سلعة للبيع والشراء” بين الدائرة الضيقة المحيطة بالمنفي.
تسريبات الغرف المظلمة: كيف تُدار صفقات الأمن القومي؟
تشير طبيعة تمرير هذه القرارات إلى وجود مؤامرة منظمة. فبحسب ما كشفه المحلل السياسي خالد الحجازي، فإن رئيس جهاز المخابرات حسين العائب تحرك فوراً باتجاه مدينة سرت، في محاولة لنقل ثقل الجهاز إلى هناك والعمل من خارج العاصمة، في إشارة إلى انقسام داخل المؤسسة نفسها.
وقد وصف محمد المبروك هذا التحرك بأنه “إسفاف على حساب الأموال العامة”، حيث سيصبح هناك الآن “جهاز في سرت يصرف عليه وجهاز موازٍ في طرابلس يصرف عليه من المال العام”، مما يضاعف الأعباء على المواطن الليبي الذي يتساءل عن سبب معيشته في هذا الواقع المُر.
أما الباحث السياسي عبدالله الديباني، فيرى أن الطريقة التي تسربت بها القرارات تكشف أن المنفي “يدرك حجم الجرم المرتكب”، ولذلك لجأ إلى التخفي بدلاً من الإعلان الرسمي، محولاً “أهم ركائز الأمن القومي إلى سلعة تجارية تُباع لمن يدفع أكثر”.
صمت المؤسسات وتواطؤ النخب: سقوط آخر حصون الردع
يبرز أمام هذا العبث المؤسساتي الصمت المريب من باقي الهيئات السيادية. فالمؤسسات التي طالما امتلأت المنصات ببياناتها وشعاراتها حول “الأمن القومي” و”السيادة الوطنية”، تقف اليوم عاجزة عن النطق بكلمة. مجلس دولة، أحزاب سياسية، ونخب مجتمعية، كلهم، بحسب وصف الباحث الديباني، يتحملون “مسؤولية تاريخية” عن تفكيك هيبة الدولة من خلال صمتهم الذي يوازي التواطؤ.
ويدعم هذا الرأي المحلل السياسي فيصل بوالرايقة الذي يؤكد أن “جهاز المخابرات من زمن المملكة إلى الجمهورية والجماهيرية وما بعد فبراير، بقي في كل المراحل ملفاً حساساً لا يجوز التعامل معه بخفة”.
ويسرد بوالرايقة تاريخ رؤساء الجهاز الذين تعاقبوا على قيادته بعيداً عن الأضواء، مشيراً بأسمائهم ورتبهم العسكرية إلى أن الكفاءة والتدرج والأقدمية كانت الأساس، وليس الصفقات المالية.
الكوني والبرلمان: صراع على ليلاه أم توزيع للغنائم؟
لم تخلُ الساحة من صراع الأجنحة داخل المجلس الرئاسي نفسه. فبينما أصدر المنفي قراراته، خرج عضو المجلس موسى الكوني ببيان منفرد، تبعه بيان من مجلس النواب. هذه التحركات الثلاثية تصفها أوساط سياسية بأنها “كل يغني على ليلاه”، في محاولة من كل طرف لعرقلة الآخر، ليس حباً في ليبيا أو غيرةً على السيادة، بل لضمان بقاء الأوضاع المتردية على حالها، لاستمرار تدفق المغانم.
ويشير الإعلامي خليل الحاسي إلى أن المنفي، وبعد أن باع ورقة المخابرات لمليقطة، ذهب لدعوة الكوني لاجتماع عاجل في طرابلس “لإكمال التخريجة”، في إشارة إلى أن الأمر برمته لا يعدو كونه مساومة ثلاثية على حجم العائدات والاستثمارات الضخمة التي يحميها القانون المثير للجدل رقم 8 لسنة 2023.
وفي قلب هذا الصراع، يروي المحلل السياسي محمد قشوط أن منصب رئيس المخابرات “حسم أمره في المزاد لأن مليقطة هو الأكثر دفعاً، لكن أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة يريدون مبالغ أكبر ليوحدوا رأيهم”.
الذراع الاستثمارية: القانون رقم 8 وشرعية النهب
يتكئ قرار المنفي على القانون رقم (8) لسنة 2023 بشأن إعادة تنظيم جهاز المخابرات الليبية، والذي مرر في فترات سابقة مثيرة للجدل. ويكمن مكمن الخطر فيما وصفه المحللون بـ”المواد الملغومة” في هذا القانون.
فالمادة (98) تمنح الجهاز حق تأسيس وإدارة الشركات المساهمة والقابضة وامتلاك واستثمار العقارات في الداخل والخارج. أما الأخطر، فهو المادة (104) التي تحصن الجهاز بالكامل من أي مراجعة أو رقابة من ديوان المحاسبة أو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتكتفي بلجنة سرية ترفع تقاريرها لرئيس الدولة مباشرة.
هذه المواد، بحسب وصف المراقبين، تخلق “صندوقاً أسود” مالياً واستثمارياً خارج أي إطار رقابي، وهو ما يفسر الإصرار المحموم من قبل حلقة المنفي ودغيم ومليقطة على الظفر بهذا المنصب في اللحظات الأخيرة من عمر هذه السلطة المنتهية ولايتها.
إنه السعي لنهب ما تبقى من أصول الدولة، تحت غطاء قانوني يرفع شعار “حماية أسرار الدولة”.
تحذيرات الخبراء: المؤسسة على شفير الاختراق الدولي
أمام هذا المشهد الكارثي، لم يتردد الخبراء في وصف العواقب. يحذر شريف عبد الله، رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، من أن “رئاسة المخابرات ليست جائزة سياسية أو منصباً للمحاصصة، بل هي ضرورة وجودية لحماية ليبيا”.
ويؤكد عبد الله أن وجود دخلاء لا خبرة لهم في العمل الاستخباراتي “قد يفتح منفذاً أمام أطراف خارجية”، مما يعرض الملفات والقضايا والشخصيات الحساسة للخطر، خاصة عند جلوس أشخاص مثل بوزلاعة الذي لا يمتلك أي مؤهلات أمنية، في مواجهة نظرائهم من رؤساء الأجهزة في دول الجوار والإقليم.
ويتخيل الإعلامي الحاسي هذا المشهد المهين قائلاً: “تخيلوا فقط أن لدينا مؤتمراً دولياً للأمن الإقليمي… ثم نرسل هذا الكائن ليجلس أمام ملوك اللعبة المخابراتية مثل هاكان ومحمود رشاد؟ هذا عار كبير ليس له نهاية”.
فيما يختزل ناصر عمار، آمر قوة الإسناد فيما يعرف بعملية بركان الغضب، هذه الحالة الليبية الفريدة بقوله: “نحن الدولة الوحيدة في العالم فيها محكمة دستورية بدون دستور، ومصرف مركزي بدون سيولة، ومجالس تشريعية بدون شرعية… المسؤول يبحث عن الكرسي والمواطن يبحث عن البنزين… نحن لا نعيش في دولة، بل في فزورة من فوازير رمضان”.
ختاماً، إن هذه التعيينات التي أقدم عليها المنفي ودائرته ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي تفريط ممنهج في آخر حصون الدولة. إن تحويل جهاز المخابرات العامة، الركيزة الأساسية للأمن القومي والمعلوماتي، إلى سلعة تباع وتشترى، هو إعلان واضح بأن هذه السلطة قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وأن العبث بها لم يعد مقصوراً على الخلافات السياسية، بل امتد ليشكل تهديداً وجودياً لهيبة الدولة ونسيجها الأمني أمام الشعب وأمام العالم.
إن استعادة السيادة تبدأ من قلب هذه المؤسسة، عبر إلغاء فوري لهذه القرارات الفاسدة، وإعادة القيادة لأبناء الجهاز المخلصين، قبل أن تطوي ليبيا صفحتها الأخيرة في سجل الدول ذات الأجهزة السيادية.



