ليبيا

ليبيا.. بين الحل الواقعي ومحاولات التعطيل

ليبيا 24- إدريس احميد:

على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، لم تعد الأزمة الليبية بحاجة إلى مزيد من التشخيص، فقد أصبحت أسبابها وتداعياتها واضحة ومعروفة للجميع داخليًا وخارجيًا. ومع ذلك، لا يزال السؤال الجوهري مطروحًا: أين يكمن الحل؟ وهل يمكن إنهاء الأزمة عبر مبادرات جديدة، أم أن الحل أصبح مرهونًا بالأطراف التي تمتلك النفوذ الحقيقي على الأرض؟

بدأت الأزمة الليبية مع انهيار مؤسسات الدولة عام 2011، في سياق انتقال سياسي كان يُفترض أن يقود إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على التعددية وتداول السلطة. إلا أن الواقع اتجه سريعًا إلى مسار مختلف، حيث برز الانقسام السياسي والأيديولوجي، وتحول التنافس إلى صراع على السلطة والنفوذ، في ظل انتشار السلاح وغياب مؤسسات الدولة.

ومنذ ذلك الوقت، تعثرت العملية السياسية، ولم تنجح القوى المختلفة في إدارة خلافاتها عبر المؤسسات. وشكلت انتخابات 2012 بداية مرحلة من التعثر، أعقبها انقسام مؤسسات الدولة، وتعدد الحكومات، وتوالي المبادرات الدولية دون الوصول إلى تسوية نهائية.

كما ساهم الانفلات الأمني وانتشار السلاح في تعميق الانقسام داخل المجتمع الليبي، ما أدى إلى تباين في المواقف والاصطفافات، بين مؤيد للتغيير، وآخر متحفظ عليه، وفئة واسعة لم يعد مطلبها سوى استعادة الأمن والاستقرار وبناء الدولة.

ورغم تعاقب المبعوثين الأمميين وتعدد المبادرات من الصخيرات إلى جنيف، بقيت الأزمة قائمة، لأن جذور المشكلة لم تُعالج، ولأن بعض الأطراف السياسية والعسكرية رأت في استمرار المرحلة الانتقالية فرصة لتعزيز نفوذها.

واليوم، تعيش ليبيا حالة انقسام سياسي ومؤسساتي بين حكومتين، في ظل فشل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى توافق يقود إلى الانتخابات، بينما بقي المجلس الرئاسي محدود التأثير. وفي المقابل تتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتتراجع الخدمات، ويستمر الفساد.

وفي غرب البلاد، لا يزال ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة يمثل أحد أبرز تحديات بناء الدولة، في ظل وجود تشكيلات مسلحة ذات نفوذ سياسي وأمني.

وفي المقابل، شهد شرق البلاد والجنوب مسارًا مختلفًا تمثل في بناء مؤسسة عسكرية تمكنت من مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود مع خمس دول مجاورة، وحماية المنشآت النفطية، وإطلاق مشاريع إعمار وتنمية، ما جعلها طرفًا رئيسيًا في أي تسوية مستقبلية.

كما أن مشروع الدستور ما زال معلقًا منذ 2017، والأحزاب السياسية في طور التأسيس، ما يعكس استمرار حالة عدم نضج المؤسسات السياسية بالشكل الكافي.

وفي هذا السياق، تبرز محاولات مستمرة لتعطيل أي مسار للحل، سواء عبر تعقيد التفاهمات الداخلية أو عبر تدخلات إقليمية متداخلة المصالح، تجد في استمرار حالة عدم الاستقرار ما يخدم حساباتها الخاصة.

كما لا يمكن إغفال الحملات الإعلامية والسياسية التي تحاول التأثير على الرأي العام، والتي تعكس في جزء كبير منها رؤى أطراف أيديولوجية ما زالت ترى أن الحل يجب أن يمر عبر مشروعها السياسي، رغم أن التجربة أثبتت محدودية هذا الطرح.

وفي المقابل، يتطلع قطاع واسع من الليبيين إلى سلطة موحدة، ومؤسسات فاعلة، واستقرار أمني، وتنمية اقتصادية تعيد للدولة قدرتها على العمل.

ومن هنا، فإن التعامل مع أي مبادرة، سواء كانت أمريكية أو أممية أو إقليمية، يجب أن يكون من زاوية المصلحة الوطنية، لا من زاوية الرفض أو القبول المسبق.

إن استمرار الأزمة دون حلول سيؤدي إلى مزيد من التدخلات الخارجية وتعميق الانقسام، بينما يظل الحل مرتبطًا بوجود إرادة سياسية حقيقية لتوحيد الدولة ومؤسساتها.

وفي النهاية، فإن ليبيا اليوم في حاجة إلى مقاربة سياسية واقعية، تقوم على توحيد الجهود الوطنية والدولية في اتجاه إنهاء الانقسام، وبناء دولة موحدة ذات مؤسسات فاعلة، تضع حدًا للمرحلة الانتقالية الطويلة، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الاستقرار والأمن والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى