دولى

بريطانيا تقلب نظام اللجوء رأساً على عقب.. مواطنون بدل القضاة في مقعد البت بملفات اللاجئين

مشروع قانون الهجرة البريطاني يثير زلزالاً سياسياً.. إلزام اللاجئين بسداد 10 آلاف جنيه وتراجع غامض لبرنهام

ليبيا 24:

بريطانيا تقلب نظام اللجوء رأساً على عقب.. مواطنون بدل القضاة وإلزام اللاجئين بسداد 10 آلاف جنيه

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود، وضعت الحكومة البريطانية مشروع قانون للهجرة واللجوء أمام البرلمان، يقضي بإحداث تغيير جذري في طريقة البت بملفات طالبي اللجوء، ينتقل فيها مصير آلاف البشر من قاعات المحاكم إلى أيدي مواطنين عاديين.

المشروع الذي تقدمت به وزيرة الداخلية شابانا محمود، يهدف إلى إعادة الثقة في نظام الهجرة والتصدي لما تصفه بـ”استغلال اليمين المتطرف” للأزمة، وسط انقسام حاد داخل حزب العمال الحاكم وترقب لموقف رئيس الوزراء المرتقب آندي برنهام.

ثورة في الاستئناف.. المواطنون بدل القضاة

التغيير الأضخم في مشروع القانون الذي وُضع أمام النواب في 30 يونيو الماضي، هو التجريد الكامل للقضاة من سلطة البت في طعون اللجوء.

ينص المشروع على إنشاء “هيئة استئناف الهجرة المستقلة” (IIAA)، وهي جهة يديرها أفراد من الجمهور بعد إخضاعهم لتدريب متخصص، على غرار نظام القضاة غير المحترفين (الماجستريت).

وتقول الحكومة إن هذا الإجراء هو الحل السحري لتسريع الإجراءات وإنهاء أزمة تراكم غير مسبوقة في ملفات اللجوء. فوفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن وزارة العدل البريطانية، بلغ عدد طعون اللجوء المتراكمة في نهاية مارس 2026 نحو 87 ألفاً و450 قضية، بزيادة نسبتها 70% عن العام السابق.

كما تجاوز إجمالي الملفات المعلقة بين القرار الأولي والاستئناف 123 ألف قضية. وتشير تقديرات الحكومة إلى أن متوسط الوقت اللازم للبت في القضايا يبلغ 61 أسبوعاً، مع وجود أكثر من 150 ألف قضية هجرة ولجوء تنتظر الفصل فيها.

وبررت وزيرة الداخلية هذا التغيير الجذري بالقول: “محكمة الاستئناف اليوم غارقة. نتيجة لذلك، يستغل البعض النظام ويقدمون طعوناً مماطلة لإعاقة ترحيلهم. هيئتنا الجديدة ستضمن سماع الدعاوى بسرعة ونزاهة”.

“ضريبة على اللاجئين”.. إلزام بالسداد يصل إلى 10 آلاف جنيه

إلى جانب التغيير في آلية البت، يتضمن المشروع بنداً آخر أثار عاصفة من الانتقادات، يتمثل في إلزام اللاجئين الذين حصلوا على صفة اللجوء والذين تتجاوز دخولهم سقفاً معيناً، بسداد مبلغ يصل إلى 10 آلاف جنيه إسترليني كمساهمة في تغطية تكاليف إعالتهم وإيوائهم خلال فترة دراسة طلباتهم.

ووصفت وزيرة الداخلية التي تنحدر من أصول باكستانية هذا الإجراء بأنه “رد الجميل” للشعب البريطاني، وقالت: “تكلفة إقامة طالبي اللجوء على دافعي الضرائب البريطانيين باهظة للغاية.

لقد خفضنا بالفعل تكاليف اللجوء بمليار جنيه، ولكن من الصواب أيضاً أن نطلب من القادرين على الإسهام القيام بذلك”.

وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن التكلفة الإجمالية لإيواء ودعم طالبي اللجوء بلغت العام الماضي نحو 4 مليارات جنيه إسترليني، حيث يبلغ متوسط تكلفة إيواء طالب اللجوء في الفنادق 144 جنيهاً للليلة الواحدة، مقابل 23.25 جنيهاً في أماكن الإقامة المشتركة.

وينص النظام الجديد – الذي يعمل على غرار نظام قروض الطلبة – على أن يسدد المهاجرون جزءاً من الرسوم التي تتجاوز حداً معيناً شهرياً، إما عن طريق مصلحة الضرائب والجمارك البريطانية أو وزارة العمل والمعاشات.

كما يُمنع المهاجرون الذين رُفضت طلبات لجوئهم وتم ترحيلهم من بريطانيا من العودة إلى البلاد ما لم يسددوا ديونهم البالغة 10 آلاف جنيه.

تضييق الخناق على حقوق الإنسان ولم الشمل

لا تقتصر التغييرات على الجانب الإجرائي والمالي فحسب، بل تمتد إلى تضييق نطاق تطبيق المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المتعلقة بالحق في احترام الحياة الخاصة والأسرية.

فبموجب المشروع الجديد، تصبح مطالبات اللجوء المعتمدة على حقوق العائلة مقتصرة فقط على الدائرة الأولى (الآباء والأزواج والأطفال دون 18 عاماً)، باستثناء حالات استثنائية نادرة.

كما يتضمن المشروع بنداً واضحاً وقاسياً مفاده أن أي تغيير في ظروف العائلة أثناء فترة دراسة الطلب – مثل إنجاب طفل على الأراضي البريطانية – لن يكون له أي تأثير على نتيجة طلب اللجوء.

وتأتي هذه الخطوة في محاولة لسد ما تصفه الحكومة بـ”الثغرات” التي يستغلها البعض لتأخير الترحيل، حيث كشفت وزارة الداخلية أن 434 عملية ترحيل تعطلت العام الماضي بسبب دعاوى العبودية الحديثة التي تُقدم في اللحظات الأخيرة.

انقسام حاد داخل حزب العمال

أحدث المشروع الجديد زلزالاً سياسياً حتى داخل حزب العمال الحاكم نفسه. فالنائبة العمالية كيم جونسون فتحت النار على القانون ووصفته بـ”القسوة الاستعراضية” و”ضريبة على اللاجئين”، معتبرة أنه “يعاقب ناساً هربانة من الموت والحروب”.

كما كشفت تقارير صحفية عن أن 100 نائب عمالي، بينهم أنجيلا راينر نائبة رئيس الوزراء السابقة، يعتزمون معارضة المشروع، ووصفته راينر بأنه “غير عادل وغير بريطاني”.

أما الجمعيات الخيرية ومنظمات حقوق الإنسان فقد حذرت من تبعات خطيرة فإمران حسين، مدير الشؤون الخارجية في مجلس اللاجئين، وصف المشروع بأنه “قانون يمكن أن يتسبب في فوضى في وزارة الداخلية ولرئيس الوزراء القادم لسنوات قادمة”.

وأضاف: “سيخلق بيروقراطية جديدة كاملة بإقامة نظام استئناف جديد وفرض ضريبة غير عادلة على اللاجئين، مع تجاهل الجودة الرديئة للقرارات الأولية التي تسبب التأخير والتكاليف”.

كما أعربت منظمات معنية بحقوق الطفل واللاجئين عن قلقها من تأثير المشروع على الأطفال ضحايا العبودية الحديثة، ومن إجراءات تقدير العمر التي قد تؤدي إلى تصنيف أطفال خطأ كبالغين.

برنهام في مهب الريح.. تراجع غامض

في ظل هذا الجدل المحتدم، تتصاعد التكهنات بشأن موقف آندي برنهام، رئيس الوزراء المرتقب الذي يخلف كير ستارمر. فبرنهام، الذي من المتوقع أن يتولى المنصب خلال أسابيع، لم يتطرق إلى ملف الهجرة في خطابه الأخير، رغم تصدر القضية اهتمامات الناخبين.

ويقتصر موقفه المعلن حتى الآن على تصريح أدلى به الشهر الماضي، قال فيه إن الحكومة “ستحتاج إلى العمل بجد لتحقيق التوازن الصحيح، لكن التوجه العام لما تقوم به شابانا محمود هو التوجه الصحيح”.

غير أن تقارير سياسية كشفت أن برنهام يدرس تخفيف خطط محمود المتشددة، لا سيما فيما يتعلق بمضاعفة مدة الإقامة اللازمة للحصول على الجنسية الدائمة من 5 إلى 10 سنوات، والتي قد تُطبق بأثر رجعي.

وأتاح هذا الغموض المجال أمام شخصيات سياسية، بينها عضو مجلس اللوردات ألف دوبس – أحد الناجين من برنامج نقل الأطفال اللاجئين قبل الحرب العالمية الثانية – وزعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، لدعوة برنهام إلى التخلي عن إصلاحات اللجوء إذا تولى رئاسة الحكومة.

على خطى الدانمارك.. نموذج اجتماعي ديمقراطي صارم

تستلهم وزيرة الداخلية شابانا محمود إصلاحاتها من النموذج الدانماركي، حيث زارت كوبنهاغن العام الماضي للاطلاع على تجربة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في التصدي لصعود اليمين المتطرف عبر تشديد سياسات الهجرة.

ففي الدانمارك، يُصادر من طالبي اللجوء أي نقود أو ممتلكات تزيد قيمتها على 10 آلاف كرونة دنماركية (نحو 1150 جنيهاً إسترلينياً) لتغطية تكاليف الطعام والسكن، كما تُراجع أوضاع اللاجئين كل عامين على الأقل.

ويقول محمود إن بريطانيا بحاجة إلى “تغيير الافتراض العمراني لما يعنيه أن تكون لاجئاً – الانتقال من وضع دائم إلى وضع مؤقت”.

تداعيات على ليبيا والعرب

يمثل هذا التحول في السياسة البريطانية منعطفاً مهماً بالنسبة لطالبي اللجوء من ليبيا والدول العربية الذين يتخذون من المملكة المتحدة وجهة لهم.

 فتشديد القواعد، وإطالة مدة الحصول على الإقامة الدائمة إلى 10 أو 20 سنة في بعض الحالات، وإلزام اللاجئين بالسداد المالي، إلى جانب تقليص حقوق لم الشمل، كلها عوامل قد تغير خريطة الهجرة نحو بريطانيا بشكل جذري.

ويزداد القلق في الأوساط العربية من أن تكون هذه الإجراءات مقدمة لسياسات أكثر تشدداً، خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف موقف رئيس الوزراء القادم.

فمن ناحية، تدرك الحكومة البريطانية أن استمرار النظام الحالي بات مهدداً بفقدان ثقة الشارع، ومن ناحية أخرى، تواجه ضغوطاً من اليسار العمالي والمنظمات الحقوقية التي ترى في هذه الإصلاحات انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية.

ما المنتظر؟

تُشير المصادر البرلمانية إلى أن مشروع القانون سيُعرض على مجلس العموم في القراءة الثانية يوم 13 يوليو الجاري، وسط ترجيحات بمواجهته معارضة عريضة.

ومن المتوقع أن يلقي آندي برنهام عدداً من الخطابات خلال الأسابيع المقبلة، ما قد يوضح موقفه النهائي من سياسات الهجرة واللجوء قبل توليه رئاسة الوزراء.

ويبقى السؤال الأكبر: هل سيمر هذا القرار التاريخي الذي يقلب نظام اللجوء رأساً على عقب، أم سيواجه مطبات تشريعية قد تعيد تشكيل ملامحه قبل أن يرى النور؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى