أزمة المبيدات المسرطنة في ليبيا بين حق المواطن في الغذاء الآمن وصراع المصالح والتسجيل
جدل واسع حول حملة المبيدات المحظورة في ليبيا.. ومطالبات بفصل الرقابة الصحية عن الصراعات السياسية وحماية المزارعين من حملات التشهير
ليبيا 24:
النيابة العامة تكشف عن 65% من المحاصيل الليبية ملوثة بمبيدات مسرطنة.. وتحقيقات موسعة تطال شبكات الاتجار بالمحظورات
تحقيقات النيابة تكشف ثغرات رقابية خطيرة
في تطور هزّ الأوساط الليبية، كشفت النيابة العامة عن نتائج صادمة لتحقيقات موسعة باشرتها منذ فبراير الماضي، أظهرت احتواء 65 في المائة من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة في الأسواق على متبقيات مبيدات محظورة ومواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة أو مطفّرة.
وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع ضبط كميات كبيرة من هذه المواد، حيث أسفرت عمليات التفتيش التي أجراها المحققون في نطاق اختصاص نيابة النظام العام – الخمس، عن ضبط تسعمائة وخمسين مستوعباً من المادة المحظورة، وثلاثمائة وخمسين كيلوغراماً من المواد غير المحظورة منتهية الصلاحية، مع حبس اثني عشر متهماً وقفل ثلاثين محلاً مارست فعل المتاجرة بهذه السموم.
وأظهرت نتائج التحاليل التي كشفها بيان النيابة العامة تجاوز بعض العينات للحدود القصوى المسموح بها من متبقيات المبيدات، في مؤشر خطير على غياب الرقابة الفعالة على سلسلة الإمداد الغذائي.
ولفت البيان إلى أن التحقيقات أزاحت الستار عن ثغرات رقابية سمحت بدخول مبيدات إلى البلاد من دون بيانات تعريفية توضح مكوناتها أو المواد الفعالة التي تدخل في تصنيعها【0†L14-L15】، مما يطرح تساؤلات كبيرة حول مسؤولية الجهات المعنية عن هذه الكارثة الصحية التي تهدد حياة الملايين.
قراءة علمية تدعو إلى التريث ورفض التهويل
في سياق متصل، خرجت الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، بتوضيح علمي دقيق عبر صفحتها الرسمية، دعت فيه إلى قراءة نتائج المسح الرقابي ضمن إطارها الصحيح.
وأشارت إلى أن الدراسة المنشورة عبر الصفحة الرسمية للنائب العام أظهرت وجود نسب متفاوتة، منها نحو 34.63% عينات خالية من متبقيات المبيدات، ونحو 20% عينات رُصدت بها متبقيات ضمن نطاق المسح.
وشددت على أن هذه النتائج تشير إلى وجود تفاوت في الممارسات الزراعية ودرجة الالتزام بالاستخدام الرشيد للمبيدات وفترات الأمان، وليس كما يتم تداوله عبر بعض الصفحات بشكل مجتزأ أو مضلل بهدف توجيه الرأي العام أو خلق انطباعات غير دقيقة عن القطاع الزراعي بشكل عام.
وأعربت أبوعميد عن رفضها القاطع لمحاولات تحويل نتائج مسح رقابي رسمي إلى حملات تشهير أو تعميم اتهامات على جميع المزارعين أو المنتجات الزراعية، معتبرة ذلك خروجاً عن السياق العلمي والمهنية وتجاوزاً خطيراً للحقائق الثابتة في التقرير.
وحذرت من أن هذا النوع من الطرح غير المسؤول لا يضر فقط بسمعة المنتج المحلي والاقتصاد الزراعي، بل ينعكس مباشرة على المزارعين البسطاء ويعرض بعضهم للاستهداف والضغط الاجتماعي والإعلامي، وقد يسهم في إثارة حالة من الذعر غير المبرر لدى المستهلكين.
تحذيرات من توظيف الملف في الصراعات السياسية
في تطور خطير، كشفت أبوعميد عن تعرضها لتهديدات بالقتل وإطلاق النار، نتيجة ما وصفته بتأجيج الرأي العام عبر تداول معلومات فنية وعلمية غير مكتملة أو غير دقيقة قبل انتهاء الإجراءات القانونية وإظهار نتائج التحاليل النهائية.
وناشدت النائب العام وكافة الجهات الأمنية المختصة فتح تحقيق عاجل في وقائع التحريض والتهديد، ومحاسبة كل من ساهم في نشر معلومات مضللة أو استغل وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام أو تعريض حياتها للخطر.
وأكدت أن مكافحة أي جريمة أو ضبط أي مواد مخالفة هو واجب يقع على عاتق الأجهزة الأمنية، ولا أحد يعترض على تطبيق القانون أو محاسبة المخالفين.
لكنها شددت في المقابل على أنه لا يجوز أن يكون تنفيذ القانون سبباً في ترويع الأهالي أو انتهاك حرمة المنازل، مشيرة إلى ادعاءات موثقة من قبل الأهالي تتعلق بالدخول بطريقة غير قانونية، وما نتج عنه من تخويف للعائلات والأطفال، وحدوث أضرار بالممتلكات، وصدور ألفاظ غير لائقة، وهي أمور تستوجب التحقيق فيها من الجهات المختصة ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه.
توضيح حقيقة بروميد الميثيل بعيداً عن التهويل
وفي توضيح علمي مهم، أوضحت أبوعميد حقيقة المادة التي تم الحديث عنها، وهي غاز بروميد الميثيل، مشيرة إلى أنه يُستخدم في المجال الزراعي لتعقيم وتبخير التربة قبل الزراعة بهدف مكافحة بعض الآفات.
ونفت ما يُقال عن كونه مادة مسرطنة مؤكدة للإنسان، مؤكدة أن التصنيفات العلمية الرئيسية لا تصفه كذلك، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أنه مادة سامة تحتاج إلى إجراءات سلامة وضوابط عند التعامل معها.
ونفت أبوعميد بشكل قاطع ما تم تداوله عبر بعض صفحات التواصل الاجتماعي بشأن خضوعها للتحقيق، معتبرة ذلك خبراً عارياً عن الصحة ولا يمت للحقيقة بصلة.
ونهبت بالجميع تحري الدقة وعدم الانسياق وراء الشائعات أو إعادة نشر الأخبار الكاذبة دون التحقق من مصادرها، محملة مروجي الشائعات مسؤولية نشر معلومات غير صحيحة تضلل الرأي العام.
دعوات لاحتواء الأزمة وحماية الموسم الزراعي
من جانبه، دعا وزير الإعلام والثقافة السابق عمر القويري، في منشور له، إلى ضرورة احتواء الأزمة واستيعاب التجار والتدرج في الإصلاح وتنظيم هذا المجال الحيوي، محذراً من أن استمرار إغلاق المحال الخاصة بالمستلزمات الزراعية سيؤدي إلى خسائر ضخمة للمزارعين وارتفاع أسعار الخضروات الأساسية إلى أضعاف سعرها.
وأكد أن صحة المواطن خط أحمر، لكنه شدد على ضرورة معالجة الأمور بالأسلوب العلمي الصحيح، مشبهاً الوضع بمدمن المخدرات الذي يتم التدرج في علاجه.
وكشف القويري عن تواصله مع النائب العام، مؤكداً أنه سيكون هناك بداية من الأسبوع القادم إعادة ترتيب وضبط للأمور واستيعاب التجار واحتواء الأزمة.
وأشار إلى أن الجهات المعلومة تعمل على ضرب الزراعة المحلية وتحويل ليبيا إلى الاستيراد حتى في السلع الأساسية، محذراً من الانجرار خلف الشائعات أو المعلومات المغلوطة المضللة.
تقاعس المسؤولين وسرطان الفوضى الإداري
وفي قراءة نقدية عميقة للأسباب الكامنة وراء الأزمة، كشف القويري أن تكاسل المسؤولين في التوقيع على لائحة تداول وتسجيل المبيدات الزراعية في ليبيا هو ما أوصل البلاد إلى هذه المرحلة من الفوضى.
وأوضح أن اللائحة جُهزت وبدأ فعلياً في استلام الملفات من الشركات لإصدار القائمة النمطية، إلا أن تعنت الجهات في توقيع اللائحة وصراع الاختصاصات بين وزارة الزراعة ووزارة البيئة مع أصوات من مركز المواصفات وضعت اللائحة في الدرج ولم يتم تفعيلها، مما أدى إلى فقدان الثقة من قبل الشركات المستوردة.
وأشار القويري إلى أن وزير الزراعة حسين القطراني أصدر في عام 2024 قائمة حظر بعد 14 سنة من آخر قائمة نمطية، لكن مرت سنتان ولم توقع اللائحة.
ولفت إلى أن المبلغ الذي صرف على تحليل العينات لمتبقيات المبيدات بلغ 864 ألف دينار، ومثلها للمعادن الثقيلة، بينما لو صرفت هذه الأموال واهتموا بما تعده اللجنة لكان حال البلاد أفضل.
واستغرب من عدم استشارة وإشراك قسم وقاية النبات بكلية الزراعة في كافة المدن الليبية كخبراء مختصين.
مصادرة منتجات مسموحة وسجن تجار دون مسوغ
في كشف مثير، أشار القويري إلى أنه مع استمرار الفوضى في معالجة هذا الملف، تمت مصادرة منتجات وسجن تجار يبيعون منتجات غير محظورة تحوي على مواد مسموح بها، مثل لمبادا سيهالوثرين وسايبرمثرين وهيومك اسد، مستشهداً بشركة البستان في القربولي كمثال على ذلك، إلى جانب عشرات من التجار والمزارعين.
وهو ما يثير تساؤلات جدية حول معايير الضبط والتحري، وما إذا كانت الحملة تخضع لمعايير علمية واضحة أم أنها تتأثر بصراعات النفوذ والسلطة.
صوت المواطن بين معاناة المرض ومطالبة بالعدالة
وفي مشهد إنساني مؤثر، روى أحد المواطنين تجربته الشخصية مع مرض السرطان، معتبراً أن إعلان النيابة العامة عن وجود مبيدات مسرطنة في أكثر من نصف العينات المأخوذة من طرابلس وبنغازي ومصراتة يعني أن الليبيين وأطفالهم يتغذون على السم من داخل من دون أن يشعروا.
وطالب في مذكرة رسمية للنائب العام بعدم التهاون مع أي جهة أو شركة تسببت في دخول هذه السموم، وإلزام كل المتورطين بتحمل تكاليف علاج كل مريض أصابه السرطان بسبب هذه المبيدات، وحرمان أي متورط يحاول التهرب من حقوقه القانونية إلى أن تكتمل العدالة.
المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان تدعو لحماية الحق في الغذاء
من جانبها، أكدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أن ضمان الحق في الغذاء الصحي أمر بالغ الأهمية، وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الصحة العامة والأمن القومي الصحي للبلاد وحماية المستهلك.
ودعت المؤسسة إلى ضرورة التعامل مع هذا الملف بحساسية بالغة، مع مراعاة البعد الإنساني والحقوقي في جميع الإجراءات المتخذة.
الخلاصة
إن أزمة المبيدات المسرطنة في ليبيا ليست مجرد قضية رقابية عابرة، بل هي مرآة تعكس واقعاً معقداً من الفساد الإداري، وتضارب المصالح، وصراع الصلاحيات بين المؤسسات، وضعف البنية التشريعية والرقابية.
وبينما يطالب المواطنون بحماية صحتهم وحقهم في غذاء آمن، تبرز أصوات علمية وقانونية تدعو إلى التريث وعدم التسرع في إصدار الأحكام، والتمسك بالمنهج العلمي في التعامل مع هذه القضية المصيرية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون هذه الأزمة دافعاً حقيقياً لإصلاح المنظومة الزراعية والرقابية في ليبيا، أم ستظل مجرد “ترند” إعلامي سرعان ما يخبو، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه من فوضى وإهمال؟
الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، خاصة مع التأكيدات التي وردت عن قرب إعادة ترتيب الأمور واحتواء الأزمة، لكن النجاح في ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز المصالح الضيقة، وتضع صحة المواطن وأمنه الغذائي فوق كل اعتبار.



