انقطاعات الكهرباء في تونس تكشف هشاشة المنظومة وتفاقم الخسائر الاقتصادية

شهدت تونس خلال موجة الحر الأخيرة أزمة كهرباء غير مسبوقة ألقت بظلالها على قطاعات حيوية، بعدما تسببت الانقطاعات المتكررة للتيار في خسائر واسعة طالت مزارع الدواجن والأنشطة التجارية والصناعية، وأعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن جاهزية المنظومة الكهربائية لمواجهة الطلب المتزايد خلال فترات الذروة.
وتبرز تداعيات الأزمة بشكل خاص في قطاع الدواجن، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على الكهرباء لتشغيل أنظمة التهوية والتبريد وتوزيع المياه والأعلاف، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الطيور في عدد من المزارع، خاصة في محافظات تضم كثافة إنتاجية مرتفعة مثل بنزرت وزغوان. ويرى مختصون أن أي انقطاع مفاجئ في التغذية الكهربائية خلال موجات الحر يتحول خلال ساعات إلى كارثة إنتاجية يصعب احتواؤها، في ظل الطبيعة الحساسة لهذا النشاط.
ولا تقتصر الخسائر على فقدان الإنتاج، بل تمتد إلى الأعباء المالية التي يتحملها المربون، في وقت يطالب فيه المتضررون بآليات واضحة لتعويض الأضرار، وسط انتقادات لغياب استجابة حكومية تتناسب مع حجم الأزمة وتأثيرها على الأمن الغذائي واستقرار سوق الدواجن.
أزمة تتجاوز موجة الحر
ورغم أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة سرّع انفجار الأزمة، فإن خبراء الطاقة يؤكدون أن جذورها أعمق من الظروف المناخية الطارئة. فالطلب على الكهرباء ينمو بوتيرة أسرع من توسع قدرات الإنتاج، بينما لم تشهد البلاد إضافات كبيرة في الطاقة الإنتاجية منذ عام 2022، ما أدى إلى تقلص هامش الاحتياط الذي تعتمد عليه الشبكة الوطنية خلال فترات الاستهلاك المرتفع.
وتشير المعطيات إلى أن موجة الحر رفعت استهلاك الكهرباء إلى مستويات قياسية نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، الأمر الذي دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ عمليات قطع مبرمج للتيار بهدف تجنب انهيار شامل للشبكة.
في المقابل، يرى مختصون أن اللجوء إلى القطع المتكرر يعكس محدودية قدرة المنظومة الحالية على استيعاب الضغوط الموسمية، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة استراتيجية الاستثمار في قطاع الطاقة، بدلا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
كما يلفت خبراء إلى أن تقادم البنية التحتية الخاصة بإنتاج الكهرباء ونقلها، إلى جانب تأخر أعمال الصيانة الدورية، أسهما في زيادة هشاشة الشبكة، ما جعلها أكثر عرضة للاضطرابات مع أي ارتفاع مفاجئ في معدلات الاستهلاك.
خسائر اقتصادية وإصلاحات مؤجلة
امتدت آثار الأزمة إلى قطاعات اقتصادية متعددة، حيث تعرضت محلات تجارية ومطاعم ومخابز وورشات صناعية لخسائر ناجمة عن تلف المواد الغذائية وتعطل المعدات الكهربائية وتراجع النشاط التجاري، كما شهدت وكالات الشركة التونسية للكهرباء والغاز إقبالا من المواطنين لتقديم طلبات تعويض عن الأضرار التي لحقت بالأجهزة المنزلية بسبب الانقطاعات واضطرابات الجهد الكهربائي.
وأعلنت الشركة التزامها بالنظر في ملفات التعويض وفق إجراءات محددة، تشمل تقديم ما يثبت شراء الأجهزة أو إصلاحها، إلا أن هذه الإجراءات لا تبدد المخاوف من اتساع حجم الخسائر في حال استمرار الأزمة خلال أشهر الصيف.
وتكشف المؤشرات الرسمية أن إنتاج الكهرباء ارتفع خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 7506 غيغاواط/ساعة، كما زاد الإنتاج الموجه للسوق المحلية بنسبة 4%. ومع ذلك، بقيت هذه الزيادة غير كافية لتلبية الطلب، إذ استمرت واردات الكهرباء في تغطية نحو 9% من احتياجات السوق المحلية.
وتعتمد تونس على الغاز الطبيعي لإنتاج نحو 92% من الكهرباء، في وقت يتراجع فيه الإنتاج المحلي، ما يزيد من الاعتماد على الواردات، خاصة من الجزائر، بينما لا تزال مساهمة الطاقات المتجددة عند حدود 9% فقط، رغم الخطط الحكومية المعلنة للتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
وتواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز كذلك ضغوطا مالية كبيرة، مع ارتفاع مديونيتها إلى أكثر من 7.3 مليارات دينار، مقابل ديون غير مستخلصة تتجاوز 6 مليارات دينار، وهو ما يحد من قدرتها على تنفيذ مشاريع توسعة الشبكة وتطوير البنية التحتية.
وتؤكد الأزمة أن ارتفاع الإنتاج وحده لم يعد كافيا لضمان استقرار الإمدادات، في ظل اتساع الفجوة بين نمو الطلب وتأخر الاستثمارات، الأمر الذي يجعل إصلاح قطاع الكهرباء ضرورة استراتيجية تتجاوز معالجة الانقطاعات الموسمية. ويرى مختصون أن تجاوز الأزمة يتطلب تسريع إنشاء محطات إنتاج جديدة، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتحسين الوضع المالي للمؤسسة الوطنية، إلى جانب توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وترشيد الاستهلاك خلال فترات الذروة، بما يعزز قدرة المنظومة الكهربائية على مواجهة التحديات المستقبلية ويحد من تكرار الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.



