ليبيا

من إدارة الأزمات إلى بناء الصمود: رؤية اقتصادية شاملة تضع المواطن في قلب المعادلة

عصر يطلق صافرة الإنذار: ليبيا أمام مفترق الاستعداد أو الانهيار الاقتصادي

ليبيا 24

عصر يدعو إلى خطة وطنية عاجلة قبل أن تتحول التحديات العالمية إلى أزمة معيشية خانقة

عصر يطلق صافرة الإنذار: ليبيا أمام مفترق الاستعداد أو الانهيار الاقتصادي

في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء وحركة التجارة والاستثمار، يبدو أن حكومة الدبيبة منتهية الولاية لا تزال تدير البلاد بمنطق رد الفعل لا الاستباق.

وفي هذا السياق، خرج منير عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، بصوت تحذيري مختلف، داعياً إلى الانتقال من إدارة يومية للأزمات إلى خطة اقتصادية وطنية واضحة، محددة المراحل والنتائج، وقابلة للقياس والمحاسبة.

النفط والغذاء: معادلة الهشاشة الليبية

ليبيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على عوائد النفط وعلى الاستيراد لتغطية احتياجاتها، تقف أمام معادلة خطيرة. أي اضطراب خارجي في أسواق الطاقة أو سلاسل الإمداد يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط مباشر على النقد الأجنبي والأسعار والقوة الشرائية ومستوى المعيشة.

لكن السؤال الذي يطرحه عصر بجرأة: لماذا ننتظر الأزمة ثم نبحث عن حلول؟ لماذا لا نستعد قبل وقوعها؟ ويؤكد أن إدارة المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقوم على انتظار الأزمة ثم البحث عن حلول لها، وإنما على الاستعداد المسبق وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود.

المواطن المكلوم: بين وعود اللجان وواقع المعيشة

في الشارع الليبي، لا يزال المواطن ينتظر نتيجة ملموسة. لا يكفي أن تُنشأ لجنة جديدة أو يُصدر قرار جديد. الإصلاح الحقيقي يُقاس بما يلمسه المواطن: سعر أكثر استقراراً، خدمة أفضل، فرصة عمل حقيقية، إنتاج محلي أكبر، هدر أقل، وإدارة أكثر انضباطاً للمال العام.

ويشدد عصر على أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات واللجان وإنما بما يتحقق على الأرض، وأن أي خطة جادة يجب أن تكون مرتبطة بمؤشرات واضحة ومتابعة مستمرة ومحاسبة على النتائج.

الحكومة المنتهية الولاية لا تزال تدير الاقتصاد بمنطق الاستيراد الواسع والاستهلاك، بينما يغرق المواطن في أزمة سيولة خانقة وارتفاع جنوني في الأسعار وغياب للخدمات الأساسية.

النقد الأجنبي: أولوية الإنتاج لا الاستهلاك

يطرح عصر رؤية واضحة: النقد الأجنبي يجب أن يُوجَّه بصورة أكبر إلى ما يحافظ على قدرة الاقتصاد على الإنتاج – الآلات، المواد الخام، مدخلات الصناعة، مستلزمات الزراعة، الأدوية، الغذاء الأساسي، واحتياجات المشروعات الإنتاجية.

أما الاستيراد الاستهلاكي غير الضروري، الذي تستفيد منه شبكات الفساد والمحسوبية، فلا ينبغي أن يستنزف الموارد نفسها التي يحتاج إليها المصنع والمزارع والمنتج المحلي. الهدف ليس إغلاق السوق، وإنما الانتقال تدريجياً من اقتصاد يستهلك ما يستورده إلى اقتصاد ينتج جزءاً متزايداً مما يحتاج إليه.

دعم الوقود: من حماية الدولة إلى حماية المواطن

ملف الوقود مثال واضح على ضرورة النظر إلى الاقتصاد كمنظومة واحدة. لا يمكن التعامل مع سعر الوقود باعتباره رقماً منفصلاً عن سعر النقل والغذاء والمياه والخدمات. ويوضح عصر أن رفع سعر الوقود دون توفير البدائل، وفي مقدمتها النقل العام وتحسين الخدمات ومعالجة تراجع القوة الشرائية، قد ينقل التكلفة إلى المواطن عبر سلاسل الأسعار المختلفة.

لذلك فإن إصلاح الدعم يجب أن يكون جزءاً من حزمة اقتصادية واجتماعية متكاملة، تستهدف حماية المواطن ومكافحة الهدر والتهريب في الوقت نفسه، بدل اختزال القضية في سؤال: كم ستوفر الدولة من بند الدعم؟ الحكومة المنتهية الولاية تتعامل مع الملف بمنطق توفير السيولة لا حماية المواطن، وهو خلل جوهري في الأولويات.

الثروة النفطية: أمانة الأجيال لا إنفاق الجيل الحالي

ارتفاع أسعار النفط لا ينبغي أن يعني بالضرورة ارتفاع الإنفاق الجاري. من المقترحات التي يطرحها عصر أن يُستفاد من الفوائض النفطية الناتجة عن ارتفاع السعر الفعلي فوق السعر المعتمد في الميزانية، عبر إنشاء صندوق سيادي حقيقي يستثمر هذه الفوائض بصورة مهنية، لتتحول الزيادة المؤقتة في أسعار النفط إلى أصول واستثمارات يستفيد منها الاقتصاد والأجيال القادمة.

هذه هي الفكرة التي يجب أن تحكم إدارة الثروة النفطية: لا نستهلك كل ما يأتي اليوم، ونترك الأجيال القادمة أمام السؤال نفسه. لكن الواقع أن الثروة النفطية الليبية لا تزال تُدار بمنطق المحاصصة والإنفاق الجاري، بينما يُترك الجيل القادم أمام السؤال نفسه: أين ذهبت الثروة؟

مناطق الإنتاج: خارج التقسيم الإداري التقليدي

معالجة التنمية في ليبيا تحتاج إلى التفكير خارج الشكل التقليدي للإدارة المحلية. ومن الأفكار المطروحة اعتماد محافظات اقتصادية تقوم على المزايا النسبية لكل منطقة، بحيث يمكن أن تتخصص مناطق في الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو الخدمات اللوجستية، مع الحفاظ الكامل على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية.

الفكرة ليست تغيير أسماء الوحدات الإدارية، وإنما جعل الموقع الجغرافي والموارد والبنية التحتية أساساً لتوزيع الاستثمار والإنتاج. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية غائبة في ظل حكومة منتهية الولاية لا تملك شرعية الاستمرار ولا الكفاءة لقيادة هذه المرحلة.

التحول الرقمي: أداة محاسبة لا شعار

لا يمكن بناء اقتصاد حديث بعقلية المعاملة الورقية وتعدد قواعد البيانات. التحول الرقمي ليس مشروعاً تقنياً فقط، بل أداة لضبط الإنفاق، وتقليل البيروقراطية، ومكافحة الازدواجية، وربط مؤسسات الدولة بالمعلومات نفسها، حتى يصبح القرار الاقتصادي مبنياً على بيانات حقيقية لا على التقديرات المتضاربة.

وقد طُرح هذا الاتجاه باعتباره أحد مداخل إصلاح الإدارة والاقتصاد الليبي. لكن الحكومة المنتهية الولاية لا تزال تدير المال العام بعقلية المعاملة الورقية وتعدد قواعد البيانات، ما يفتح الباب أمام الفساد والهدر.

لا انتظار بعد اليوم

ليبيا لا ينقصها النفط، ولا الموقع، ولا الموارد، ولا الفرص. التحدي الحقيقي هو كيف نحول هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج قادر على مواجهة الصدمات، بدل أن تبقى الدولة رهينة لتقلبات النفط والاستيراد. والوقت المناسب للاستعداد للأزمة ليس عندما تقع، وإنما قبل أن تقع.

الحكومة المنتهية الولاية لا تملك لا الشرعية ولا الإرادة ولا الكفاءة لقيادة هذه المرحلة. المواطن الليبي يستحق قيادة جديدة تضع مصلحته فوق كل اعتبار، وتستعد للمستقبل بدل انتظار الكوارث.

المطلوب اليوم ليس انتظار الأزمة، ولا الاكتفاء بوصفها، وإنما بناء خطة تبدأ من الواقع وتضع أهدافاً قابلة للقياس: نحمي النقد الأجنبي، نوسع الإنتاج المحلي، نصلح الدعم دون تحميل المواطن وحده كلفته، نستثمر فوائض النفط، نرقمن الدولة، نربط التنمية بالمزايا الاقتصادية للمناطق، ونقيس كل إنفاق عام بما يضيفه للاقتصاد والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى