ليبيا

“إغلاق مزارع الثعابين”.. خبير مالي يفضح هندسة السوق الموازية ويرسم مساراً لإنقاذ الدينار من عبث حكومة منتهية الولاية

الشحومي: السياسة النقدية في ليبيا راهنت على الإجراءات الإدارية بدل معالجة جذور الأزمة.. وسبعة أهداف لإنقاذ الدينار من الانهيار

ليبيا 24

خبير مالي يدعو لإلغاء الربح الناتج عن السوق الموازية وربط الاعتمادات بالبيانات الجمركية.. ويحذر: مطاردة المضاربين دون إغلاق مصادر التربح عبث مالي

عندما تصبح الأزمة النقدية صناعة منظمة

في مشهد مالي بات يتكرر كل عام في ليبيا، يجد المواطن الليبي نفسه ضحية لسياسات نقدية لم تحقق أهدافها المعلنة، بل راكمت معاناة يومية تتنقل بين ارتفاع الأسعار وتآكل قيمة المدخرات وغياب الثقة في المصارف.

وفي هذا السياق، خرج الخبير المالي سليمان الشحومي بتشخيص صادم لواقع السياسة النقدية في البلاد، مؤكداً أن سنوات من الاعتماد على الإجراءات الإدارية لم تفعل شيئاً سوى خلق حوافز للاستفادة من الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، سواء عبر المخصصات أو الاعتمادات أو ندرة النقد.

الفشل المنهجي: عندما تصبح المعالجة جزءاً من المشكلة

يرى الشحومي أن معالجة السوق الموازية لا تتطلب قواعد أكثر صرامة، بل إلغاء الربح الناتج من وجودها، عبر معالجة ثلاثة عوامل رئيسية: فارق سعر الصرف، وقنوات الوصول الانتقائي إلى العملة الأجنبية، وضعف الثقة بالدينار والمصارف.

هذا التشخيص يكشف أن السياسات المتبعة لم تكن مجرد فشل، بل تحولت إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها. فبدلاً من معالجة الجذور، انشغلت الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة منتهية الولاية، بإدارة الأعراض عبر إجراءات إدارية شكلية لم تغير شيئاً في بنية الاقتصاد الريعي.

سبعة أهداف: خارطة طريق بديلة لإنقاذ ما تبقى

اقترح الشحومي سبعة أهداف للسياسة النقدية، تبدأ بتضييق الفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي إلى مستوى يجعل التحايل غير مربح، مع الاقتراب تدريجياً من سعر يعكس العرض والطلب.

كما دعا إلى توزيع النقد الأجنبي عبر السعر وليس الحصص، من خلال مزادات دورية وشفافة تكون متاحة للمصارف وفق شروط موحدة. وفي خطوة تلامس وجع المواطن مباشرة، شدد على حماية الفئات محدودة الدخل عبر الدعم المباشر بدلاً من دعمها من خلال سعر صرف منخفض تستفيد منه الأطراف الوسيطة والمستوردون.

المحاسبة والشفافية: حيث تنكشف الحقيقة

طالب الشحومي بضرورة قياس نجاح تمويل الواردات بناءً على ما يصل فعلياً إلى السوق، وربط الاعتمادات بالبيانات الجمركية وأسعار السلع.

كما دعا إلى رفع الثقة بالمصارف عبر التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتحسين العوائد على الودائع، وتقليل الاعتماد على النقد، إلى جانب ضبط نمو القاعدة النقدية والتنسيق مع السياسة المالية، وربط الإنفاق الحكومي بإيرادات فعلية للحد من الضغوط على الدينار. وفي بند يلامس جوهر الأزمة، طالب بتعزيز الشفافية من خلال نشر بيانات منتظمة حول مبيعات النقد الأجنبي، والمصارف المشترية، والاحتياطيات، ومسار سعر الصرف.

إغلاق المزرعة قبل مطاردة الثعابين

خلص الشحومي إلى أن معالجة السوق الموازية لا تكون بمطاردة “الثعابين”، وإنما بإغلاق “مزارع تربيتها”، في إشارة إلى ضرورة إزالة الحوافز التي تجعل التحايل والمتاجرة بفارق سعر الصرف نشاطاً مربحاً.

هذه الخلاصة تضع النقاط على الحروف: الأزمة ليست في المضاربين الصغار، بل في المنظومة التي تخلقهم وترعاهم. ومن منظور المواطن الليبي المكلوم، فإن كل يوم يمر دون معالجة جذرية يعني مزيداً من التآكل في القدرة الشرائية، ومزيداً من الثراء على حساب الفقراء، ومزيداً من العبث بمقدرات البلاد من قبل حكومة انتهت ولايتها ووظيفتها، لكنها ما زالت تمسك بمفاصل القرار المالي والنقدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى