ليبيا

ليبيا بين وفرة النفط وشح الخدمات.. أرقام لا تعكس واقع المواطن وملف المحروقات يكشف حجم الفساد

احتياجات المواطنين وطوابير المحروقات تطول وسط فساد مستشري

ليبيا 24

أرقام رسمية تكشف سرقة 2 مليار دولار من عائدات النفط.. وديون عامة تتجاوز 303 مليارات دينار في غياب المحاسبة والمواطن يدفع ثمن الإخفاق

ليبيا النفطية تغرق في الظلام.. 97 مليون لتر بنزين في أسبوع لا تكفي لسد

في مشهد يتكرر صيفاً بعد صيف، يجد المواطن الليبي نفسه أسير طوابير البنزين التي لا تنتهي، وسط انقطاعات متواصلة للتيار الكهربائي تصل إلى أكثر من 24 ساعة في بعض المناطق، بينما تتحدث الأرقام الرسمية عن توزيع مئات الملايين من لترات المحروقات وإيرادات نفطية تقترب من 20 مليار دولار.

فوضى الخدمات التي يعيشها الليبيون اليوم ليست وليدة اللحظة، بل تتويج لسنوات من سوء الإدارة ونهب المال العام وغياب المحاسبة، في وقت تتقاسم فيه النخبة الحاكمة المشهد وتتسابق إلى تبرير الفشل بأعذار واهية، بينما تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً أن المواطن الليبي أصبح الأفقر في المنطقة بالقوة الشرائية، بعد أن تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج إلى نحو 6500 دولار مقابل مستويات تجاوزت 16 ألف دولار في حقب سابقة.

طوابير المحروقات.. أرقام مضخمة وكميات لا تصل إلى المواطن

كشف الإعلامي المتخصص في الشؤون الاقتصادية علي المحمودي، في منشورات رصدها موقع ليبيا 24، عن تناقض صارخ بين كميات المحروقات المعلن توزيعها وما يصل فعلياً إلى المواطن.

وفق البيانات الصادرة عن شركة البريقة خلال الفترة من 15 إلى 22 أغسطس الماضي، بلغت كميات البنزين الموزعة 97 مليون لتر، وهي كمية قال المحمودي إنها تفترض تزويد نحو 1.62 مليون سيارة بمعدل تعبئة 60 لتراً للسيارة الواحدة، في حين أن عدد السيارات في ليبيا يبلغ نحو 2.5 مليون سيارة.

والأكثر إثارة للدهشة أن كميات الديزل المعلن توزيعها بلغت 107 ملايين لتر، وهي كمية كان من المفترض أن تغطي احتياجات ما يزيد على 267 ألف سيارة بمعدل 400 لتر لكل سيارة.

لكن الواقع على الأرض يؤكد أن هذه الكميات لا تعكس ما يصل فعلياً إلى المواطن، إذ يؤكد المحمودي أن جزءاً كبيراً من المحروقات يتسرب إلى السوق الموازية ويُهرّب إلى الخارج، وهو ما تؤكده استمرار الطوابير وارتفاع أسعار البنزين والديزل في السوق السوداء، حيث يبلغ سعر لتر الديزل 9 دنانير مقابل سعر رسمي مدعوم لا يتجاوز 0.15 دينار.

ولم تقتصر المفارقات على ذلك، بل إن بيانات المؤسسة الوطنية للنفط تشير إلى توريد محروقات بقيمة 38 مليار دينار، إضافة إلى تكرير محروقات داخل البلاد بقيمة تتجاوز 10 مليارات دينار، بينما يعاني المواطن من شح حاد في الوقود وانقطاع الكهرباء وتوقف منظومة النهر الصناعي، وهو ما يطرح سؤالاً مصيرياً: أين تذهب هذه الكميات الهائلة من المحروقات؟

الاقتصاد الليبي بين الأرقام الرسمية والواقع المرير

يشير تقرير تحليلي لديوان المحاسبة إلى اختفاء نحو 2 مليار دولار من عائدات النفط، إذ باعت المؤسسة الوطنية للنفط خاماً بقيمة 18.7 مليار دولار، أحالت منها 15.7 ملياراً إلى المصرف الخارجي، الذي أحال بدوره 11.1 مليار دولار إلى مصرف ليبيا المركزي. هذا التباين في الأرقام يثير تساؤلات مشروعة حول مصير المليارات التي تتبخر في طرق الإنفاق الحكومي دون رقيب أو محاسب.

وفي سياق متصل، كشف الخبير الاقتصادي منذر الشحومي أن مشكلة الاقتصاد الليبي ليست في العجز أو الدين بحد ذاتهما، بل في غياب النمو الحقيقي المرتبط بهما.

وأوضح الشحومي أن الدين العام قفز من مستويات شبه معدومة إلى نحو 303 مليارات دينار، بما يعادل قرابة 146% من الناتج المحلي، دون أن ينعكس هذا الدين في نمو اقتصادي ملموس.

وأضاف أن عرض النقود نما بأكثر من 400 ضعف منذ عام 1969 دون زيادة مماثلة في الإنتاج، لتتضاعف كمية الدينارات المتداولة من 0.5 مليار دينار إلى 203 مليارات دينار، بينما نما الناتج الحقيقي بنحو 1.6 مرة فقط، بالتزامن مع تضاعف عدد السكان بنحو 3.9 مرات، لتنهار بذلك القوة الشرائية للمواطن الليبي بمعدل ثلاثة أضعاف عما كانت عليه في السابق.

سعر الصرف وفجوة الثقة بالدينار

يعكس تدهور سعر صرف الدينار الليبي حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، إذ انتقل سعر الصرف الرسمي من نحو 0.36 دينار للدولار إلى 6.36 دنانير، في الوقت الذي يتجاوز فيه سعره في السوق الموازية 9 دنانير.

ويرى الشحومي أن الفارق الذي يصل إلى نحو 46% بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية ليس مجرد مضاربة، بل انعكاس لاقتصاد ينتج الدينارات بوتيرة أكبر من قدرته على إنتاج السلع والخدمات، مشيراً إلى أن سرعة دوران النقود تراجعت من نحو 2.5 إلى قرابة 1.5 بالتزامن مع اكتناز نحو 70% من النقود خارج القطاع المصرفي. وأكد أن هذه الفجوة تعكس ضعف الثقة في الدينار والاقتصاد الوطني.

شبح البطالة وسوق العمل المشوه

في وقت تتحدث فيه منظمة العمل الدولية عن نسبة بطالة تبلغ 50.1% بين فئة الشباب، شكك عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة في هذه الأرقام، موضحاً أن من هم في سن العمل يبلغون نحو أربعة ملايين، يعمل أكثر من مليونين ومائتي ألف منهم لدى الدولة، إلى جانب العاملين في القطاع الخاص المحدود.

ورغم ذلك، يبقى المشهد الأكثر إثارة للقلق هو ما وصفه عضو مجلس النواب محمد العباني بـ”البطالة النوعية”، التي تنجم عن رفض قطاع واسع من الشباب الانخراط في مهن متاحة بسوق العمل، كالتمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات، بحجة أنها “لا تليق بمركزهم الاجتماعي”، ما مهد للعمالة الوافدة الاستحواذ على 99% من هذه المهن.

دعم المحروقات بين خط الفقر وموازين القوى

أثار ملف دعم المحروقات جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية والاقتصادية، ففي الوقت الذي يطالب فيه البعض بإلغاء الدعم، يحذّر عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية من تداعيات هذا القرار التي وصفها بـ”المحرقة”، مؤكداً أن ارتفاع أسعار الوقود سينعكس على تكلفة النقل وتشغيل الآلات الزراعية، ومن ثم أسعار الخبز والمشروبات واللحوم والفواكه والخضروات، ما سيؤدي إلى موجة تضخمية تمس مختلف شرائح المجتمع.

وتأكيداً لهذا الطرح، أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة صقر الجيباني أن خط الفقر في ليبيا يبلغ نحو 1315 ديناراً شهرياً للفرد، وفق معايير البنك الدولي، مشيراً إلى أن الفقراء وفق مقياسي الدخل والخدمات يمثلون السواد الأعظم من المجتمع، وأن دعم المحروقات بات خط دفاعهم الأخير أمام وقوعهم في دائرة الفقر المدقع.

كهرباء تنقطع.. ونفط يزداد إنتاجاً

تتعمق المفارقة أكثر في قطاع الطاقة، إذ تشير المتخصصة في الأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية روضة المعلاوي إلى أن إنتاج النفط الليبي وصل في 21 يونيو الماضي إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، ومع ذلك لم يكن هذا الارتفاع كافياً لإنهاء أزمة الكهرباء، حيث شهدت مناطق واسعة من البلاد انقطاعات متزايدة خلال موجة الحر، مما دفع كثيراً من المواطنين إلى الاعتماد على المولدات ومصادر بديلة.

وأرجعت المعلاوي الأزمة إلى هشاشة البنية التحتية ونقص الاستثمار والصيانة جراء سنوات الصراع، إضافة إلى تعطل إمدادات الغاز التي تغذي محطات التوليد، كما حدث في يوليو الماضي إثر اقتحام محتجين مجمع مليتة للنفط والغاز. من جانبه، أكد وزير الخارجية في حكومة “الإنقاذ” السابقة عبدالحميد النعمي أن المشكلة مرتبطة بصناعة البتكوين والعملات المعدنية التي تستهلك كميات خيالية من الطاقة، مشيراً إلى أن الفراغ السياسي ينتج بيئة خصبة لرواج هذه الصناعة شأنها شأن المخدرات وتهريب الوقود والهجرة غير الشرعية.

فساد مصرف ليبيا المركزي.. حكاية هدم مؤسسة

في تطور خطير، كشف الإعلامي علي المحمودي أن مصرف ليبيا المركزي يعمل اليوم بمنظومات بديلة نتيجة الاختراق الذي تعرض له في بداية يونيو الماضي، مع تكتم تام عن حجم هذا الاختراق وتبعاته، وأضاف أن المركزي يعاني نقصاً كبيراً في الكفاءات، إذ تحولت إداراته إلى هياكل مفرغة من الكوادر المؤهلة، مع حملة إقصاء واسعة طالت العناصر الوطنية في المؤسسة.

وانتقد المحمودي بشدة أداء المحافظ ناجي عيسى، واتهمه بتحويل المصرف المركزي إلى مصرف تجاري وتجاهل آراء الخبراء الاقتصاديين، والغض الطرف عن تغوّل رجال الأعمال في تملك المصارف التجارية، واصفاً ما حدث بأنه “تدمير ممنهج للمركزي”.

وذهب المحمودي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ناجي عيسى ساهم في سرقة مدخرات المواطنين من خلال اعتماده على الحملات الإعلامية بدلاً من التصريحات النقدية المتزنة، وفرض ضرائب ورسوم على بيع النقد الأجنبي وتغييرات متكررة لسعر الصرف أضعفت الثقة في الدينار، مشيراً إلى تحويل المركزي إلى لعبة في يد مجموعة متسلطة.

تقشف من أصحاب القرار.. دعوات تنادي بالإنقاذ

في ظل هذا المشهد القاتم، دعا السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا عادل عيسى إلى تبني إجراءات تقشفية شاملة لمدة لا تقل عن عامين، تبدأ من مؤسسات الدولة وأصحاب المناصب العليا.

واقترح عيسى خفض مرتبات ومزايا شاغلي المناصب العليا في المؤسسات التشريعية والرقابية ومجلس الدولة والحكومة، ووضع سقف للمرتبات لا يتجاوز 4 آلاف دينار، مع إعادة النظر في التعيينات الحكومية ووقف التوسع غير الضروري في الجهاز الإداري. وشدد عيسى على ضرورة ألا يتحمل المواطن فاتورة سنوات من سوء الإدارة والإنفاق غير المنضبط.

إدارة النفط بين الكفاءة المطلوبة والواقع المأزوم

أكد الخبير القانوني في المجال النفطي عثمان الحضيري أن الدول النفطية لا تقاس بحجم احتياطياتها فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة مكامنها بكفاءة واستدامة، مشيراً إلى أن تنمية الاحتياطيات النفطية تتطلب إدارة كفؤة ومهنية ومتخصصة وطنية تمتلك الرؤية والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات اللازمة للحفاظ على الثروة النفطية للأجيال القادمة.

جراح المواطن الليبي.. بين وعود الحكام وواقع الفساد

يظل المشهد الاقتصادي والاجتماعي في ليبيا مرآة تعكس حجم الفساد وسوء الإدارة اللذين ينهكان مقدرات الدولة، فبينما تعلن المؤسسات الرسمية عن أرقام فاقت التوقعات في الإنتاج النفطي والعائدات، يعاني المواطن انقطاع الكهرباء وطوابير البنزين وشح مياه الشرب، في مشهد يجسد فشل النموذج الاقتصادي الريعي في تلبية أبسط احتياجات المواطن.

إن استمرار غياب المحاسبة، وتغول النخبة الفاسدة على مؤسسات الدولة، وتردي الخدمات الأساسية، كلها مؤشرات خطيرة تنذر بمستقبل قاتم، ما لم يتم إحداث تغيير جذري في سياسات الحوكمة المالية والشفافية ومكافحة الفساد، وإعادة توجيه الإنفاق العام من الاستهلاك إلى الاستثمار، والبدء فعلياً ببناء دولة المؤسسات التي تضع المواطن في قلب أولوياتها.

فالمطلوب اليوم ليس مجرد قرارات تقشفية أو إصلاحات شكلية، بل إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء الدولة الليبية على أسس سليمة تكفل العيش الكريم لكل مواطن، وتستعيد الثقة في مؤسساتها وقدرتها على توفير الخدمات الأساسية وتحقيق التنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى