العدالة تنتصر والشارع يبارك.. القضاء العسكري يقصم ظهر الإرهاب يرد الحقوق إلى أهلها ويغلق ملفات طال انتظارها
الشارع الليبي يبارك تنفيذ القصاص في قتلة الأبرياء.. وانتقادات لاذعة لمن يصفون الإرهابيين بـ"المعارضين السياسيين
ليبيا 24
العدالة تنتصر في ليبيا: إعدام 10 إرهابيين يرد الحقوق إلى أهلها ويغلق ملفات طال انتظارها
مشهد العدالة يترسخ في شرق ليبيا
في خطوة وصفت بأنها تاريخية في مسار مكافحة الإرهاب، أعلن مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، الأحد، تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بحق عشرة مدانين بارتكاب جرائم إرهابية واغتيالات طالت عسكريين ومدنيين.
وجاء تنفيذ الأحكام استناداً إلى أحكام قضائية نهائية وباتة صادرة عن المحكمة العسكرية العليا، عقب مداولات قضائية استمرت لسنوات طويلة.
وأكد البيان الصادر عن المكتب استيفاء كافة الإجراءات القانونية بين الادعاء والدفاع، والتي انتهت بإثبات التهم المنسوبة إلى المتهمين، والتي تراوحت بين الانتساب إلى تنظيمات إرهابية محظورة وارتكاب جرائم اغتيال بحق عسكريين ومدنيين.
وشدد المدعي العام العسكري على أن تنفيذ الأحكام جاء في إطار تحقيق العدالة وردع كل من تسوّل له نفسه الانتساب إلى التنظيمات الإرهابية المحظورة محلياً ودولياً، وفق التشريعات الليبية النافذة.
دماء الشهداء لا تُنسى.. وعيون الأطفال شاهدت الإرهاب
لم تكن هذه الإعدامات مجرد إجراءات قضائية في نظر الليبيين، بل كانت لحظة انتظارها الآباء والأمهات والأبناء طويلاً.
فمن بين المعدومين الذين نفذ فيهم الحكم، كان عبدالرازق ناصف بطاو، المكنى “عروة”، أحد أبرز عناصر تنظيم داعش في مدينة درنة.
هذا الإرهابي الذي شارك في أحداث فبراير 2011 والتحق بمجلس شورى شباب الإسلام قبل أن ينضم إلى تنظيم داعش في أكتوبر 2014، كان ضلوعه في عمليات خطف وتصفية وقتال الجيش بين عامي 2014 و2015 معروفاً.
الأكثر إيلاماً أن هذا الإرهابي ألقي القبض عليه في 26 ديسمبر 2016 بعد محاولته الفرار متخفياً في زي نسائي “نقاب” برفقة زوجته وأبنائه ووالدته.
لكن التاريخ لم ينسَ، والذاكرة الليبية لا تغفر. ففي مشهد هزّ ضمير الأمة، ظهر عبدالرازق ناصف في مادة مرئية بثتها إحدى القنوات المتلفزة وهو يحدد مواقع دفن ضحايا الإرهاب في “غابة بومسافر” بدرنة، حيث انتشل الهلال الأحمر تسع جثامين من ضحاياه.
شهادات من قلب المعاناة.. حين يروي الطفل مأساته
في مشهد مؤلم يجسد وحشية الإرهاب، كتب أحد أبناء الشهداء شهادته التي هزت المشاعر، قائلاً: “في يوم اغتيال الوالد كنت حاضر الموقف، وكنت وقتها عمري 11 سنة.
بعد عملية الاغتيال قعدت نص ساعة تلا جثمان بوي والناس اتفرج من بعيد وخايفة تقرب مني، وفي وقتها كلاب أهل النار مقالوش عيب وحرام وماتجش وشن ذنب هله وغيره وغيره.
واليوم نلقو أبواق الخوارج وهلهم واجعينهم عيالهم وايعيطوا يقولوا شن ذنبنا. لاكن الحمدلله الدنيا تدور ومازالت تدور”.
هذه الشهادة ليست مجرد رواية، بل هي سجل حي لجريمة إرهابية حدثت أمام مرأى طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، حين اغتيل والده العقيد صالح عبدالرحيم الحاسي بدم بارد أمام ناظريه.
ذلك العقيد الذي أكمل دراسته الثانوية فتم توجيهه إلى الكلية العسكرية كما يحدث في كل دول العالم، وتدرج فيها حتى وصل إلى رتبة عقيد، وكان يعتبرها مهنته التي يأكل منها عيشه هو وأسرته.
لكن الإرهابيين من الجهلة والمتخلفين اعتبروا كل عسكري أو شرطي أو رجل قضاء وقانون طاغوتاً ومخالفاً للملة، فأباحوا قتلهم وقطع رؤوسهم والتمثيل بجثثهم.
الانقسام في الخطاب الإعلامي.. ازدواجية المعايير
أثار تنفيذ الأحكام ردود فعل متباينة كشفت عن ازدواجية معايير واضحة في التعامل مع الإرهاب. ففيما رحبت الأوساط الشعبية الواسعة في ليبيا بهذه الخطوة، أبدت بعض الأصوات الإعلامية والسياسية، وخاصة تلك الموصوفة بأنها “أبواق المتأسلمين”، استياءً واضحاً، واصفة المعدومين بأنهم “معارضون سياسيون” أو “سجناء رأي”.
وهو ما علق عليه مراقبون بأنه “المنتسبون لتنظيم داعش والقاعدة والذين ارتكبوا جرائم قتل وإرهاب، عندما تحكم عليهم محاكم مصراتة وطرابلس هم إرهابيون، أما عندما تحكم عليهم محاكم برقة فهم معارضون سياسيون”.
هذا التناقض الصارخ في الخطاب لم يمر دون أن يثير حفيظة النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، حيث كتب أحدهم: “الكلاب تنبح من داخل وخارج ليبيا على تنفيذ حكم إعدام دوا…عش المفخخات والاغتيالات”.
واعتبر آخر أن “أبواق الخوارج وهلهم واجعينهم عيالهم” الذين يبكون على الإرهابيين هم أنفسهم من سكتوا عن جرائمهم عندما كانت رؤوس الأبرياء تُذبح في ساحات المدن.
القضاء خط أحمر.. دعوات لاستقلال السلطة القضائية
وفي تحليل سياسي وقانوني للأحداث، قالت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، إن “الدعوة إلى إخضاع القضاء الليبي لرقابة جهات خارجية ليست دعوة بريئة، بل هي طرح فاسد يمس استقلال السلطة القضائية ويقوض سيادتها، وينتزع من الليبيين واحداً من آخر ميادين القرار الوطني المستقل”.
وأضافت البركي في تدوينة لها: “مثل هذه الدعوات، بما تنطوي عليه من مساس بالسيادة الوطنية واستقلال القضاء، تقترب من دائرة الخيانة، ويجب أن ينظر إلى أصحابها بعين الريبة وأن تفحص دوافعهم وغاياتهم بعناية”.
وحول الانتقادات الموجهة إلى القضاء العسكري، قالت البركي: “القضاء خط أحمر، دونه الموت، وتأليب الرأي العام ضد السلطة القضائية ليس رأياً بل جريمة تستوجب المحاكمة. ومن يقف ضد قضائنا عدو لا يختلف عمن يقف ضد الجيش أو يستهدف المدنيين”.
من معارضة سياسية إلى إرهاب.. قراءة في التناقضات
الإعلامي خليل الحاسي، في منشور له عبر صفحته على فيسبوك، سخر من تحويل الإرهابيين إلى “معارضين سياسيين”، قائلاً: “تاريخياً، المرة الوحيدة التي تحصل فيها أفراد تنظيم القاعدة وداعش الإرهابيين فتحي وعلّوش… الخ على لقب المعارضين السياسيين حدثت في ليبيا”. وتساءل ساخراً: “كيف لم يعرفوا فتحي ونصيب وغيرهم؟ كل العالم يستخدم الطائرات والصواريخ مع الإرهابيين ولا شيء غير ذلك”.
وأشار الحاسي إلى مفارقة غريبة، قائلاً: “بحسب ما سمعت، فقد قامت محكمة عسكرية بإنهاء مشوار ‘شباب مدنيين’ إرهابيين نعرفهم شخصياً بأسمائهم وصفاتهم – خصوصاً فتوحة – شباب روعة زي الورد كانوا في درنة يطبقون قوانين دار الكفر ودار الإيمان ومبدأ الحاكمية وقتل المرتدين الذين لا يحكمون بغير ما أنزل الله من القضاة والشرطة وغيرهم”. وتابع بسخرية لاذعة: “خسارة هائلة لليبيا… بوجودهم كانت ستكون برقة أجمل وأعظم إمارة إسلامية في شمال أفريقيا”.
واستذكر الحاسي المشاهد المؤلمة قائلاً: “لن ننسى يوم جاء أميرهم العراقي وسام الزبيدي وكيف بايعوه في ساحة نادي دارنس والصحابة مرتين ونصّبوه أميراً علينا وكأننا بلا أهل ولا تاريخ ولا حاضر. ولن أنسى احتقارهم لنا عندما كانوا يغتالون القضاة والمحامين ورجال الشرطة في وضح النهار بوجوه مكشوفة ولم يكلفوا أنفسهم حتى عناء ارتداء اللثام”.
موقف وطني صارم من الإرهاب
من جانبه، أكد المتحدث باسم المجلس الرئاسي السابق محمد السلاك، في منشور له، أن من يقتل ويفجر ويتلو أناشيد القاعدة ويرفع علمها الأسود لا يمكن وصفه بـ”معارض سياسي” بأي حال من الأحوال.
وقال السلاك: “لست مع التعميم ولا تصنيف كل خصم سياسي أنه إرهابي، وضد الإقصاء والاستبداد بكل أشكاله وصوره على طول الخط، وأؤمن بحرية اعتناق الأفكار وتباين الانتماءات طالما التزمت الإطار السلمي.
ولكن! كيف تطلب مني أن أكون موضوعياً ومنصفاً مع مجموعة ترفع علم تنظيم القاعدة وتتبنى أفكارها وتقاتل جنباً إلى جنب مع شخص من دولة مجاورة على أرض بلادي؟ ناهيك عن أن هذا الشخص متهم بتخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية في أكثر من دولة ومطلوب دولياً؟ حتى العقل يشكرو فيه!”
رسالة حازمة إلى العالم
رسالة اليوم واضحة: ليبيا التي دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها في حربها ضد الإرهاب، لن تسمح لأي كانت بتطبيع جرائم القتل أو تحويل الإرهابيين إلى ضحايا. فكما قال أحد ذوي الشهداء: “لا يمكن أن تزهق دماء الأبرياء ثم تطوى صفحات الإرهاب وكأن شيئاً لم يكن… اليوم ترد الحقوق إلى أهلها وتغلق ملفات طال انتظارها، ولا إفلات من العقاب، ولا حصانة أمام القانون، ولا نسيان لدماء الشهداء.
فالتحية للقيادة العامة للقوات المسلحة، وللمشير خليفة حفتر الذي أوفى بعهده ولم ينس دماء الأبرياء وحقوق من سقطوا دفاعاً عن الوطن… عهد قطع، ووعد تحقق، والعدالة قالت كلمتها”.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستكون هذه الإعدامات بداية لطي صفحة الإرهاب في ليبيا، أم أن المعركة مع الفكر المتطرف ستظل مستمرة؟
المؤكد أن العدالة الليبية أثبتت اليوم أنها قادرة على الفصل في ملفات الإرهاب، وأن من يظن أن الأيام تمضي دون حساب فقد أخطأ في التقدير. فاليوم، كما قال أحد النشطاء، “إعدام الخوارج هذا اليوم أزاح كثيراً من الحزن على قلوب من كانت رؤوس أحبائهم كرة يتلاعب بها هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً باسم الدين”.



