“سيناريو مكشوف”.. لماذا تروّج إسرائيل لرواية “اختطاف طائرة فلاي دبي” وهل هي مقدمة لحدث أكبر؟
من "خلل تقني" إلى "طيار عماني يحاول إسقاط الطائرة".. كيف تحوّلت رواية الحادث في ساعات معدودة؟ ومن المستفيد من هذه البلبة الإعلامية؟
ليبيا 24
تضارب في الروايات وتوقيت مريب.. إسرائيل تطلق “قنبلة الاختطاف” في وقت حساس والتفاصيل تثير أكثر من علامة استفهام
رواية تبحث عن تصديق
في غضون ساعات قليلة، تحوّل حادث طيران واحد إلى واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في الإعلام العبري والعالمي، بعدما تلاحقت الروايات وتضاربت التفاصيل حول ما جرى على متن طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” كانت في طريقها من دبي إلى تل أبيب.
وبينما كان المتوقع أن تكتفي السلطات الإسرائيلية بإصدار بيان رسمي موحد يوضح ملابسات الحادث، وجدنا أنفسنا أمام سيل من التسريبات والتقارير المتضاربة التي تتراوح بين “خلل تقني” و”محاولة اختطاف” و”طيار عماني حاول إسقاط الطائرة”، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول التوقيت والدوافع.
تضارب الروايات: من الخلل التقني إلى الاختطاف
بدأت القصة برواية أولية نقلتها القناة الثانية عشرة العبرية، التي أشارت إلى “مؤشرات متزايدة” على أن ما حدث على متن الطائرة ناتج عن خلل تقني، ولا يتعلق بحدث أمني.
غير أن هذه الرواية سرعان ما تبخرت أمام تقارير لاحقة تحدثت عن “اشتباك دموي” بين طيارين، أحدهما يحمل جنسية سلطنة عمان، حاول طعن زميله والسيطرة على الطائرة بهدف إسقاطها.
وبين هاتين الروايتين، ظهرت تفاصيل أخرى عن “إشارات استغاثة” و”هبوط بنحو أربعة آلاف متر” و”تدخل ركاب إسرائيليين للسيطرة على الطيار”، في تناقض صارخ مع الفرضية التقنية الأولية.
هذا التضارب السريع في الروايات يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان الحادث مجرد خلل تقني، فلماذا الحديث عن دماء على ملابس الركاب؟ وإذا كان محاولة اختطاف مدبرة، فلماذا لم تعلن السلطات الإسرائيلية ذلك رسمياً منذ اللحظة الأولى بدلاً من ترك المجال مفتوحاً للتكهنات؟
التوقيت المريب: لماذا الآن؟
لا يمكن قراءة حادث طائرة “فلاي دبي” بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الراهن. فإسرائيل تمر بمرحلة حساسة على أكثر من صعيد: ضغوط دولية متزايدة بشأن ملف غزة، وحراك دبلوماسي في المنطقة، ومفاوضات معقدة حول قضايا إقليمية كبرى. وفي مثل هذه اللحظات، تبدو الحاجة إلى “حدث أمني كبير” يشتت الانتباه ويستدعي التعاطف الدولي أمراً منطقياً في حسابات بعض الحكومات.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام حادث حقيقي تم تضخيمه إعلامياً، أم أمام سيناريو معد مسبقاً يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية محددة؟ وما الذي تغيّر في الساعات الأخيرة حتى تتحول رواية “الخلل الفني” إلى رواية “الاختطاف الإرهابي” في غضون ساعات؟ أسئلة مشروعة في ظل غياب أي بيان رسمي موحد حتى اللحظة.
لعبة تسريب المعلومات: من يحركها؟
اللافت في هذا الحادث هو الكم الهائل من التسريبات المتضاربة التي تتناقلها وسائل الإعلام العبرية، كل منها يقدم رواية مختلفة تماماً عن الأخرى.
فبينما تحدثت “جيروزاليم بوست” عن طيار “طعن” زميله وحاول إسقاط الطائرة، تحدثت القناة الخامسة عشرة عن “طيار عماني” أراد “سرقة الطائرة”، في حين نقلت القناة الثانية عشرة عن مسؤولين إسرائيليين أن الحادث “خلل تقني لا غير”.
هذا التنوع في الروايات ليس ظاهرة صحية في التعامل مع حدث أمني بهذا الحجم، بل يشير إلى حالة من الارتباك أو ربما إلى عملية “فرش” إعلامي ممنهج يهدف إلى اختبار ردود الفعل قبل حسم الرواية النهائية.
والأخطر من ذلك، أن هذه الروايات المتضاربة تنتشر بسرعة البرق في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول مقاطع فيديو غير مؤكدة وصور يقال إنها لركاب “ملطخة ملابسهم بالدماء”، دون أي تحقق ميداني أو مصدر رسمي موثوق.
وهو ما يذكرنا بسيناريوهات سابقة استُخدمت فيها مثل هذه “الأحداث الأمنية” لتمرير قرارات سياسية أو عسكرية كان يصعب تمريرها في الظروف العادية.
الأهداف الخفية: ماذا تريد إسرائيل من هذه البلبة؟
إذا افترضنا جدلاً أن الرواية الإسرائيلية الرسمية عن “محاولة اختطاف” صحيحة، فما هو الهدف من إخراجها بهذا الشكل الدراماتيكي؟ هناك عدة احتمالات:
أولاً: خلق حالة من الاستنفار الأمني الداخلي لتبرير إجراءات قاسية قد تشمل تشديد القيود على الفلسطينيين أو العرب داخل إسرائيل، أو فرض قيود جديدة على السفر والتنقل.
ثانياً: استخدام الحادث كورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية الجارية، لا سيما مع دول الخليج، عبر التلويح بوجود “تهديدات أمنية” تنطلق من أراضيها أو تمر عبر أجوائها.
ثالثاً: تصدير أزمة داخلية عبر افتعال حدث أمني كبير يشغل الرأي العام العالمي ويصرف الانتباه عن ملفات حساسة أخرى، مثل الحرب على غزة أو الانتهاكات في الضفة الغربية.
رابعاً: خلق ذريعة لتعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق حساسة، أو لتبرير عمليات عسكرية جديدة تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”.
الدروس المستفادة: كيف نقرأ مثل هذه الأحداث؟
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، لم يعد كافياً أن نأخذ الروايات الرسمية على أنها مسلمات. فالتاريخ الحديث مليء بحوادث أمنية كبرى ثبت لاحقاً أنها كانت مفتعلة أو مبالغاً فيها لتحقيق أهداف سياسية.
ومن هنا، فإن قراءة حادث طائرة “فلاي دبي” يجب أن تكون قراءة نقدية متأنية، تطرح الأسئلة قبل أن تتبنى الإجابات، وترفض الانسياق خلف الروايات الجاهزة التي تخدم أجندات محددة.
فالحقيقة في مثل هذه الحالات لا تُبنى على تسريبات متضاربة أو مقاطع فيديو غير مؤكدة، بل على تحقيقات مستقلة وبيانات رسمية موثوقة. وطالما أن هذه الشروط غائبة، فإن كل ما يُقال عن “الاختطاف” أو “الطيار العماني” أو “الاشتباك الدموي” يبقى في دائرة الافتراض الذي يحتمل الصدق والكذب، ويخدم في المقام الأول من يروج له.



