العباني: موازين القوة تتقدم على القانون في ليبيا… وكتلة التوافق الوطني تدفع نحو تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب
في ظل حكومة منتهية الولاية... نواب يبحثون عن إصلاح القواعد لإنقاذ المسار التشريعي والمواطن يدفع الثمن
ليبيا 24
ليبيا: حين يحكم الأمر الواقع… قانون غائب وسلاح حاضر ومواطن يبحث عن اللطف
مشهد السياسة الليبية
في بلد يفترض أن يؤطره الدستور، وتكون فيه المؤسسات والقواعد الدستورية مرجعًا لصناعة القرار، يجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا.
عضو مجلس النواب الدكتور محمد عامر العباني يصف المشهد بدقة بالغة: السياسة غالبًا ما تكون انعكاسًا لطبيعة البيئة التي تُمارَس فيها، وللقواعد والقوى التي تحكم تلك البيئة.
ففي الدولة التي يؤطرها الدستور، يكون القانون ناظمًا للحياة السياسية. أما في بيئة الأمر الواقع، فتتراجع مكانة القانون أمام موازين القوة، وتصبح المصالح الخاصة والاستقواء بالسلاح من العوامل المؤثرة في صناعة السياسة وتوجيه القرار.
البيئة السياسية: الأمر الواقع بدل القانون
يقول العباني إن السياسة في بلاده، للأسف الشديد، لا تزال محكومة إلى حد بعيد بمنطق الأمر الواقع؛ حيث تتقدم موازين القوة على قواعد القانون، ويصبح النفوذ معيارًا مؤثرًا في تحديد مساحات الفعل السياسي وحدود القرار.
وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الاحتكام إلى القانون كافيًا لحماية الحقوق أو ضمانها، ويجد من لا يملك أدوات القوة نفسه أمام واقع يفرض عليه قدرًا من الحذر والانكفاء؛ فيُحكم إغلاق باب بيته، ولا يسأل الله ردَّ القضاء، وإنما يسأله اللطف فيه.
هذا الوصف الدقيق يعكس حال المواطن الليبي المكلوم، الذي لم يعد يجد في القانون ملاذًا، ولا في المؤسسات سندًا، بعد أن تحولت حكومة منتهية الولاية إلى عبء ثقيل على حياته اليومية.
الدولة والمؤسسات: القوة فوق الجميع
يشدد العباني على أن الدولة لا تستقيم بمجرد وجود القوانين، وإنما تستقيم حين يكون القانون هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، وحين تكون قوة الدولة ومؤسساتها فوق قوة الأفراد والجماعات، لا العكس.
هذه القاعدة الذهبية تختصر جوهر الأزمة الليبية، حيث تحولت المجموعات المسلحة إلى قوى فوق الدولة، وأصبحت الحكومة المنتهية الولاية عاجزة عن بسط سلطة القانون، بل متواطئة في كثير من الأحيان مع من يملكون أدوات القوة.
إصلاح مجلس النواب: القواعد قبل الأشخاص
يقدم العباني تشبيهًا بالغ الدلالة: تغيير خطوط السكة الحديدية كفيل بتغيير وجهة القطار، أما تغيير القطار وحده فلن يؤدي إلا إلى المرور بالمحطات ذاتها. وهكذا هو حال المرفق الإداري العام؛ فالنظام الداخلي هو الذي يرسم مساره ويحدد آليات عمله، إذ لا يملك رئيسه إلا التقيد بأحكامه، ما لم تكن هناك مساحة قانونية تتيح عدم الالتزام به.
ومن هنا، فإن إعادة النظر في النظام الداخلي لمجلس النواب، الصادر بالقانون رقم (04) لسنة 2015م، يمكن أن تسهم في إصلاح وتطوير أداء المجلس، بغض النظر عمن يتولى رئاسته.
ويؤكد أن تعديل النظام الداخلي الحالي يمثل مطلبًا رئيسيًا لكتلة التوافق الوطني، التي أعدّت مقترحًا بهذا الشأن، انطلاقًا من قناعة بأن إصلاح القواعد المنظمة للعمل هو المدخل الحقيقي لإصلاح الأداء.
الشرعية: مجلس 2014 هو السلطة التشريعية الوحيدة
يذكّر العباني بأن مجلس النواب المنتخب في عام 2014م، في انتخابات شهد بصحتها القاصي والداني، هو السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد، وفقًا للإعلان الدستوري الصادر في الثالث من أغسطس 2011م.
ولم يألُ مجلس النواب جهدًا في القيام بالواجبات المنوطة به، وهو بهذه الصفة قام بشرعنة اتفاق لجنة 4+4، ليصبح وثيقة دستورية قابلة للعمل بها، بهدف إخراج البلاد من أزمتها السياسية، من خلال توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وتعاطيًا مع التوجهات السياسية، وحتى لا يكون حجر عثرة أمام حلحلة الأزمة السياسية، فإن مجلس النواب دائمًا في الموعد، ولن يتأخر.
الاقتصاد والمواطن: من يدفع الثمن؟
في خضم هذا المشهد السياسي، يدفع المواطن الليبي الثمن. الحكومة المنتهية الولاية، التي ما زالت تتشبث بالسلطة رغم انتهاء ولايتها، لم تنجح في توفير حياة كريمة. الاقتصاد يعاني من غياب القانون وهيمنة منطق القوة. المواطن الذي يُغلق بابه ويسأل الله اللطف هو ذاته المواطن الذي ينتظر انتخابات قد تعيد الشرعية وتنهي حالة الأمر الواقع.
غياب الدستور الذي يؤطر الحياة السياسية يعني أن المال العام يبقى رهينة موازين القوة، ومشاريع التنمية تبقى معلقة. المواطن، الذي عانى من سنوات الصراع والانقسام، يستحق دولة يكون فيها القانون هو المرجع، والمؤسسات فوق الأفراد.
الأمن: السلاح فوق القانون
المشهد الأمني انعكاس للمشهد السياسي. عندما تتقدم موازين القوة على قواعد القانون، يصبح السلاح أداة ضغط سياسي ووسيلة لفرض النفوذ. مؤسسات الدولة تضعف أمام الجماعات المسلحة، والمواطن يجد نفسه بلا حماية.
كلمات العباني تحذير صارخ: الدولة لا تستقيم حين يكون الأفراد والجماعات أقوى منها. استعادة هيبة الدولة تتطلب أولًا استعادة سيادة القانون، وتعديل القواعد المنظمة للعمل السياسي.
تغيير السكة قبل القطار
تشخيص العباني ليس مجرد وصف للواقع، بل خارطة طريق. إصلاح النظام الداخلي لمجلس النواب خطوة نحو إصلاح الحياة السياسية. تغيير الخطوط يغير وجهة القطار. المواطن الليبي، الذي عانى كثيرًا، ينتظر دولة يكون فيها القانون هو المرجع، والمؤسسات فوق الأفراد، وقوة الدولة فوق الجميع.
مجلس النواب، بصفته السلطة التشريعية الوحيدة، مطالب بتحمل مسؤوليته في هذه اللحظة التاريخية، وأن يكون، كما عهدناه دائمًا، في الموعد.



