ليبيا

دولار المواطن يشعل «معركة اقتصادية» في ليبيا بين الإنصاف ومخاطر السوق السوداء

مقترح بيع الدولار للمواطن يفتح نقاشاً وجودياً حول عدالة التوزيع

ليبيا 24

اقتصاديون يحذرون من تضخم وتهريب.. ومقترحون يتمسكون بحق الأسرة

حين يصبح الدولار سؤال المواطن لا سؤال التاجر

في مشهد اقتصادي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، تصاعد داخل أروقة الدولة الليبية نقاش غير مسبوق حول الطريقة المثلى لتوزيع النقد الأجنبي، بعد أن كشف اجتماع اللجنة الاقتصادية والمالية بالمجلس الأعلى للدولة مع التجار والموردين وأصحاب العلامات التجارية عن اختناقات حقيقية تعصف بمنظومة الاعتمادات المستندية، وعن عجز الآليات الحالية عن ضمان وصول النقد الأجنبي إلى مستحقيه، في وقت تتكدس فيه آلاف الاعتمادات المغطاة دون إفراج، وتتركز مخصصات التوريد في أيدٍ محدودة، وتتحول رحلة الحصول على الدولار إلى متاهة إجرائية لا تضمن وصوله إلى غايته.

مقترح ونيس: الدولار حق مباشر للمواطن لا امتياز للتاجر

في هذا السياق، طرح عضو مجلس الدولة سعيد ونيس عبر صفحته على فيسبوك سؤالاً جوهرياً: لماذا لا يُباع جزء من الدولار مباشرة للمواطن؟ واقترح ونيس أن يحصل كل رب أسرة على مخصصه من العملة الأجنبية عبر المصارف، وفق منظومة إلكترونية وطنية محكمة ترتبط بالرقم الوطني والسجل المدني والحساب المصرفي، وتخضع للتدقيق لمنع التكرار والتلاعب والبيع الوهمي، بحيث يتحول المواطن من متلقٍّ لآثار السياسات النقدية إلى طرف فاعل في دورة النقد الأجنبي، ويحصل التاجر على احتياجاته عبر شراء فوائض المواطنين من خلال قنوات مصرفية رسمية ومنظمة.

وشدد ونيس على أن المقترح لا يعني ترك سوق العملة للفوضى، ولا إلغاء الرقابة على التجارة والتوريد، بل نقل جزء من عملية التوزيع من نظام شديد التعقيد والاختناقات إلى المواطن مباشرة، مع إبقاء الرقابة المصرفية والجمركية والضريبية كاملة، داعياً إلى دراسة الفكرة بجدية بالأرقام وبمشاركة مصرف ليبيا المركزي والخبراء والمصارف والقطاع التجاري، ومقارنة نتائجها مع النظام الحالي من حيث العدالة والشفافية والقدرة على توفير السلع والحد من الاحتكار والتسرب.

الفارسي يحذر: وصفة قد تكون أخطر من الداء

غير أن الخبير الاقتصادي أيوب الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، ردّ على المقترح بمجموعة من المحاذير والمخاطر التي اعتبرها قد تكون أكبر من الوضع الحالي وأخطر، محذراً من أن تحويل ملايين المواطنين إلى بائعي دولار سيعني شرعنة وتوسيع السوق الموازية، لأن التجار سيشترون هذا الدولار بأسعار يخضع تحديدها للعرض والطلب، مما يرفع سعر الصرف الفعلي للسلع، وينقل التكلفة المرتفعة فوراً إلى المستهلك النهائي في موجة غلاء حاد تمس الغذاء والدواء.

وحذر الفارسي من استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي دون ضمان التوريد، إذ قد يُستخدم النقد الأجنبي في الإنفاق الاستهلاكي غير الضروري أو الادخار الشخصي بدلاً من توجيهه للواردات الأساسية، كما أن تشتيت العملة الأجنبية على ملايين الأفراد يفرض على التاجر تجميع السيولة من آلاف المصادر بدلاً من تغطيتها عبر اعتماد واحد، مما يرفع تكلفة المعاملات ويؤخر الشحن والتوريد.

وأضاف أن المقترح سيعمق أزمة السيولة النقدية بالدينار، لأن المواطن يحتاج إلى سيولة بالدينار لشراء مخصصاته، وفي ظل أزمة السيولة الحالية لن يستفيد إلا من لديه أرصدة أو قدرة على السحب، مما يعزز عدم العدالة ويخلق سوقاً سوداء للسيولة.

مخاوف الامتثال الدولي وغسيل الأموال

وفيما يتعلق بالامتثال الدولي، حذر الفارسي من أن تجميع التاجر للعملة الأجنبية من آلاف الأفراد وشحنها للخارج لتغطية واردات سيثير شبهات غسيل أموال لدى المصارف الدولية المراقلة، مما قد يؤدي إلى حظر أو تقييد المعاملات المالية للدولة الليبية، مشيراً إلى صعوبة تتبع مصدر الأموال في ظل قواعد صارمة لمعرفة العميل.

كما لفت إلى احتمال ظهور شبكات سماسرة تجبر أو تغري ذوي الدخل المحدود لشراء مخصصاتهم مقابل هامش ربح بسيط، ليتم تجميع ملايين الدولارات لصالح كبار التجار والمضاربين، وبذلك يعود الاحتكار بصورة أعمق وغير مرئية، فضلاً عن مخاطر المسودات والبيع الوهمي التي تتطلب بنية تحتية رقمية قوية جداً.

واختتم الفارسي تحذيراته بالإشارة إلى فقدان أدوات السياسة النقدية، إذ سيؤدي الإجراء إلى إضعاف قدرة المصرف المركزي على إدارة الكتلة النقدية وتوجيه النقد الأجنبي نحو القطاعات الاستراتيجية، وتحويل الاقتصاد عملياً إلى اقتصاد مدولر يعتمد كلياً على تداول العملة الأجنبية في المعاملات اليومية.

ونيس يرد: الواقع أقسى من المخاوف

لم يمر رد الفارسي دون تعليق من ونيس، الذي أكد أن ما سمعوه في اجتماع الأمس من التجار المتعاملين فعلياً على أرض الواقع يؤكد أن كل المخاوف التي أشار إليها الفارسي عند طرح الدولار عبر منظومة أرباب الأسر هي حالياً واقع معاش، محذراً من أن استمرار وضع الاعتمادات بالسيطرة الحالية سيؤدي بليبيا إلى الانهيار لا سامح الله.

ملف المرتبات: 73 مليار دينار وزيادات بلا دراسة

وعلى صعيد متصل، وصف ونيس الجدول الجديد للمرتبات بأنه خطوة تصحيحية وضرورية ستحقق العدالة بين العاملين بالدولة، وتنظم ملف المرتبات وتوقف تضخمه بسبب زيادات أخيرة اتسم أغلبها بالعشوائية وعدم الدراسة.

وأشار إلى تحذيرات متداولة عن مسؤولين اقتصاديين من قفز بند المرتبات إلى نحو 100 مليار دينار بنهاية العام إذا استمرت الزيادات، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى أن عوائد تصدير النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد، غير كافية لتغطية بند المرتبات، ناهيك ببقية الميزانية.

وبحسب بيانات المصرف المركزي، تجاوز الإنفاق على المرتبات (الباب الأول) 73 مليار دينار في 2025، وبلغ قرابة 46 ملياراً خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.

وشهد العام الحالي زيادات واسعة لرواتب ثلاثة قطاعات، وهي الرقابة الإدارية، ثم الجيش بجدول معدل أُقر قبل ثلاثة أشهر بنسبة 150 في المائة، مما جعله معياراً قياسياً تطالب بقية المؤسسات بمساواتها به، وأخيراً حرس المنشآت النفطية، الذي ساواه الدبيبة بالجيش قبل أيام قليلة لإنهاء تهديدات إغلاق الحقول.

ويرى ونيس أن تطبيق الجدول مع منظومة راتبك لحظي التي يعتمدها المصرف المركزي، والمرتبطة إلكترونياً بالرقم الوطني، سيقضي على فساد واسع كالازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية، ويمنح صانع القرار صورة حقيقية عن عدد المتقاضين وحجم المبالغ المطلوبة.

سؤال الدولة والمواطن

وهكذا يبقى السؤال معلقاً بين من يرى في بيع الدولار مباشرة للمواطن بارقة أمل لإنصاف المواطن الليبي المكلوم، ومن يحذر من أن الوصفة قد تكون أخطر من الداء، في ظل دولة تعاني اختناقات حقيقية في التوريد، وتضخماً في بند المرتبات، وتركزاً للثروة في أيدٍ محدودة، بينما ينتظر المواطن البسيط أن تصل إليه ثروة بلاده دون واسطة أو محسوبية أو احتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى