التعليم والكرامة والحقوق.. أسئلة تكشف أزمة الدولة الليبية في ظل حكومة الدبيبة
أزمة التعليم والكرامة تفتحان ملف حقوق الليبيين مجدداً
ليبيا 24
بين اعتصام المعلمين وإهانة الوافدين تتسع فجوة الدولة
تتداخل في المشهد الليبي ملفات التعليم والحقوق والكرامة الإنسانية وسيادة القانون، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والمعيشية على المواطنين، وتظهر وقائع ومواقف تعكس اتساع الفجوة بين ما يفترض أن توفره الدولة من حماية وضمانات، وما يلمسه الليبيون في حياتهم اليومية.
التعليم بين قدرة الأسرة وحق الطفل
وفي هذا السياق، انتقدت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي استمرار التفاوت بين الأطفال في الحصول على التعليم، معتبرة أن ذهاب طفل إلى المدرسة بينما يبقى آخر في منزله داخل البلد نفسه يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة وحماية حقوق الطفل.
وقالت البركي إن استمرار المدارس الخاصة في استقبال العام الدراسي الجديد، بالتزامن مع اعتصام المعلمين في القطاع العام وبقاء آلاف الأطفال خارج مقاعد الدراسة، يطرح مشكلة تتجاوز الخلاف المهني أو المالي إلى مسألة مرتبطة بحق أساسي من حقوق الأطفال.
وحذرت من أن تحول التعليم إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية للأسرة يمثل تمييزاً خطيراً، مؤكدة ضرورة تضامن التعليم الخاص مع معلمي القطاع العام لمصلحة الطفل، بالتوازي مع مطالبة الدولة بالاستماع إلى مطالب المعلمين والتعامل معها بجدية.
وترى البركي أن استقرار المعلم ينعكس مباشرة على استقرار العملية التعليمية والطالب، معتبرة أن استمرار الأزمة على هذا النحو يأتي ضمن مشهد أوسع ترى فيه أن مؤسسات الدولة تتآكل تدريجياً، وأن المواطن في النهاية هو من يتحمل كلفة هذا التراجع.
إهانة الوافد وامتحان الكرامة الإنسانية
وفي ملف آخر، علقت البركي على مقطع مصور متداول يظهر مواطناً ليبياً وهو يهين وافداً سودانياً في مصراتة، ووصفت المشهد بأنه قاسٍ على المشاعر وصادم للضمير، لكنها شددت في الوقت ذاته على أنه لا يدخل، بحسب توصيفها، في إطار خدش الحياء العام.
وربطت البركي هذه الواقعة بآثار سنوات الحرب غير المنضبطة، وما خلفته، بحسب تعبيرها، من اضطرابات ومشكلات نفسية لم تحصل على المعالجة اللازمة، إضافة إلى تعامل بعض الأسر والمحيط الاجتماعي مع مظاهر القوة والعنف باعتبارها دليلاً على الصلابة.
كما تناولت واقع انخراط بعض أبناء المجتمع في التشكيلات المسلحة وما ارتبط بذلك من أنشطة غير قانونية، مشيرة إلى الاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح والوقود.
وذهبت البركي إلى انتقاد ظواهر العنصرية داخل المجتمع الليبي نفسه، معتبرة أن التمييز لا يستهدف الغريب فقط، بل يمتد أحياناً إلى المدن والنساء والأطفال، وهو ما يجعل التعامل العدائي مع الوافد جزءاً من مشكلة اجتماعية أوسع.
وأشارت إلى أن المواطن الليبي نفسه يدفع ثمن هذه الاختلالات بصورة يومية، سواء عبر الإهانة والانتظار والمعاناة أمام المصارف ومحطات الوقود، أو من خلال مشاهد التفاوت الاجتماعي التي يرى فيها مواطناً ملتزماً بالقانون عاجزاً عن تفسير كيف أصبح بعض الخارجين عليه أكثر قدرة على العيش بكرامة منه.
وانتقدت كذلك التركيز على العبارات الخادشة للحياء عند تداول مثل هذه الوقائع، مقابل تجاهل جوهر الاعتداء وكرامة الإنسان، معتبرة أن الانشغال بالكلمة قد يؤدي إلى إهمال الجريمة أو السلوك الذي يستحق المساءلة.
سؤال مفتوح أمام النيابة العامة
ومن هنا طرحت البركي تساؤلاً بشأن ما إذا كانت النيابة العامة ستفتح تحقيقاً للتعرف على هوية الشخص الظاهر في المقطع والتحقيق في الواقعة ومحاسبته وفق القانون، أم أن النقاش سينحصر مرة أخرى في العبارة الواردة في التسجيل، بعيداً عن جوهر الاعتداء.
وهذا الطرح يضع مؤسسات إنفاذ القانون أمام اختبار مهم يتعلق بمدى التعامل الجاد مع الاعتداءات التي تمس كرامة الإنسان، أياً كانت جنسيته، وبعيداً عن الانتقائية أو تحويل النقاش العام من مضمون الواقعة إلى تفاصيل هامشية.
رواية عن قرار بمنع سفر النساء
وفي ملف قانوني آخر، قالت البركي إن موظفين في منفذ مطار بنينا أبلغوها بأن النائب العام أصدر قراراً يقضي بمنع سفر النساء من دون موافقة المحرم.
غير أنها أوضحت أن الموظفين لم يطلعوا عليها نص القرار، ولم يمكنوها من معرفة رقمه أو تاريخه أو سنده القانوني، وهو ما دفعها إلى التشديد على ضرورة إتاحة القرار للرأي العام، إذا كان موجوداً بالفعل، حتى يمكن الاطلاع عليه ومراجعته والطعن فيه أمام القضاء وفقاً للإجراءات القانونية.
وأكدت البركي أن حق المواطنين في معرفة القرارات التي تمسهم لا ينفصل عن حق المتضرر في استخدام طرق الطعن القانونية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمدى توافق أي إجراء مع أحكام الدستور والقانون.
وتبقى هذه النقطة، من الناحية القانونية والإعلامية، بحاجة إلى التحقق من أصل القرار ونصه ورقمه وتاريخه وسنده القانوني قبل الجزم بوجوده أو تقييم آثاره، بما يضمن عدم تحويل معلومة منقولة إلى حقيقة نهائية من دون مستند رسمي.
الطلاق بين الخصوصية والاستغلال الإعلامي
وفي سياق اجتماعي، دعت البركي إلى التعامل مع الطلاق باعتباره واقعة يمكن أن تحدث في حياة الإنسان، بعيداً عن تحويله إلى فضيحة أو مادة للشماتة والسخرية أو مناسبة لصناعة المحتوى القائم على التشهير.
وأكدت أن انتهاء الزواج لا ينبغي أن يكون سبباً للتنمر أو الاحتفاء بمعاناة الآخرين، معتبرة أن الطلاق، مثل المرض والموت والزواج والإنجاب، من الوقائع التي قد تقع في حياة الإنسان ولا يملك دائماً التحكم في مساراتها ونتائجها.
كما وجهت انتقاداً إلى الصفحات التي قالت إنها تستغل الخلافات الشخصية لخدمة خصومات الآخرين، داعية المتابعين إلى إلغاء متابعة هذه الصفحات وعدم منحها جمهوراً أو تأثيراً، باعتبار أن استمرار متابعتها قد يسهم في تشجيع المحتوى الذي يتغذى على الخصومات وخصوصيات الناس.
أزمة تتجاوز الملفات المنفردة
وتجمع المواقف التي طرحتها البركي بين ملفات تبدو متباعدة ظاهرياً، لكنها تلتقي عند سؤال أوسع يتعلق بمستوى حضور الدولة وحماية الحقوق في الحياة اليومية، من المدرسة إلى الشارع، ومن كرامة المواطن والوافد إلى حق الفرد في معرفة القرارات التي تمسه.
وفي ظل استمرار الأزمات السياسية والمؤسسية والاقتصادية، تبدو ملفات التعليم والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والكرامة الإنسانية أكثر ارتباطاً ببعضها مما قد يبدو. فتعثر العملية التعليمية يضغط على الأسر، وتراجع الانضباط القانوني يفاقم الشعور بالهشاشة، بينما يؤدي انتشار خطاب السخرية والتشهير والعنصرية إلى زيادة التوتر داخل المجتمع.
وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بوجود مشكلة منفردة هنا أو هناك، وإنما بإحساس متراكم بأن الحقوق الأساسية تتحول تدريجياً إلى مطالب مؤجلة، وأن المؤسسات مطالبة باستعادة قدرتها على حماية الإنسان وتطبيق القانون بصورة واضحة ومتساوية.
وفي هذا السياق، تضع تصريحات البركي مسؤولية مباشرة على مؤسسات الدولة، ليس فقط في معالجة الأزمات بعد وقوعها، وإنما في منع تحولها إلى واقع دائم، عبر الاستماع إلى مطالب المعلمين، وحماية الأطفال، ومواجهة الإهانة والعنصرية، وإتاحة القرارات الرسمية للرأي العام، وضمان حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على كرامة الأفراد وخصوصيتهم.
وتبقى هذه الملفات، في مجملها، اختباراً لقدرة الدولة الليبية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى حماية الحقوق، ومن ردود الفعل المتأخرة إلى مؤسسات تعمل وفق القانون وتضع المواطن وكرامته في صدارة أولوياتها.



