
ليبيا 24
الدقيق يتجاوز 400 دينار للقنطار.. تحذيرات من تهديد الأمن الغذائي ومطالب بتفعيل احتياطي الحبوب.
لم يكن منشور أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف على صفحته بفيسبوك مجرد تعليق عابر على ارتفاع إيرادات النفط المتوقعة.
فبين عبارة «الضغط يجيب نتيجة» التي بدت وكأنها تحمل بشائر خير، وبين تحذيره من أن «الرغيف في الاتجاه إلى الارتفاع» و«الطبقات الهشة في خطر»، انفتح باب سجال اقتصادي غير مسبوق بين نخبة من الخبراء والمسؤولين السابقين، كشف حجم التخبط الذي تعيشه الحكومة المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعمق الأزمة التي يعيشها المواطن الليبي المكلوم، الذي يجد نفسه كل صباح بين فكي كماشة: أسعار دقيق تتجاوز 400 دينار للقنطار، ورواتب تُسرق منها «ما في حكمها»، وقرارات تُوَلَّد ميتة في الأدراج.
«ما في حكمها»… حين يتحول تعريفٌ لغوي إلى قنبلة موقوتة
بدأ السجال حين أشار علي الشريف إلى أن «إلغاء (وما في حكمها) في الباب الأول (المرتبات)، كما أشار رئيس مجلس النواب، يُعد خطوة مهمة نحو الحد من الفساد والإنفاق غير المبرر، وضبط منظومة المرتبات، وحماية المال العام من الهدر».
لكنه سرعان ما تنصل من مسؤولية الأرقام قائلاً: «نحتاج إلى توضيح بخصوص ما تحدث به رئيس مجلس النواب بخصوص الاعتمادات والسحب على الحمر… هذا المنشور ينفي أي مسؤولية للمركزي حول هذا الموضوع.
إذا كان ما هو مكتوب هو الصحيح فيجب التحقيق في ما حدث. متروك الإجابة لأهل الاختصاص».
وهنا دخل الدكتور إدريس الشريف على الخط ليرد بسؤال لاذع: «وهل يعرف ما هو المقصود بما في حكمها؟!».
ثم أوضح أن العبارة تشمل «سائر المزايا والمبالغ المالية التي تُمنح للعاملين مقابل العمل أو بمناسبته… مثل مقابل العمل الإضافي والحصص والمحاضرات الإضافية والمكافآت نظير أداء أعمال أو لجان معينة وبدلات الإعاشة وغيرها من المزايا المماثلة، وحصة جهة العمل في الضمان الاجتماعي»، مضيفاً: «للعلم… الباب الأول يحوي أحد عشر بنداً».
هذا التوضيح التقني، الذي قد يبدو مجرد تصحيح لغوي، هو في حقيقته سهم موجه إلى قلب الأزمة: فحين يتحدث رئيس مجلس النواب عن «إلغاء ما في حكمها»، فهو يتحدث عن مئات الملايين من الدنانير التي تُدفع سنوياً تحت بنود فضفاضة لا رقابة عليها.
وهنا يتقاطع حديث إدريس الشريف مع تحذير علي الشريف من «الإنفاق غير المبرر»، ليكشفا معاً أن الفساد في ليبيا لا يقتصر على «المضاربين» و«تجار الأزمات»، بل يتغلغل في بنية الميزانية نفسها، في الباب الأول الذي يفترض أنه مخصص لحماية كرامة الموظف، لكنه تحوّل إلى باب خلفي لهدر المال العام.
التسويات والمرتبات… الأرقام التي تخفي بعضها بعضاً
لم يكد إدريس الشريف ينهي توضيحه حتى دخل الخبير والمحلل الاقتصادي محمد درميش على الخط بعبارة بدت أقرب إلى التلميح منها إلى التصريح: «هناك تسويات وهناك مرتبات لسنوات سابقة… الخ».
هذه العبارة القصيرة، التي تبدو مجرد تعليق عابر، تفتح باباً واسعاً على واحدة من أخطر ثغرات الميزانية الليبية: التسويات المالية التي تُدفع بأثر رجعي، والمرتبات المتراكمة لسنوات سابقة، والتي تُصرف دون رقابة حقيقية، ودون أن يعرف المواطن من يتقاضاها، ولا على أي أساس، ولا لماذا.
درميش، بتكتمه هذا، يلمح إلى أن الأرقام الرسمية للإنفاق على المرتبات، التي تجاوزت 76 مليار دينار في تقديرات 2025، لا تعكس الحقيقة كاملة، بل تخفي وراءها «تسويات» و«متأخرات» تُدفع لمستحقين مجهولين، في ظل غياب كامل للشفافية.
وهكذا يكمل درميش صورة الفساد التي رسمها إدريس الشريف: فإذا كان الثاني قد كشف «البنود» التي يختفي فيها الهدر، فإن الأول يكشف «الآليات» التي تُضخ بها الأموال خارج أي رقابة.
270 مليار دينار… أين تذهب أموال الليبيين؟
ثم جاءت المداخلة الأكثر تفصيلاً والأكثر إثارة للجدل من رجل الأعمال حسني بي الذي رد على علي الشريف قائلاً: «إصلاح الاقتصاد الليبي يبدأ من جذور الخلل لا من أعراضه… الأرقام أولاً بعيداً عن العواطف والشعبويات».
وهنا ينتقل السجال من مستوى التشخيص إلى مستوى المحاسبة، حين قدّم حسني بي تقديراته للإنفاق العام في 2025: 270 مليار دينار، منها 108 مليارات للمحروقات والطاقة (40%)، و76 ملياراً للمرتبات والأجور (28%)، و14 ملياراً للنفقات التسييرية، و18 ملياراً للدعم والنفقات الأخرى، و54 ملياراً للتنمية وما في حكمها.
هذه الأرقام، بحسب حسني بي تعني أن «المحروقات وحدها تمثل 40% من الإنفاق والمرتبات 28% والتنمية وما في حكمها 20%. أي إن هذه البنود الثلاثة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الإنفاق العام».
ثم طرح سؤاله المحرج: «فهل يعقل أن ننشغل بالمضاربين ونتجاهل بنية الإنفاق التي تولّد الطلب على الدولار وتموّل الاختلالات؟». وهنا يتقاطع حسني بي مع تحذير علي الشريف من «استنزاف النقد الأجنبي» عبر العمالة الوافدة والسلع الكمالية، لكنه يذهب أبعد، فيؤكد أن «قوة الدينار لا تُقاس بحجم الاحتياطيات وحدها… فلا توجد علاقة مباشرة أو آلية تضمن قوة الدينار لمجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي».
ويضيف: «استدامة قيمة الدينار تتحدد بالدرجة الأولى من خلال حجم الإيرادات العامة، وحجم الإنفاق العام، وكيفية تمويل العجز، ونمو الكتلة النقدية، والطلب الحقيقي على النقد الأجنبي».
وفي اقتصاد تعتمد إيراداته بنسبة 93% على النفط والغاز المقومين بالدولار، بينما تُدفع معظم النفقات بالدينار، فإن «تصحيح سعر الصرف، عندما يكون مبالغاً في تقييم الدينار، يمثل أداة أساسية لاستعادة التوازن، لكنه ليس بديلاً عن ضبط الإنفاق والإصلاح الهيكلي».
وهكذا يرد حسني بي ضمناً على أولئك الذين يتحدثون عن «قوة الدينار» كإنجاز، في حين أن الدينار فقد أكثر من 70% من قيمته منذ 2021، والاحتياطيات تُستنزف لتمويل استيراد سلع كان يمكن إنتاجها محلياً.
«ديوان الحبوب»… قرارٌ قتله الرئيس بيده
لكن المداخلة الأكثر دلالة على فشل حكومة الدبيبة جاءت من وزير الاقتصاد والتجارة السابق محمد علي الحويج، الذي كشف أن «ديوان الحبوب» الذي كان يُفترض أن يحمي رغيف الخبز، قد وُلد ميتاً بقرار من نفس الحكومة التي تتشدق بحماية المواطن.
وقال الحويج: «عندما كنت وزيراً للاقتصاد اقترحت إنشاء ديوان الحبوب، حتى يتم عمل احتياطي من القمح وبعض الحبوب… وتم إصدار القرار إلا أنه لم يُفعل حتى الآن. كما طالبنا بوضع استراتيجية الأمن الغذائي والدواء، إلا أن رئيس الحكومة لم يفعل هذه الآراء وهو صاحب القرار قانوناً».
ثم حدد الحويج القرار بدقة: «القرار رقم 439 لسنة 2022 بشأن إنشاء الديوان الليبي للحبوب. ولو تم تفعيل هذا القرار لكنا حافظنا على أسعار الدقيق والقضاء على تجار المضاربات وتشجيع الإنتاج المحلي من القمح في الجنوب الليبي».
وهنا يتقاطع حديث الحويج مع تحذير علي الشريف من أن «تجاوز سعر قنطار الدقيق 400 دينار مؤشر خطير يمس أحد أهم ركائز الأمن الغذائي»، ومع دعوته إلى «بناء احتياطي استراتيجي من السلع الأساسية، وفي مقدمتها القمح والدقيق».
فإذا كان علي الشريف يطرح الحل فإن الحويج يكشف أن الحل كان موجوداً على الورق منذ 2022، لكن «الرئيس» هو من عطّله.
وهكذا يكتمل السجال: علي الشريف يشخص الداء ويقترح الدواء، وإدريس الشريف يشرح لماذا لا يُطبّق الدواء (لأن بنود الميزانية مصممة لإخفاء الهدر)، ومحمد درميش يكشف أن هناك «تسويات» تجعل الأرقام غير قابلة للتدقيق، وحسني بي يقدم الأرقام الكلية التي تثبت أن المشكلة في بنية الإنفاق لا في نقص الموارد، ومحمد الحويج يضع إصبعه على الجاني المحدد: رئيس الحكومة الذي لم ينفذ قراراً صادراً عن حكومته نفسها.
سجال الاقتصاديين… ودم المواطن
ما كشفه هذا السجال ليس مجرد خلاف أكاديمي بين اقتصادييبن على تعريف «ما في حكمها»، بل هو صورة مصغرة عن حالة الدولة الليبية برمتها: تشخيصات دقيقة، وحلول واضحة، وقرارات موجودة على الورق، لكنها كلها تتحطم على صخرة غياب الإرادة السياسية.
علي الشريف يقدم خارطة طريق من خمس نقاط، لكن حكومة الدبيبة لا تريد تنفيذها. إدريس الشريف يوضح أن الفساد في «ما في حكمها» هو فساد منهجي في بنية الميزانية، لكن أحداً لا يحاسب. محمد درميش يلمح إلى «تسويات» و«مرتبات سابقة» تبتلع المليارات، لكن لا أحد يكشف الأسماء. حسني بي يقدم أرقاماً صادمة عن إنفاق 270 مليار دينار، لكنه يعلم أن أحداً لن يقرأها بعين المحاسب.
ومحمد الحويج يكشف أن «ديوان الحبوب» قُتل بقرار رئاسي، لكنه لا يملك سلطة إحيائه.
وفي خضم هذا السجال يقف المواطن الليبي وحده أمام فرنٍ لا يجد فيه رغيباً وأمام ميزانية لا يجد فيها اسمه، وأمام حكومة لا تجد فيها من يحاسبه.
وحين يتجاوز سعر قنطار الدقيق 400 دينار وحين يترنح الدينار وحين تُعطّل القرارات التي كان يمكن أن تحمي الأمن الغذائي، فإن السؤال لم يعد «من المسؤول؟»، بل «إلى متى؟». والإجابة، في ظل حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، تبقى معلقة… مثل «ديوان الحبوب»… مثل رغيف الخبز… مثل مستقبل ليبيا كلها.



