اقتصادليبيا

توحيد الإنفاق العام في ليبيا.. خطوة استراتيجية نحو الانضباط المالي وسط تحديات التنفيذ

تحديات التنفيذ ومخاطر تجاوز القدرة المالية

يمثل الاتفاق على توحيد الإنفاق العام، تطوراً لافتاً في مسار إصلاح المالية العامة، حيث يرى مختصون أنه قد يشكل نقطة تحول في إدارة الموارد إذا ما تم تطبيقه وفق أسس مهنية واضحة.

واعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي عادل الكيلاني أن هذا التوجه يعد من أبرز ما صدر عن المصرف المركزي في الفترة الأخيرة، لما يحمله من دلالات تتعلق بإنهاء حالة الانقسام المالي التي استمرت لسنوات، عبر تفعيل ميزانية موحدة تشمل بنود الرواتب والتسيير والتنمية والدعم، بما يعزز من دور وزارة المالية كجهة مركزية للصرف.

وأشار إلى أن ربط الإنفاق بالقدرة الفعلية للدولة يمثل تحولاً نحو الاستدامة المالية، ويسهم في الحد من التضخم وتحسين إدارة السيولة، إضافة إلى دعم استقرار سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السوقين الرسمي والموازي، مع تعزيز الشفافية والحد من الهدر المالي.

توجه نحو الاستدامة المالية وتعزيز الثقة في الاقتصاد

يرى متابعون أن الاتفاق قد يفتح المجال أمام تحسين المؤشرات الاقتصادية، من خلال ضبط الإنفاق وتوجيهه وفق أولويات واضحة، بما يعزز فرص تحقيق تنمية متوازنة بين المناطق، ويدعم استقرار القوة الشرائية للدينار الليبي.

وفي السياق ذاته، أكد وكيل وزارة المالية السابق إدريس الشريف أن توحيد إطار الإنفاق التنموي يمثل خطوة مهمة لمعالجة الاختلالات، لكنه شدد على ضرورة الالتزام بسقف الإنفاق في حدود الموارد المتاحة، محذراً من تداعيات التوسع في الدين العام.

وأوضح أن نجاح هذه الخطوة يتطلب التقيد بالتشريعات المنظمة للإنفاق، بما في ذلك قانون التخطيط ولوائحه التنفيذية ولائحة العقود الإدارية، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة لضمان كفاءة التنفيذ.

كما أشار إلى أن الحوكمة والشفافية تمثلان ركائز أساسية لتحقيق نتائج ملموسة، بما يعزز من كفاءة البرامج التنموية ويحد من سوء تخصيص الموارد.

تحديات التنفيذ ومخاطر تجاوز القدرة المالية

في المقابل، حذر أستاذ الاقتصاد حلمي القماطي من أن نجاح توحيد الإنفاق يظل مرهوناً بمدى القدرة على التنفيذ الفعلي، لافتاً إلى أن الإشكالية الرئيسية في الاقتصاد الليبي لا تكمن في غياب الحلول بل في تطبيقها.

وأكد أن توحيد بنود الإنفاق، رغم أهميته، لن يحقق أهدافه ما لم يُربط بقاعدة مالية واضحة تمنع تجاوز الإنفاق لحجم الإيرادات، مشيراً إلى أن أي توسع غير مدعوم ينعكس مباشرة على سعر الصرف ويزيد من الأعباء الاقتصادية.

وأضاف أن تعزيز الشفافية وتحديد سقف واضح للإنفاق يمثلان شرطين أساسيين لدعم الاستقرار، معتبراً أن المصرف المركزي يمكنه المساهمة في إدارة الأزمة، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة الاختلالات المرتبطة بالإنفاق العام.

من جانب آخر، أعربت مبادرة القوى الوطنية عن دعمها للاتفاق، معتبرة أنه خطوة محورية نحو توحيد المؤسسات، خاصة في الجانب المالي، ومؤكدة أن الجهود الدولية أسهمت في تهيئة الظروف للوصول إلى هذا التوافق.

ودعت إلى استكمال هذا المسار عبر التزام الأطراف الوطنية بمسؤولياتها، بما يعزز فرص تحقيق الاستقرار الاقتصادي ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على إدارة أكثر انضباطاً للموارد العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى