أخبار العالمليبيا

الخراب النفطي: حين يتحول الوقود إلى سلاح دمار بيد حكومة منتهية الصلاحية

فوضى الوقود تضرب ليبيا مجدداً وسط عجز حكومي وتقاعس رئاسي يهدّد السلم الأهلي

ليبيا 24
عبدالعزيز الزقم

فوضى الوقود تضرب ليبيا مجدداً وسط عجز حكومي وتقاعس رئاسي يهدّد السلم الأهلي

شرارة الغضب من محطات الوقود

لم تكن الساعات الماضية عادية في طرابلس وضواحيها. فبين ليلة وضحاها، تحوّلت محطات توزيع الوقود من أماكن لقضاء الحاجات اليومية إلى بؤرٍ للغضب الشعبي العارم، بعد أن اكتشف مئات المواطنين أن ما ضُخ في خزانات مركباتهم لم يكن بنزيناً، بل سماً بطيئاً ينهش محركات سياراتهم وينذر بكارثة بيئية وصحية تلوح في الأفق.

انبعاث روائح كريهة شبهها متضررون بـ”مياه الصرف الصحي” كان النذير الأول لجريمة توريد شحنة وقود وُصفت بالمغشوشة، سرعان ما كشفت عن وجهها القبيح بأعطال ميكانيكية مفاجئة وكلف إصلاح باهظة، لتنضم بذلك إلى سلسلة فضائح متجددة يحفظها الليبيون عن ظهر قلب، في مشهد أعاد إلى الأذهان كابوس واقعة مماثلة هزّت الشارع قبل نحو أربع سنوات، وكأن شيئاً لم يتغير في بلد يعوم على بحر من النفط بينما يغرق أهله في مستنقع الفساد وسوء الإدارة.

“البريقة” تعترف وتتخلى عن مسؤوليتها

وسط عاصفة الانتقادات الشعبية التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، خرجت شركة البريقة لتسويق النفط، الذراع الحكومية المكلفة بتوزيع الوقود، ببيان أقرت فيه بوجود إشكاليات مرتبطة بإحدى شحنات الوقود الموردة، مشيرة إلى إيقاف هذه الكميات واستبدالها بأخرى “مطابقة للمواصفات”. لكن البيان – الذي بدا أقرب إلى شهادة براءة ذاتية – حمل اعترافاً ضمنياً خطيراً حين أوضح أن دور الشركة “يقتصر على استلام وتوزيع المنتجات المعتمدة وإجراء فحوصات أساسية للتحقق من خلو الوقود من الماء والشوائب ولا يمتد إلى اعتماد المواصفات الفنية أو تقييم تركيبتها الكيميائية”.

يثير هذا التصريح سؤالاً وجودياً حول منظومة الرقابة برمتها: إن كانت الجهة المكلفة بالتوزيع تعترف بعدم قدرتها أو صلاحيتها على فحص جودة ما توزعه على ملايين المواطنين، فمن يحمي الليبيين إذن؟ ومن يتحمل مسؤولية ما جرى؟ وكيف لدولة تدير أحد أكبر احتياطيات النفط في القارة الأفريقية أن تصل إلى هذه الدرجة من العجز عن ضمان جودة قطرة بنزين واحدة؟ هذه الأسئلة المشروعة لا تجد طريقها إلى الإجابة، بل تصطدم بجدار من الصمت الرسمي والتضارب في التصريحات، في بلد يقبع تحت حكم سلطة منقسمة بين حكومة منتهية الولاية ومجلس رئاسي عاجز، يتبادلان التهم ويهربان من المسؤولية.

شهادات المواطنين: ألم على الأسفلت

في شهادة تختصر مأساة الليبي اليومي، روى المواطن عبدالسلام الورفلي، أحد ضحايا هذه الشحنة، كيف أنه قام بتعبئة سيارته من إحدى محطات الوقود القريبة من منزله في طرابلس، ليكتشف بعد دقائق معدودة انبعاث رائحة غريبة وكريهة من المركبة. في البداية، ظن أن المشكلة عابرة أو قد تكون مرتبطة بجهاز التكييف، لكن الحقيقة كانت أكثر مرارة بكثير: محرك سيارته بدأ بفقدان قوته تدريجياً، في نذير شؤم بتلف وشيك قد تصل كلفة إصلاحه إلى آلاف الدنانير في بلد يئن فيه المواطن تحت وطأة أزمة معيشية خانقة وانخفاض قياسي في قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية.

ولم يكن عبدالسلام وحده في هذه المحنة؛ فخلال ساعات، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات الشهادات المماثلة لمواطنين من مختلف أحياء طرابلس وضواحيها، ممن اكتشفوا أن سياراتهم تعرضت لأضرار متفاوتة الخطورة. بعضهم تحدث عن توقف محركات بالكامل، وآخرون عن انسداد في بخاخات الوقود وبواجي الحرائق، فيما أشار ثالث إلى أن تكاليف التصليح المبدئية تجاوزت مرتبه الشهري بأضعاف، في بلد يمثل قطاع النفط فيه أكثر من تسعين في المائة من الإيرادات الحكومية، ومع ذلك يتم استيراد ما يزيد على نصف احتياجاته من الوقود المكرر من الخارج، في واحدة من كبريات مفارقات الاقتصاد الريعي وسوء الحوكمة المزمن.

حكومة منتهية الولاية: إخفاق بلا أفق

ما يزيد من مأساوية المشهد أن هذه الفضيحة الجديدة تنفجر في سياق سياسي بالغ التعقيد والتردي. فعبدالحميد الدبيبة، رئيس الحكومة التي انتهت ولايتها القانونية والدستورية منذ زمن ليس بالقصير، ما زال يتشبث بمقاليد السلطة متذرعاً بحجج واهية، متجاهلاً التوافقات السياسية التي أفرزتها ملتقيات الحوار الوطني، ومتحدياً إرادة القوى الفاعلة التي طالبت مراراً بتسليم السلطة لحكومة موحدة تمثل كامل التراب الليبي.

إن بقاء هذه الحكومة في المشهد، رغم انقضاء شرعيتها، لم يعد مجرد خلاف قانوني أو دستوري، بل تحول إلى عامل مباشر في تفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة الهشة. فكيف يمكن لحكومة عاجزة عن تأمين إمدادات وقود نظيف وآمن لمواطنيها أن تدّعي الحرص على سيادة البلاد أو إدارة اقتصادها؟ وكيف لسلطة تنفيذية تثبت يوماً بعد يوم عجزها عن ضمان أبسط مقومات الحياة اليومية – من كهرباء ووقود وسيولة نقدية – أن تستمر في احتكار القرار وتجاهل المطالب الشعبية بالرحيل والمحاسبة؟

المجلس الرئاسي: مؤسسة محاصرة بين الطموح والعجز

أما المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، الذي يُفترض به أن يكون حارس العملية السياسية وضامن وحدة السلطة التنفيذية، فيبدو هو الآخر غارقاً في تناقضات بنيوية تحاصره وتشل قدرته على الفعل. فرغم إطلاق المنفي تصريحات متتالية حول مكافحة الفساد في قطاع النفط والغاز، وتأكيده المتكرر أن “المواطن الليبي لم يعد يحتمل”، إلا أن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً.

في حوار متلفز مؤخراً، اعترف المنفي نفسه بوجود “إنفاق هائل ونتائج ضعيفة”، و”اقتصاد يستنزف وقطاع مالي مختل”، و”هدر يفتح أبواب الفساد على مصراعيها”. هذا التشخيص الدقيق والقاسي من أعلى هرم في السلطة الرئاسية يطرح السؤال الأشد إحراجاً: إن كان رئيس المجلس الرئاسي يعرف كل هذا، فلماذا لم يتحرك؟ وأين هي الأطر الرقابية التي يتحدث عنها؟ وأين هي الأجهزة المختصة التي يعد بدعمها؟ وهل يعقل أن يتحول أعلى منصب في الدولة إلى مجرد منصة للتصريحات الفضفاضة دون أي قدرة حقيقية على المحاسبة أو التغيير؟

الحقيقة المرة أن المجلس الرئاسي، بتركيبته الهجينة وصلاحياته المقيدة بإطار “بروتوكولي محدود” – على حد وصف المنفي نفسه – بات أسيراً للقوى نفسها التي يفترض أن يحاربها، وعاجزاً عن فرض إرادته على حكومة تتحدى كل الأعراف السياسية وتستمر في إدارة البلاد وكأنها شركة خاصة.

فساد التعاقدات: حين يصبح المال العام غنيمة

إن أزمة شحنة الوقود المغشوش لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الفساد المنهجي الذي كشفت عنه سلسلة من الأحكام القضائية والتقارير الدولية خلال السنوات الماضية. فقد أصدرت محكمة استئناف طرابلس الشهر الجاري حكماً بسجن مسؤول سابق في إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط عشر سنوات، مع تغريمه ما يفوق ملياراً وثمانمائة مليون دولار، على خلفية مخالفات تعاقدية تتعلق بتسويق النفط وتوريد المحروقات.

ووفقاً لبيانات النيابة العامة، فإن الإدانة شملت بشكل خاص إجازة تعاقدات لتوريد كميات من وقود البنزين “غير المطابقة للمواصفة القياسية الليبية”، وهو الوصف نفسه الذي يتكرر اليوم مع الشحنة المغشوشة الجديدة، وكأن الدرس لم يُتعلم، وكأن آليات الردع القضائي – رغم قسوتها الظاهرية – لا تصل إلى العقول المدبرة الحقيقية خلف الكواليس، بل تكتفي بمعاقبة المنفذين بينما يظل المخططون في مواقعهم يتمتعون بالحصانة.

وتشير تحقيقات النيابة العامة في ملف توريد المحروقات إلى اضطراب في آليات التعاقد نتيجة “الاعتماد على أسلوب مقايضة النفط الخام، وإبرام عقود توريد فورية لا تحقق المصلحة العامة، ومخالفة ضوابط الرقابة المنظمة للتصرف في المال العام”. وتكشف نصوص التحقيقات عن ممارسات مروعة شملت توريد محروقات عبر شركات غير مصنعة، وسداد أثمان وقود غير مطابق للمواصفات، وتحمل علاوات سعرية مرتفعة مقارنة بالأسعار المرجعية العالمية.

اقتصاد الريع والتهريب: دائرة النزيف المستمر

إن ما يجري ليس مجرد حادثة عابرة أو خطأ إداري يمكن تداركه باعتذار رسمي أو استبدال شحنة بأخرى. إنه عرض مزمن لمرض عضال ينخر جسد الدولة الليبية منذ سنوات: اقتصاد ريعي قائم على الثروة النفطية، تسيطر عليه شبكات فساد عابرة للحدود، تعيش على استيراد الوقود المدعوم وإعادة تهريبه لتحقيق مكاسب مالية خارج الأطر الرسمية.

وتقدر التقارير الأممية أن نحو ثلاثين في المائة من الوقود المدعوم في ليبيا يتسرب عبر قنوات التهريب، في عملية نزيف اقتصادي تتجاوز قيمتها المليارات سنوياً. والأخطر من ذلك، أن هذه الشبكات لا تعمل في الظلام، بل تتم تحت سمع وبصر دولة وصفها باحثون بـ”دولة الميليشيات”، حيث يتحول السياسيون والقادة الأمنيون الذين يزعمون محاربة الفساد إلى العقول المدبرة لشبكات تهريب الوقود، وفقاً لتقارير استقصائية دولية.

غضب الشارع: حراك بلا استجابة

منذ أشهر، يتصاعد حراك شعبي في مدن ليبية عدة، من مصراتة إلى طرابلس، للمطالبة برحيل حكومة الدبيبة وجميع الأجسام السياسية القائمة، ومحاسبة الفاسدين، ووضع حد لمسلسل انهيار الخدمات الأساسية. المظاهرات التي انطلقت أواخر العام الماضي واستمرت في مطلع العام الجاري حملت شعارات حادة تجاوزت المطالب المعيشية لتطال شرعية النظام السياسي برمته، في تعبير عن إحباط متراكم تحوّل إلى رفض شامل لواقع لم يعد يُطاق.

لكن السلطة القائمة قابلت هذا الحراك الشعبي بما تجيده: تجاهل وصم آذان، في حين انشغل أركانها بتصفية الحسابات البينية على الحصص والمناصب، لتتحول مؤسسات الدولة إلى ساحة صراع نخبوي بعيداً عن هموم الناس. وبدلاً من الاستجابة لمطالب الشارع، استمرت الحكومة في سياساتها الاقتصادية الفاشلة، التي تسببت في ارتفاع جنوني لأسعار الصرف، وتضاعف كلفة المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، في بلد يمتلك أكبر احتياطي من العملة الصعبة في المنطقة المغاربية.

رسالة أخيرة: من المسؤول؟

في المحصلة، تقف أزمة شحنة الوقود المغشوش شاهدة على انهيار شامل في منظومة الحكم الليبية. فبدءاً من التعاقدات المشبوهة التي تمر عبر ثغرات قانونية متعمدة، مروراً بضعف الرقابة النوعية على ما يصل إلى المواطن، وصولاً إلى عجز المؤسسات عن تحمل مسؤولياتها، تنكشف الصورة الكاملة لسلطة لا تملك الحد الأدنى من مقومات الشرعية أو الكفاءة.

إن حكومة انتهت ولايتها منذ زمن بعيد، ومجلس رئاسي يعترف بعجزه العلني عن الإصلاح، لا يمكنهما معاً إلا إنتاج المزيد من هذه الكوارث المتسلسلة التي تدفع فاتورتها الأسر الليبية من قوتها وصحتها وأمنها. واليوم، بينما يتفحص مئات المواطنين محركات سياراتهم المتضررة، ويحسبون تكاليف الإصلاح التي لا قبل لهم بها، يظل السؤال المعلق في سماء طرابلس: إلى متى سيبقى الليبيون رهائن لسلطة تنتج الدمار بدلاً من التنمية، والفساد بدلاً من العدالة، والوقود المغشوش بدلاً من الرخاء الموعود؟

إن صمت المجتمع الدولي وتقاعس المؤسسات الرقابية عن لجم هذا الانحدار لم يعد مجرد خطيئة سياسية، بل تحول إلى تواطؤ فعلي يهدد ما تبقى من نسيج الدولة والمجتمع. وما لم يتحرك الليبيون بأنفسهم لفرض محاسبة حقيقية، فإن القادم سيكون أسوأ، ولن تكون شحنة بنزين مغشوش سوى حلقة جديدة في سلسلة لا تنتهي من كوارث تحول فيها “النفط” من نعمة إلى نقمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى