تطورات الإيبولا في وسط أفريقيا: اختبار جديد لمنظومة الأمن الصحي العالمي وسط تعقيدات أمنية وسياسية
ست وعشرون وفاة جديدة بالإيبولا في شرق الكونغو الديمقراطية
ليبيا 24
منظمة الصحة تعلن قلقها البالغ من سرعة انتشار الإيبولا
كينشاسا – جنيف – كمبالا
لم تكن سلالة بونديبوجيو النادرة من فيروس الإيبولا في حسبان خبراء الصحة وهم يتابعون شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، المنطقة المنهكة أصلاً بفعل نزاعات مسلحة وموجات نزوح متعاقبة. غير أن البيانات الصادرة عن السلطات الصحية اليوم الثلاثاء، والتي سجلت ستاً وعشرين وفاة جديدة يشتبه في ارتباطها بالفيروس خلال أربع وعشرين ساعة، ترسم ملامح مرحلة مفصلية من التفشي تحمل في طياتها أبعاداً أبعد من مجرد حالة طوارئ صحية عادية.
رفع هذه الحصيلة الدامية عدد الوفيات المرتبطة بالوباء إلى مئة وواحدة وثلاثين حالة، مع تسجيل خمسمئة وست عشرة حالة اشتباه وثلاث وثلاثين إصابة مؤكدة داخل الكونغو الديمقراطية، فضلاً عن حالتين مؤكدتين في أوغندا المجاورة. هذا المشهد الوبائي المتمدد دفع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى إطلاق تحذير غير مسبوق من منبر جمعية الصحة العالمية في جنيف، حين قال إنه يشعر بقلق بالغ إزاء نطاق وسرعة انتشار الوباء، مشيراً تحديداً إلى ظهور إصابات في مناطق حضرية وبين صفوف العاملين في الرعاية الصحية، وهما مؤشران ينذران عادة بتحول التفشي إلى أزمة ممتدة يصعب احتواؤها.
سلالة نادرة تخترق الخطوط الأمامية للاستجابة
الحديث هنا ليس عن سلالة زائير الأكثر شيوعاً في فاشيات حوض الكونغو، بل عن سلالة بونديبوجيو التي ظهرت للمرة الأولى في أوغندا عام ألفين وسبعة. قلة تواتر هذه السلالة تعني ندرة الخبرات الميدانية المتراكمة بشأن سلوكها الوبائي، كما تعني محدودية الأدوات المخبرية الجاهزة للتشخيص السريع في الميدان. والأخطر أن تأكيد المدير العام للمنظمة وجود مواطن أمريكي بين المصابين، نُقل جواً إلى ألمانيا لتلقي العلاج، يضيف بعداً عابراً للقارات على أزمة بدت للوهلة الأولى محصورة في نطاق جغرافي محدود.
الأبعاد الأمنية والسياسية لبؤرة شرق الكونغو
لا يمكن قراءة معطيات التفشي بمعزل عن البيئة الأمنية المعقدة في شرق الكونغو الديمقراطية. فالمقاطعات المتضررة تقع في مناطق تنشط فيها عشرات الجماعات المسلحة، وتشهد أعمال عنف متقطعة وموجات تهجير قسري تعرقل وصول فرق الاستجابة وتجعل تتبع المخالطين مهمة شبه مستحيلة. وعندما يمتد الرصد إلى أوغندا، تصبح المعادلة أكثر حساسية، إذ يتحول الملف الصحي إلى قضية أمن حدودي وإقليمي تستدعي تنسيقاً استخباراتياً ولوجستياً بين دول غالباً ما تتسم علاقاتها بالتوتر الكامن.
ويزيد من تعقيد المشهد أن إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة التي تثير قلقاً دولياً جاء هذه المرة بإجراء استثنائي؛ فقد أقدم غيبريسوس على هذه الخطوة دون انتظار انعقاد لجنة الطوارئ المختصة، وهي سابقة تعكس إدراكاً عميقاً في أروقة المنظمة بأن التأخير البيروقراطي قد يكون قاتلاً. ويترجم هذا القرار ضغوطاً متراكمة على المنظومة الدولية التي ما زالت تتعافى من انتقادات تتعلق بتباطؤها خلال جائحة كورونا، وتريد أن تثبت أنها قادرة على استباق الكارثة لا مجرد ملاحقتها.
المعضلة الاقتصادية والاستجابة الدولية المترددة
في حسابات الربح والخسارة، يمثل الإيبولا تهديداً مزدوجاً للاقتصادات الهشة. فمن جهة، يضرب التفشي مناطق تعدينية حدودية تُعد شرياناً حيوياً للإيرادات المحلية ولإمدادات معادن حساسة تدخل في سلاسل التوريد العالمية. ومن جهة أخرى، تفرض إجراءات العزل الصحي وقيود السفر تكاليف باهظة على التجارة العابرة للحدود، مما يؤجج التوترات الاجتماعية ويهدد بتقويض الاستقرار في بلدين يعانيان أصلاً من ضغوط تضخمية وديون مرتفعة.
أما على صعيد التمويل، فالصورة قاتمة. فرغم أن منظمة الصحة العالمية قدرت في موجز داخلي الاحتياجات الفورية للاستجابة بنحو تسعة وثمانين مليون دولار أمريكي للشهور الستة المقبلة، فإن التعهدات المعلنة لا تغطي حتى الآن نصف هذا المبلغ. وتعكس فجوة التمويل إرهاق المانحين التقليديين وتشتت انتباههم بين أزمات متزامنة، من غزة إلى أوكرانيا، مما يترك فرق الاستجابة المحلية في مواجهة غير متكافئة مع فيروس لا يعرف حدوداً ولا ينتظر قرارات سياسية.
مخاطر التحضر وانتقال العدوى داخل المرافق الصحية
يمثل ظهور الإصابات في مناطق حضرية مأهولة بكثافة منعطفاً خطراً يذكر بأسوأ سيناريوهات غرب أفريقيا بين عامي ألفين وأربعة عشر وألفين وستة عشر. فعندما يصل الفيروس إلى الأحياء المكتظة، يصبح تتبع المخالطين عملية مضنية تفوق قدرات أضعف النظم الصحية، وتتحول الأسواق ومراكز النقل إلى نقاط تضخيم للعدوى. وتزيد إصابة العاملين الصحيين من تعقيد المشهد، لأنها تدفع بالمرافق العلاجية إلى حافة الانهيار وتزرع الخوف في صفوف الكوادر، مما يؤدي إلى عزوفهم عن العمل في لحظة الحاجة القصوى إليهم.
ويتراوح متوسط معدل الوفيات الناجم عن الإيبولا حول خمسين بالمئة، لكن هذا الرقم قد يقفز في بيئات تفتقر إلى العناية المركزة والدعم المخبري، وهو ما ينطبق تماماً على شرق الكونغو. وتعني آلية الانتقال عبر التعرض المباشر لسوائل الجسم أن أي خلل في إجراءات مكافحة العدوى، سواء في المستشفيات أو أثناء طقوس الدفن، قادر على تحويل جنازة واحدة إلى بؤرة تفشٍ جديدة.
نحو مقاربة هجينة بين الصحة والاستخبارات
في تحليلات مراكز التفكير المختصة بالأمن الصحي، يُنظر إلى هذا التفشي باعتباره اختباراً لنموذج جديد من الاستجابة يجمع بين اليقظة الوبائية ومنهجية العمل الاستخباراتي. فقدرة الفرق الميدانية على الوصول إلى القرى النائية ومراقبة مسارات التنقل البشرية عبر الحدود تتطلب تنسيقاً من طراز خاص، يجلس فيه مسؤولو الصحة إلى جانب قادة الأمن والاستخبارات على طاولة واحدة، ويتبادلون المعلومات اللحظية عن تحركات الجماعات المسلحة وطرق التهريب التي كثيراً ما تتطابق مع مسارات انتشار الأوبئة.
وبينما تتسارع الجهود لنشر لقاحات تجريبية وعلاجات بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة، يظل التحدي الأكبر متمثلاً في كسب ثقة المجتمعات المحلية، التي أنهكتها سنوات من الحرب وانعدام الثقة في السلطات الرسمية. وبدون هذه الثقة، تتحول فرق الاستجابة في نظر الأهالي إلى ناقل آخر للخطر، ويعود الفيروس للاختباء في الظلال البشرية، حيث يواصل دورة تفشيه الصامتة إلى أن يطرق أبواب المدن الكبرى من جديد.
سباق مع الزمن قبل فوات الأوان
في جنيف وكينشاسا وكمبالا، تدرك دوائر القرار أن الأسابيع الستة المقبلة ستكون حاسمة. فإما أن تنجح الاستجابة المدعومة بإعلان الطوارئ الدولي في تطويق الفيروس وإخماد بؤره، وإما أن يتحول هذا التفشي إلى فصل جديد في سجل الجوائح التي كان من الممكن تفاديها. وبين هذين المسارين، تقف الحقيقة المرة أن الإيبولا لا يحتاج إلى قرارات سياسية لينتصر، بل يكتفي بتردد البشر وبطء تمويلهم وانشغالهم بصراعاتهم الجانبية.



