دولى

أوروبا ترسم ملامح حقبة ما بعد الناتو: هندسة دفاعية سرية وشرخ استراتيجي مع واشنطن

واشنطن تعتزم تقليص دعمها العسكري لأوروبا في الأزمات الكبرى


ليبيا 24
أوروبا تخطط لتحالف دفاعي بديل عن الناتو بقيادة بريطانيا

تتجه بوصلة الأمن الأوروبي نحو منعطف تاريخي، حيث تدفع التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتباين الحاد في الأولويات الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، عواصم القارة العجوز إلى إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية بعيدًا عن المظلة الأمريكية التي هيمنت على المشهد لنحو ثمانية عقود. لم تعد السيناريوهات التي تدرسها الجيوش الأوروبية مجرد تحديثات روتينية، بل تحولت إلى خطط سرية لإنشاء هياكل قيادة وسيطرة بديلة، قادرة على إدارة عمليات قتالية شاملة دون الاعتماد على البنية التحتية لحلف شمال الأطلسي، بل وحتى دون مساعدة مباشرة من الولايات المتحدة. هذا التحرك، الذي طالما بقي حبيس الأدراج الخلفية لوزارات الدفاع، بات اليوم يحظى بزخم غير مسبوق تغذيه أزمات متراكمة، من غرينلاند إلى مضيق هرمز، مرورًا بقرارات أمريكية تقلص الوجود العسكري في قلب أوروبا.

خطط سرية لهيكل دفاعي بديل

بحسب تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر وتصريحات مسؤولين تحدثوا لوسائل إعلام غربية، تعمل جيوش أوروبية عديدة على تطوير أطر عملياتية سرية مصممة للعمل في بيئة معادية محتملة تغيب عنها القيادة المركزية لحلف شمال الأطلسي. وتؤكد هذه المصادر أن الدافع لم يعد مجرد سيناريو افتراضي لتراجع الالتزام الأمريكي، بل تحول إلى ضرورة ملحة في ظل مؤشرات ميدانية على إعادة تموضع استراتيجي لواشنطن. وأوضح مسؤول في وزارة الدفاع السويدية، في تصريح تناقلته الصحافة البريطانية، أن أزمة غرينلاند مثّلت أحد الأسباب الرئيسية لتسريع النظر في “الخطة البديلة”، في إشارة إلى التوتر الذي كشف هشاشة الإجماع داخل الحلف حول التهديدات في المنطقة القطبية الشمالية.

وتتمحور هذه الخطط حول إنشاء نواة قيادية مشتركة تتيح لدول الشمال الأوروبي ودول البلطيق وبولندا تنسيق تحركاتها العسكرية خارج الإطار التقليدي لهيكل قيادة قوات الحلفاء في أوروبا. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأن البنية التحتية للناتو، بدرجات تصنيفها الأمني العالية واعتمادها شبه المطلق على أنظمة الاتصالات والاستخبارات الأمريكية، قد تصبح عائقًا تشغيليًا في لحظة الحسم بدلًا من أن تكون عامل تمكين.

قوة التدخل السريع المشتركة نواة البديل

من بين الهياكل البديلة التي يتردد ذكرها بقوة في أروقة التخطيط الأوروبي، تبرز “قوة التدخل السريع المشتركة” التي تقودها المملكة المتحدة، والتي تضم عشر دول أغلبها من منطقة البلطيق وشمال أوروبا. وتمتلك هذه القوة مقرًا دائمًا بالقرب من العاصمة البريطانية لندن، وتتمتع بخفة حركة مؤسساتية تتيح لها اتخاذ قرارات الانتشار والاشتباك بمعزل عن الآلية الإجماعية المعقدة لحلف الناتو، والتي كثيرًا ما تعطلت بفعل اعتبارات سياسية لبعض الأعضاء. ويرى مراقبون أن لندن، بما تملكه من قدرات استخباراتية ونووية وخبرة في العمليات الخارجية، تحاول تموضعها كقطب أمني مستقل قادر على تقديم بديل عملي للحظة التي قد يغيب فيها الردع الأمريكي الممتد.

ولا يقتصر هذا التوجه على المملكة المتحدة، إذ تكثف بولندا، التي ألغت واشنطن مؤخرًا خطط نشر أكثر من أربعة آلاف جندي ومعداتهم على أراضيها، مشاوراتها مع دول الشمال لإنشاء ممر لوجستي وخطوط إمداد مستقلة. وتستند هذه المشاورات إلى قناعة مفادها أن أي تأخير في قرار الناتو بالاستجابة لتهديد ما، والناجم عن ضرورة انتظار الضوء الأخضر من واشنطن، قد يكلف دول خط المواجهة الأولى ثمنا باهظا.

تقليص الدعم الأمريكي ورسائل الانسحاب

يتزامن هذا النشاط الأوروبي المحموم مع إشارات أمريكية متتالية لا تحتمل التأويل. إذ أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية شون بارنيل أن الولايات المتحدة تعتزم سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، بينما سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اقترح توسيع نطاق الانسحابات لتشمل إيطاليا وإسبانيا. وفي خطوة موازية، ألغى الجيش الأمريكي نشر قواته المخطط لها في بولندا، وهو ما وصفه نائب الرئيس جي دي فانس بأنه خطوة تهدف إلى “تعزيز استقلال أوروبا وسيادتها”، في صياغة دبلوماسية حملت في طياتها رسالة واضحة بأن واشنطن لم تعد تنظر إلى الوجود العسكري في أوروبا كركيزة للأمن الأمريكي، بل كخدمة يمكن التراجع عنها.

ولم تقف الرسائل عند حدود إعادة الانتشار، بل امتدت إلى صلب الالتزامات الدفاعية. فمن المقرر أن تبلغ الإدارة الأمريكية حلفاءها خلال اجتماع رؤساء السياسات الدفاعية في بروكسل، المزمع عقده يوم الجمعة، بقرارها تقليص الدعم العسكري الذي هي على استعداد لتقديمه في حال نشوب نزاع أو أزمة كبرى. ويشكل هذا الإعلان، الذي يأتي في صيغة إخطار وليس تشاورًا، اختبارًا وجوديًا للمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي لطالما اعتبرت حجر الزاوية في الضمانة الأمنية عبر الأطلسي.

التباين الاستراتيجي: مضيق هرمز نقطة التحول

لا يمكن فهم عمق الشرخ الحالي بمعزل عن الأزمة التي فجرتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. فعندما رفض الحلفاء الأوروبيون إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز للمشاركة في العمليات، لم يكن الرفض مجرد خلاف تكتيكي، بل عبّر عن قطيعة استراتيجية حول تعريف التهديدات وطرق احتوائها. وأعلن ترامب في الأول من أبريل أنه يدرس “بجدية” سحب الولايات المتحدة من الحلف، متهمًا الأوروبيين بأنهم لم يعودوا شركاء دفاعيين موثوقين.

وجاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، الذي انتقد الحرب الأمريكية ضد إيران مشيرًا إلى “غياب استراتيجية واضحة من جانب واشنطن”، لتؤكد أن برلين لم تعد مستعدة للانخراط في عمليات عسكرية لا ترى فيها مصلحة مباشرة، بل وتخشى تداعياتها الإقليمية. هذا الموقف الألماني، الذي قوبل بقرار أمريكي بسحب آلاف الجنود من أراضيها، يعكس ديناميكية خطيرة أصبحت فيها القرارات العسكرية رهينة لتباين الرؤى السياسية بين الحلفاء.

ردود فعل أوروبية بين القلق والاستقلالية

في الكواليس الأوروبية، يسود مزيج من القلق العميق والرغبة المتعاظمة في الاستقلالية. فبينما تدرك العواصم الأوروبية أن لا بديل كاملًا وقصير المدى للمظلة النووية والاستخباراتية الأمريكية، فإنها بدأت تتخذ خطوات ملموسة لبناء “استقلالية استراتيجية” طالما نوقشت ولم تنفذ. وتشمل هذه الخطوات تسريع برامج تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الأوروبية المشتركة، وإنشاء مراكز تنسيق لوجستي لا تمر عبر قواعد أمريكية، ودراسة آليات تمويل دفاعي ذاتي بعيدًا عن التقلبات السياسية للكونغرس.

وتلعب الدول الإسكندنافية وبولندا ودول البلطيق دور المحرك الأساسي لهذا التوجه، مدفوعة بقربها الجغرافي من بؤر التوتر وإدراكها بأن أي تردد في الرد على تهديدات مباشرة قد يكون قاتلاً. في المقابل، لا تزال بعض العواصم الأوروبية الغربية والجنوبية أكثر حذرًا، خوفًا من إضعاف الرابطة عبر الأطلسي دون امتلاك بديل ناضج، وهو ما يجعل المشهد الأوروبي الداخلي معقدًا بقدر تعقيد العلاقة مع واشنطن.

التداعيات على الأمن عبر الأطلسي

يحذر خبراء استراتيجيون من أن التفكك التدريجي لهيكل الردع المتكامل قد يخلق فراغًا أمنيًا في خاصرة أوروبا الشرقية والشمالية، ويشجع على اختبار حدود الردع الأوروبي الناشئ. كما أن ظهور تكتلات دفاعية فرعية، مثل القوة التي تقودها لندن، قد يؤدي إلى انقسام السوق الدفاعية الأوروبية وإضعاف جهود توحيد القدرات الصناعية العسكرية التي يرعاها الاتحاد الأوروبي.

وعلى الصعيد العملياتي، فإن غياب أنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة الأمريكية المتطورة قد يقلص من زمن رد الفعل الأوروبي في مواجهة أي مفاجأة استراتيجية. ويشير محللون عسكريون إلى أن الدول الأوروبية ستحتاج لسنوات من الاستثمار الكثيف لتعويض الفجوة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وهي المجالات التي ظلت لعقود حكرًا على القدرات الأمريكية داخل الحلف.

نحو مشهد دفاعي متعدد الأقطاب

ما يتكشف اليوم ليس مجرد فصل جديد من الخلافات داخل أسرة الحلف، بل إعادة هيكلة عميقة للنظام الأمني الأوروبي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فمع انسحاب القوات الأمريكية وتقليص الالتزامات الدفاعية، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق: إما القبول بدور تابع في استراتيجية أمريكية تركز اهتمامها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو المضي قدمًا في بناء كيان دفاعي مستقل قد يغير ملامح النظام الدولي.

وتشير المصادر إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، إذ ستكشف الاجتماعات الوزارية في بروكسل مدى استعداد الأوروبيين لترجمة خططهم السرية إلى واقع مؤسساتي ملموس. وسواء أفضت هذه المساعي إلى حلف جديد موازٍ، أو إلى إصلاح جذري للناتو نفسه، فإن الثابت الوحيد أن حقبة الاعتماد الأوروبي المطلق على واشنطن تقترب من نهايتها، وأن القارة تستعد لتحمل مسؤولية أمنها في عالم متعدد الأقطاب والمخاطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى