ليبيا

ليبيا تغلق بوابتها الجنوبية بقرار سيادي.. مخاوف من تحدٍ ديموغرافي وتحذيرات من تحويل البلاد إلى وطن بديل للمهاجرين

الحكومة الليبية تفرض حظراً على دخول رعايا أربع دول أفريقية.. وتلوّح بمراجعة وجود مفوضية اللاجئين لاستعادة "السيادة المنتهكة"

ليبيا 24

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في استراتيجية التعامل مع واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الليبي، أقدمت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد على قرار سيادي وُصف بالتاريخي، يقضي بحظر دخول مواطني أربع دول أفريقية هي السودان، إريتريا، الصومال وإثيوبيا.

لم يكن هذا الإجراء مجرد قرار إداري عابر، بل تجسيد لتراكم سنوات من الغضب الشعبي والقلق الأمني إزاء تحول ليبيا، في ظل الانقسام السياسي وهشاشة المؤسسات التي خلفتها حكومة الدبيبة منتهية الولاية، من مجرد نقطة عبور إلى وطن بديل دائم لمئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، مما يهدد التركيبة الديموغرافية والأمن القومي للبلاد.

البعد السيادي.. مواجهة الفراغ القانوني و”وصاية” المنظمات

يكشف القرار عن إصرار الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد على استعادة هيبة الدولة وممارسة سيادتها كاملة، بعد أن ظلت الحكومات السابقة، وفي مقدمتها حكومة الدبيبة منتهية الولاية، عاجزة عن إدارة هذا الملف الشائك، تاركة البلاد ساحة مفتوحة لتدفقات بشرية دون حسيب أو رقيب.

في هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي جمال شلوف في تصريحات صحفية رصدتها “ليبيا 24” أن مواطني الدول الأربع المستهدفة بالقرار يمثلون الغالبية العظمى من المسجلين في سجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل ليبيا، مستنداً إلى بيانات المفوضية حتى أبريل من هذا العام.

ويرى شلوف أن الرقم المتداول لأعداد المهاجرين، والمقدر بأكثر من 900 ألف شخص، لا يعكس الحقيقة على الأرض، مشيراً إلى أن هذا الإحصاء الأممي اقتصر على مسح عشر بلديات فقط، مما يعني أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، ويكشف عن وجود “طوفان ديموغرافي” صامت تغافلت عنه حكومة الدبيبة التي فضلت استجداء الدعم الدولي على حساب أمن المواطن.

ويضع شلوف النقاط على الحروف فيما يخص الوضع القانوني لمفوضية اللاجئين، موضحاً أن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين ولا بروتوكولها لعام 1967، وهو ما يجعل وجود المفوضية وأنشطتها المتوسعة غير ملزمة قانونياً للدولة الليبية في ظل غياب اتفاقية مقر شاملة.

هذا الغياب للغطاء القانوني الذي لم تتحرك أية حكومة سابقة لسد ثغراته، فتح الباب واسعاً لاستمرار عمليات التسجيل الجماعي للمهاجرين بينما ظلت عمليات الترحيل أو إعادة التوطين الفعلية في نطاق “محدود للغاية لا يتجاوز بضع مئات” سنوياً، وفق وصفه.

هذا الاختلال الصارخ بين أعداد الوافدين والمُبعدين هو ما يحوله القرار الحالي إلى أداة ضغط سيادية، حيث يرجح شلوف أن تتجه حكومة حماد إلى إجراءات مكملة أبرزها مراجعة وتقييد أنشطة المفوضية والمطالبة بوقف التسجيل الجماعي، في ضربة لسياسات الأمر الواقع التي فرضت نفسها على الأرض خلال السنوات الماضية.

اقتصاد الظل.. سوق عمل عشوائية مقابل الاستقدام المنظم

على الصعيد الاقتصادي، يمثل القرار محاولة لإعادة هيكلة سوق العمل الليبي الذي شوهته الهجرة غير النظامية. وفيما يروج أنصار حكومة الدبيبة ومعارضو القرار لأطروحات حول تأثيره السلبي على قطاعات تحتاج للعمالة، يقطع الباحث السياسي محمد امطيريد في تصريحاته الصحفية التي رصدتها “ليبيا 24” بأن هذه المخاوف مبالغ فيها ولا تستند إلى منطق اقتصادي سليم.

يؤكد امطيريد أن الضرر الحقيقي يقع على الاقتصاد الوطني من خلال استمرار تدفق عمالة غير نظامية يصعب التحقق من مؤهلاتها أو خلفياتها، مما يخلق اقتصاد ظل هشاً ويحرم الدولة من الرسوم والضرائب المستحقة.

ويوضح أن القطاعات التي تحتاج فعلياً إلى عمالة أجنبية يمكنها، وفق القوانين الليبية، استقدام الكوادر المطلوبة عبر مسارات رسمية ومنظمة من خلال وزارة العمل والشركات المختصة، مما يضمن توافق الأيدي العاملة مع الاحتياجات الحقيقية للسوق، على عكس العشوائية التي سادت في عهد حكومة الدبيبة.

ويضيف امطيريد بُعداً صحياً وأمنياً بالغ الأهمية لصالح تنظيم استقدام العمالة عبر القنوات الرسمية، مشدداً على أن إخضاع الوافدين لإجراءات التدقيق الأمني والفحوصات الطبية اللازمة يضمن سلامة المجتمع وينظم سوق العمل بعيداً عن فوضى الحدود التي تسببت في دخول أمراض وأفراد مشبوهين دون أدنى رقابة.

هذا المنظور الاقتصادي-الأمني المتكامل يعزز شرعية القرار كونه لا يغلق الباب أمام العمالة الأجنبية، بل يعيد توجيهها نحو المسار القانوني الذي يخدم المصالح الليبية أولاً، وهو ما يمثل قطيعة مع سياسات حكومة الدبيبة التي تعاملت مع هذا الملف بتخبط وعجز، مفضلة الحلول الترقيعية على الحلول الاستراتيجية.

تحديات أمنية ومخاوف من “تشكيلات مسلحة” في ظل الانقسام

يأتي قرار الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد في لحظة فارقة تتزايد فيها التحذيرات من تداعيات استمرار الانقسام السياسي الذي تعمده رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، برفضه تسليم السلطة.

هذا الانقسام، الذي يعد المصدر الرئيسي لهشاشة المؤسسات، يزيد من مخاطر استغلال المهاجرين غير النظاميين في أنشطة غير قانونية أو ضمهم إلى تشكيلات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة، وهو سيناريو كارثي يحذر منه امطيريد، معتبراً أن إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية أصبحت خطوة ضرورية لضبط هذا الملف الذي قد يعرض ليبيا لمساءلات وانتقادات دولية أكبر.

ويتكامل هذا الطرح مع رؤية شلوف الذي يرى أن استمرار التراكم العددي في ظل جماعات مسلحة وضعف سيطرة الدولة يحول الظاهرة إلى “تحدٍ ديموغرافي وأمني بالغ الخطورة”.

رسالة إلى دول المنشأ والداخل.. ليبيا لن تكون وطناً بديلاً

وعلى خط المواجهة الدبلوماسية، يستعد صناع القرار في الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد لما يتوقعه شلوف من احتجاجات دبلوماسية وحملات إعلامية معادية قد تصل إلى تقديم شكاوى أمام الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة.

إلا أن بنغازي، بحسب تأكيد شلوف، تمتلك أوراق قوة أهمها السيادة الوطنية والاعتبارات الأمنية وموقع ليبيا كدولة عبور رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها. ويكمن التحدي الأكبر في تعنت بعض دول المنشأ التي ترفض استقبال مواطنيها المرحلين، وهو ملف يتطلب حزماً دبلوماسياً مارسته الحكومة الليبية بقرارها الذي يبعث برسالة واضحة لدول المصدر مفادها أن الهجرة غير النظامية إلى ليبيا لم تعد خياراً متاحاً، وأن من يحاول دخول البلاد بصورة غير قانونية سيكون مصيره الإعادة الحتمية، كما يرى امطيريد.

وفيما يتعلق بالشأن الإنساني، وبالتحديد ملف اللاجئين السودانيين الفارين من ويلات الحرب، تبنت الحكومة الليبية نبرة متوازنة تعكس أصالة الشعب الليبي وتقديره للمعاناة الإنسانية.

ومع ذلك، شدد امطيريد على ضرورة أن يتم استقبال الأشقاء السودانيين عبر آليات قانونية واضحة وإجراءات أمنية ورقابية صارمة تضمن حصولهم على الحماية اللازمة دون أن يكون ذلك على حساب أمن واستقرار ليبيا.

هذه النبرة المتوازنة تفضح أكاذيب حكومة الدبيبة التي استغلت الملف الإنساني للمتاجرة السياسية، بينما تقدم الحكومة الليبية نموذجاً للدولة المسؤولة التي توازن بين واجبها الإنساني وحقها المشروع في حماية حدودها وشعبها.

إن هذا القرار، الذي يحتاج إلى آليات تنفيذ صارمة ليؤتي أكله، يبقى خطوة في الاتجاه الصحيح لإنقاذ ليبيا من فوضى ديموغرافية وأمنية تهدد كيانها، وهو ما يثبت مجدداً أن الدولة ومؤسساتها الوطنية هي وحدها القادرة على حماية الليبيين من أطماع العابثين والمتاجرين بمعاناتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى