ليبيا

المربوعة الليبية تتحول من مجلس اجتماعي إلى مساحة للتأثير السياسي

امتداد اجتماعي قديم يملأ فراغ الدولة ويثير تساؤلات حول حدود النفوذ غير الرسمي

في شرق ليبيا وغربها، لا تزال المربوعة حاضرة باعتبارها واحدة من أبرز المساحات الاجتماعية التي حافظت على موقعها داخل البيوت الليبية، بوصفها مكاناً لاستقبال الضيوف ولقاء شيوخ القبائل والأعيان والشباب، وتبادل الآراء حول القضايا اليومية والعامة.

لكن وظيفة هذا المجلس التقليدي لم تعد تقف عند حدود العلاقات الاجتماعية، إذ اتسع دورها بصورة واضحة مع تراجع مؤسسات الدولة وتصاعد الانقسام السياسي والأمني، لتتحول في مناطق عدة إلى مساحة غير رسمية للتشاور والمصالحة وبناء التفاهمات، وأحياناً إلى قناة مؤثرة في ملفات سياسية وأمنية.

من حل النزاعات الاجتماعية إلى مناقشة الشأن العام

في مدينة سلوق بشرق ليبيا، تعكس جلسات المربوعة هذا الامتداد؛ إذ تجمع شيوخاً وأعياناً وشباباً وموظفين، وتتوزع النقاشات بين مشروعات إعادة الإعمار، وتحسن الخدمات في مدن الشرق، والتعقيدات الأمنية والسياسية في الغرب، إلى جانب قضايا المعيشة والحياة اليومية.

وتشير دراسات اجتماعية ومعمارية إلى أن المربوعة حافظت على وظيفتها الاجتماعية رغم تغير تصميم المنازل الليبية، إذ لا تزال تخصص لها مساحات مستقلة، بما يعكس استمرار الحاجة إلى هذا النمط من التواصل المجتمعي.

وقبل عام 2011، كان دور المربوعة يرتبط بصورة أكبر بحل المشكلات الاجتماعية، والتوسط في النزاعات، والمشاركة في المناسبات وجمع التبرعات، مع حضور سياسي محدود تمثل في بعض صور المشاركة المحلية في المؤتمرات الشعبية الأساسية.
ويشير باحثون وسياسيون إلى أنها وفرت في بعض المراحل مساحة لعقد اجتماعات سياسية بعيداً عن المؤسسات الرسمية، مستفيدة من حصانة اجتماعية غير مكتوبة تجعل اقتحام هذه المجالس خرقاً للأعراف المحلية.

كما ساهمت في احتواء نزاعات محلية، ومناقشة ملفات وقف الثأر وفتح الطرق وعودة المهجرين وتسوية الخلافات بين القبائل والمدن، وهو ما منح التفاهمات التي تخرج منها وزناً عملياً في بعض المناطق.

من المصالحات إلى التأثير في الانتخابات والسياسة

لم يعد تأثير المربوعة مقتصراً على المصالحات الاجتماعية، بل امتد في بعض المناطق إلى التشاور بشأن المرشحين في الاستحقاقات الانتخابية، وبناء التوافقات المحلية حول الشخصيات والخيارات السياسية.

ويبدو هذا الدور أكثر وضوحاً خارج مراكز المدن الكبرى، بينما تراجع الشكل التقليدي للمربوعة داخل طرابلس لمصلحة الفنادق والمكاتب واللقاءات الخاصة والرسمية.

إلا أن تراجع حضورها المكاني لا يعني بالضرورة تراجع تأثيرها؛ إذ يمكن أن تسبق النقاشات الاجتماعية داخل هذه المجالس اجتماعات سياسية لاحقة، بما يجعلها أحياناً مرحلة غير رسمية لصناعة التفاهم قبل انتقاله إلى المؤسسات والأماكن الرسمية.

حضور متزايد في شبكات النفوذ شرقاً وغرباً

في غرب ليبيا، ظهرت المربوعة في مناسبات عدة كمساحة تجمع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية مع قادة اجتماعيين وقبليين، كما استضافت لقاءات سياسية واجتماعية داخل منازل شخصيات نافذة.

وفي الشرق، احتضنت بعض المجالس لقاءات جمعت مسؤولين وأعضاء في مجلسي النواب والدولة، في إطار محاولات لترطيب الأجواء السياسية والحصول على دعم اجتماعي لمشروعات إعادة الإعمار.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فالمربوعة، التي نشأت أساساً كإطار اجتماعي للتواصل وحل الخلافات، أصبحت في بيئة سياسية منقسمة جزءاً من شبكة العلاقات التي يمكن أن تؤثر في القرار العام وتعيد ترتيب موازين النفوذ المحلي.

قوة اجتماعية مفيدة أم بديل غير رسمي للدولة؟

تفرض هذه التحولات سؤالاً يتجاوز أهمية المربوعة بوصفها موروثاً اجتماعياً: إلى أي مدى يمكن للمؤسسات غير الرسمية أن تشارك في إدارة الشأن العام دون أن تتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة؟

فمن ناحية، ساعدت هذه المجالس في سد جانب من الفراغ الذي تركه ضعف مؤسسات الدولة، وأسهمت في المصالحات واحتواء النزاعات وفتح قنوات للحوار في بيئة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.

لكن من ناحية أخرى، فإن تمدد نفوذها إلى الانتخابات والتفاهمات السياسية والأمنية قد يعزز دور شبكات النفوذ التقليدية على حساب المؤسسات الرسمية، خصوصاً عندما تصبح التفاهمات غير المعلنة داخل المجالس الاجتماعية مؤثرة في قرارات يفترض أن تُتخذ عبر أطر دستورية وقانونية.

وبالتالي، فإن استمرار المربوعة في المجتمع الليبي لا يمثل في حد ذاته مشكلة، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في حدود الدور الذي تؤديه. فكلما نجحت الدولة في استعادة مؤسساتها ووظائفها، يفترض أن تعود المربوعة إلى دورها الطبيعي كمساحة اجتماعية للمصالحة والحوار، لا أن تتحول إلى مركز موازٍ لصناعة القرار.

وفي بلد لا يزال يبحث عن تسوية سياسية ومؤسسات مستقرة، تكشف المربوعة جانباً مهماً من طبيعة الحياة العامة في ليبيا: حين تضعف الدولة، لا تختفي مراكز التأثير، بل تنتقل إلى مساحات اجتماعية أكثر رسوخاً، وقد تتحول من مجالس للضيافة إلى أدوات فعلية في إدارة التوازنات والنفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى