الحملة العراقية ضد الفساد تعيد الجدل في ليبيا حول فرص المحاسبة وإصلاح المؤسسات
تفاعل واسع مع المداهمات في العراق وسط مطالب بتعزيز الإرادة السياسية وإنهاء الانقسام لمواجهة الفساد

أعادت الحملة الواسعة التي تنفذها السلطات العراقية ضد مسؤولين حاليين وسابقين ومتهمين بقضايا فساد فتح النقاش داخل ليبيا بشأن واقع مكافحة الفساد وإمكانية تطبيق إجراءات مماثلة.
ولم يقتصر الاهتمام الليبي على حجم الأموال والمقتنيات المضبوطة أو أسماء المسؤولين الذين شملتهم أوامر القبض بل امتد إلى التساؤل حول مدى قدرة المؤسسات الليبية على تنفيذ خطوات مماثلة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.
وتحولت صور المداهمات والإعلانات المتلاحقة عن توقيف مسؤولين في العراق إلى محور نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والأكاديمية الليبية. واعتبر عدد من المتابعين أن ما تشهده العراق يمثل نموذجاً يعكس أهمية تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة في الدول التي تواجه تحديات متراكمة في ملف الفساد.
ويأتي هذا التفاعل في وقت لا تزال فيه ليبيا تسجل مستويات متدنية في مؤشرات النزاهة الدولية، فقد أظهر أحدث تصنيف لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تراجع ليبيا إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة خلال عام 2025 وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالحوكمة والإدارة العامة.
مؤشرات دولية وتحذيرات أممية تعكس استمرار تحديات مكافحة الفساد
وتتوافق هذه المؤشرات مع ما ورد في تقارير أممية متعاقبة تناولت مظاهر الفساد وسوء الإدارة في ليبيا ولا سيما في قطاع النفط الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة ، كما كررت بعثات الأمم المتحدة ومسؤولوها السابقون والحاليون التحذير من تأثير الفساد على مسار التنمية والاستقرار المؤسسي.
وشددت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه في تصريحات سابقة على أن الفساد الذي يخدم مصالح خاصة ينعكس سلباً على جهود التنمية فيما سبق أن وصفت ستيفاني ويليامز أوضاع الإدارة العامة في البلاد بأنها تعاني من فساد وسوء إدارة على نطاق واسع بينما أشار المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة إلى أن حجم الفساد في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة وفق توصيفه.
وفي سياق متصل رأى عضو الحوار السياسي الليبي عبد الرحيم الشيباني أن هناك أوجهاً من التشابه بين التجربتين العراقية والليبية مشيراً إلى أن مخرجات الحوار السياسي تضمنت مقترحات لتعزيز دور الأجهزة الرقابية ومكافحة الفساد، لكنه اعتبر أن توفر الإرادة السياسية يظل العامل الحاسم في الانتقال إلى مرحلة أكثر فاعلية في هذا الملف.
وأوضح الشيباني أن تحقيق تقدم ملموس في مكافحة الفساد يرتبط بإنهاء الانقسام السياسي باعتباره خطوة تمهد لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز استقرار مؤسسات الدولة بما يسمح بتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة بصورة أكثر كفاءة.
خبراء: نجاح المواجهة يتطلب إصلاحات مؤسسية وقضاء مستقلاً
من جانبه أكد الرئيس السابق لشركة الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى خالد الزنتوني أن الفساد لا يقتصر على ليبيا أو العراق بل يمثل ظاهرة عالمية تختلف الدول في قدرتها على مكافحتها واحتوائها عبر مؤسساتها الرقابية والقضائية.
وأشار إلى أن بعض الممارسات المرتبطة بالعقود الحكومية والاعتمادات المستندية والسوق الموازية أصبحت في بعض الأحيان محل تبرير رغم أنها تشكل مخالفات قانونية تسهم في إضعاف الاقتصاد وتراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة عمليات غسل الأموال والأنشطة غير المشروعة.
وفي المقابل لفت الزنتوني إلى وجود جهود يقودها مكتب النائب العام خلال الفترة الأخيرة في عدد من الملفات من بينها التحقيقات المتعلقة بتهريب الوقود والتي أسفرت عن توجيه اتهامات إلى عدد من المتورطين مؤكداً في الوقت نفسه أن معالجة الفساد بصورة شاملة ما زالت تواجه تحديات أمنية وسياسية ومؤسسية.
وشدد على أهمية دعم الأجهزة القضائية وتمكينها من أداء مهامها باستقلالية إلى جانب تعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية مع الجهات المختصة بما يضمن تطبيق القانون على جميع المتورطين دون استثناء أو حماية.
كما دعا الشيباني إلى استكمال منظومة مكافحة الفساد عبر تحديث التشريعات وتطوير الأجهزة الرقابية وتعزيز استقلال القضاء وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في إدارة المال العام.
وأكد كذلك أهمية توسيع التعاون مع المؤسسات الدولية المختصة بمكافحة الفساد وإنشاء قواعد بيانات موثوقة لقياس مؤشرات النزاهة وتعزيز التزام المؤسسات العامة بمعايير الإفصاح والشفافية بما يدعم جهود الإصلاح المؤسسي على المدى الطويل.



