ليبيا

من انقطاع الكهرباء إلى مراقبة المواطنين.. جدل حول الذكاء الاصطناعي في ليبيا

"ذكاء اصطناعي يغزو ليبيا.. كهرباء تنقطع ووعود تتراكم"

ليبيا 24


بين التنبؤ بالانقطاع ومراقبة المواطن.. الذكاء الاصطناعي في ليبيا يبحث عن هوية

السؤال الأكثر تداولاً: “ما هي استخدامات الذكاء الاصطناعي في ليبيا؟”. كانت الإجابات أشبه بمرآة تعكس واقعاً مأزوماً، يمزج بين الطموح التقني والسخرية المريرة، حيث بدا رد الشارع الليبي وكأنه يردد بصوت واحد: “نعم لدينا ذكاء اصطناعي، لكنه يتنافس مع انقطاع الكهرباء على من يسبق الآخر”.

في مشهدية ليست بعيدة عن الكوميديا السوداء، يتجلى الذكاء الاصطناعي في ليبيا كطفل مدلل يحاول المشي على أرض مليئة بالشظايا. فبينما تروج حكومة الدبيبة منتهية الولاية لمشاريع رقمية طموحة، يصر الواقع على تقديم عرض ساخر يجعل من التكنولوجيا أداة لفضح العجز لا لحل الأزمات.


كهرباء بلا ذكاء.. حين يصبح التنبؤ نبوءة ذاتية التحقق

في قطاع الطاقة، وهو الأكثر حساسية في حياة الليبيين، يُروّج لاستخدام خوارزميات التعلم الآلي للتنبؤ بأعطال شبكات التوزيع، وتحديد أوقات ذروة الاستهلاك، وتحسين كفاءة المحطات.

لكن المفارقة التي لا تخفى على أحد، أن هذه الأنظمة تتنبأ بانقطاع التيار قبل حدوثه بدقائق، وكأنها تقول للمواطن: “استعد للظلام، فقد حان موعد انقطاع الكهرباء الذي لن يتأخر”.

ولم تثبت هذه التقنيات حتى الآن قدرتها على منع الانقطاع، بل اكتفت بتقديم توقعات دقيقة عن مواعيد العتمة، وكأنها خدمة استعلامات هزلية لا أكثر.

وفي غياب الصيانة الدورية واستمرار نهب الوقود من المحطات، تتحول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مجرد شاشات براقة تعرض بيانات لا تغير من واقع المواطن شيئاً. فما الجدوى من تنبؤ دقيق بانقطاع التيار، إن لم يكن هناك حل جذري لمشكلة التوليد والنقل؟ وكأنما نطعم الجائع من فضلات الطعام ونقول له: “هذه وجبة ذكية”.

مراقبة لا تراقب الفساد.. كاميرات ذكية وعقول نائمة

على الصعيد الأمني، لم تخف الأجهزة المعنية طموحها في توظيف تقنيات التعرف على الوجوه وتحليل حركة المرور، ضمن ما يُسمى بالمدن الذكية.

لكن المتأمل يجد أن هذه الكاميرات التي تُركب في بعض الميادين، تنشغل برصد المخالفات المرورية البسيطة، بينما تغض الطرف عن شاحنات المحروقات المهربة التي تسير في وضح النهار. ويكتشف الجمهور أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة لمراقبة المواطن العادي، لا لمحاسبة الفاسدين أو تتبع أموال المال العام. إنها معادلة مقلوبة، تجعل التكنولوجيا خادمة للسلطة القمعية، لا وسيلة لحماية المجتمع.

ويزيد الطين بلة، أن بعض الأنظمة الأمنية تعتمد على خوارزميات مستوردة من دول تختلف ثقافتها وقيمها عن المجتمع الليبي، مما ينتج عنه نسب خطأ عالية، ويزيد من التمييز الاجتماعي، ويحول المدن الليبية إلى ساحات تجارب للشركات الأجنبية التي تبيع الحلول الجاهزة دون مراعاة الخصوصية.

اقتصاد وهمي.. بين العملة الرقمية وحلم الشفافية

في المجال الاقتصادي، يروج البعض لفكرة استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المالية ومكافحة غسل الأموال، وتحسين إدارة الميزانيات العامة. لكن الواقع يشير إلى أن المؤسسات المالية الحكومية ما زالت تتعامل بالورقة والقلم، وأن الفساد الإداري هو العصب الأقوى في الاقتصاد الموازي.

وما أنظمة الذكاء الاصطناعي المعلن عنها، إلا غطاء دعائي لتلميع صورة حكومة عاجزة عن وقف نزيف العملة أو ضبط سعر الصرف. فالمواطن يرى بعينيه أن الأموال الطائلة التي تُصرف على هذه المشاريع التقنية، لو أنفقت على صيانة شبكات المياه أو دعم الدواء، لكانت أكثر نفعاً من خوارزميات لا تفهم معنى المعاناة اليومية.

مجتمع يتساءل.. هل نحن مختبرون أم مستفيدون؟

في الشارع الليبي، يتردد سؤال محوري: هل الذكاء الاصطناعي قادم لخدمتنا، أم جئنا لنخدمه كفئران تجارب؟ فبينما تُطرح تطبيقات في التعليم عن بعد والصحة الإلكترونية، تظل البنية التحتية الرقمية هشة، وشبكات الإنترنت بطيئة، والكهرباء متقطعة.

وكثيراً ما يتندر النشطاء على منصات التواصل قائلين: “أفضل خوارزمية ذكاء اصطناعي في ليبيا هي التي تخبرنا متى سيأتي الدور على شرائح الكهرباء”. وهذه النكتة الموجعة تعكس شعوراً عاماً بأن التكنولوجيا أصبحت ترفاً لا يمس الاحتياجات الأساسية.

كما أن غياب التشريعات المنظمة لاستخدام البيانات الشخصية، يحوّل المواطن إلى سلعة رقمية تباع لأطراف مجهولة، دون أن يلمس أي فائدة تعود عليه في تحسين جودة الخدمات.

وفي خضم هذا الغياب القانوني، تترسخ ثقافة الريبة تجاه أي مشروع تقني، وتزداد الفجوة الرقمية بين النخبة الحاكمة والجماهير الغارقة في أزمات معيشية يومية.

خلاصة ساخرة.. ذكاء بلا عقل

في النهاية، يمكن القول إن استخدامات الذكاء الاصطناعي في ليبيا اليوم، أشبه بسيارة فارهة تقطع طريقاً مليئاً بالحفر، تتوقف عند كل منعرج لتعلن عن عطب جديد. إنها أدوات براقة تلفت الأنظار، لكنها لا تغير من واقع المعاناة شيئاً.

فالمواطن الليبي لا يحتاج إلى خوارزميات تتنبأ بانقطاع الكهرباء، بل يحتاج إلى كهرباء لا تنقطع. ولا يحتاج إلى كاميرات تراقب تحركاته، بل إلى عدالة تحاسبه وتساويه. ولا يحتاج إلى تحليل بيانات وهمي، بل إلى اقتصاد حقيقي يوفر لقمة العيش.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه التجربة إلى درس في الإدارة الذكية، أم ستظل مجرد فصل جديد في كتاب الهدر التقني الذي تزخر به أرشيفات الدولة؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن الظاهر أن الذكاء الاصطناعي الليبي قد وجد ضالته في تعليمنا الصبر على التناقض، وإتقان فن الابتسامة في وجه العبث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى